الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 11 قصص قصيرة ل محمود البدوى من القصاص الإلهى


أسماء القصص المنشورة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـ فى القفص
ـ الطلقة الأخيرة
ـ الكردان
ـ الأمواج
ـ الوسيط
ـ الساعة
ـــــــــــــــــ


فى القفص
قصة محمود البدوى

كان الصباح غائما مقرورا والريح تهب بشدة من ناحية البحر .. وكانت المقاهى والمطاعم الصغيرة ومحلات الحلوى التى تقع فى الميدان الواسع قليلة الرواد فى تلك الساعة من النهار لتقلب الجو وعصف الريح ..

وبرغم الرياح الهوج والإنذار بالمطر كان باعة الصحف يتحركون فى الميدان كعادتهم فى كل صباح ويصيحون بآخر تطورات الحرب فى الجزائر وآخر رحلة لرجل الفضاء ..

وكان ترام الرمل يفرغ فى كل دقيقتين حشدا مختلطا من الرجال والنساء الذاهبين إلى أعمالهم فيمتلىء بهم الميدان لحظات .. ثم يفرغ منهم ويستقبل غيرهم ..

وخرج ثلاثة من الركاب من خط « باكوس » وداروا متمهلين فى الميدان.. كأنهم يبحثون عن ملجأ يحميهم من العواصف ثم جلسوا فى داخل محل التريانون يستدفئون بشرب الشاى .. ويرقبون من خلال الزجاج فعل الرياح والعابرين من خلال النفق ..

وكانت الريح تذوم فى الخارج وهى تحمل فى دواماتها كل ما تستطيع حمله من الأوراق والغبار ولم تكن مثل هذه العواصف قد هبت على مدينة الإسكندرية منذ عشرين سنة .. فثار البحر وزمجر .. ووقفت السفن فى مدخل الميناء وتعطلت الحركة فى داخل المدينة ..

وكانت مثل هذه العاصفة قد هبت فى يوم الأربعاء الماضى على شاب من التجار وهو مسافر من الميناء إلى جنوا .. فضبط وهو يهرب ذهبا وعملات أجنبية وقبض عليه متلبسا بجرمة وأودع السجن رهن التحقيق ..

وعلمت زوجته الخبر المفزع فجاءت من القاهرة على عجل ومعها طفلها الوحيد عادل البالغ من العمر خمس سنوات وشاب قريب زوجها يدعى شوقى الذى أعلمها بالخبر وأبدى استعداده لمرافقتها إلى الإسكندرية ..

وركبوا ديزل الساعة السابعة صباحا ونزلوا فى سيدى جابر .. لأن شوقى كان يود أن يمر على صديق له يقيم فى الإبراهيمية ليساعده على أخذ التصريح من النيابة لزيارة السجين ..

ولما لم يجدوا الصديق فى بيته ... واصلوا الطريق بالترام إلى محطة الرمل فى جو عاصف .. واختاروا التريانون ليجلسوا فيه حتى يتدبر شوقى الأمر ..

وكان عبد الفتاح زوج فوزية شابا ذكيا ولامعا .. ويشتغل فى شركة من شركات السيارات وكان رفاقه ينظرون إليه كشاب له مستقبل .. واتسعت آماله وزادت مطامعه .. بعد أن تعلم من وجوده فى الشركة أشياء كثيرة فاستقل بنفسه وأصبح يتاجر فى السيارات والثلاجات .. ثم اتخذ من المحل ستارا لتهريب الأموال إلى الخارج لحساب الآخرين .. وفى إحدى محاولاته الجريئة قبض عليه متلبسا ..

وكانت فوزية تود أن تزوره فى هذا الصباح فى السجن وتعود إلى بيتها فى القاهرة فى اليوم نفسه .. ولذلك رفضت أن تذهب إلى الشقة التى يستأجرها شوقى فى الإسكندرية .. وتحت الحاحها على أن تعود إلى القاهرة فى اليوم نفسه .. رأى شوقى أن تجلس فى التريانون ومعها طفلها ويذهب هو لينجز إجراءات الزيارة ..

وتركها شوقى وذهب لسبيله وجلست فوزية ترقب الطريق من خلال الزجاج .. والريح تزف فى دوامات وتدفع أمامها كل شىء ..

ولأول مرة تجلس وحدها فى مكان عام وشعرت برجفة .. كان المكان خاليا تقريبا إلا من قليل من الرواد جلسوا متناثرين بجانب المناضد وعليها مفارشها الصفراء ..

وكانت العواصف فى الخارج تزار .. والرياح تدفع العابرين إلى الإسراع والسير تحت البواكى وجدران البيوت .. وتلاعب ملابس النساء فتجعلهن يضطربن فى سيرهن ويتلفتن إلى الوراء .. كأنهن يتأكدن من أن أحدا لا يراهن على هذه الصورة المثيرة أو يطلبن من الرجال العون ..

ولقد هبت هذه العاصفة على بيت فوزية منذ ثلاثة أيام .. وحملتها على متن الريح ودارت بها .. ومزقت كيانها .. وسترها وتركتها عارية أمام الناس .. فأحنت رأسها خجلا وتوارت ..

وعند ما طلبت العون فى مصيبتها .. لم تجد أحدا على الإطلاق يعينها غير شوقى ..

وجاءها شوقى فى الساعة الواحدة يحمل لها التصريح بالزيارة ولكن كان الموعد محددا فى صباح اليوم التالى فاختارت ماذا تفعل .. ولم يكن من سبيل غير المبيت فى الإسكندرية ..

وخرجوا من المقهى ليتغدوا فى أحد المطاعم العامة .. وعلى مائدة الغداء حدثها شوقى عن ضرورة الراحة فى شقته ورضيت لأنها كانت متعبة جدا وركبوا الترام إلى هناك ..

وكان شوقى مستأجرا شقة صغيرة من ثلاث غرف فى اسبورتنج قريبا من كليوباترا ويتخذها مصيفا ومقاما له عند ما تضطره ظروف عمله إلى التوجه إلى الإسكندرية ..

وكانت فوزية تدخلها لأول مرة فعلى الرغم من قرابة شوقى لزوجها ولكنه كان قليل الاختلاط بهم فى القاهرة .. لأنه دائما مشغول بعمله .. وكانت فوزية إذا صيفت تذهب مع زوجها وأبنها إلى رأس البر .. فلم يكن هناك مجال لترى شقة شوقى إلا فى هذه المرة .. وكانت لطيفة وسرت بها لأنها تقع على البحر مباشرة وفى عمارة حديثة ..

وخصص شوقى لها ولأبنها الغرفة الوحيدة التى تطل على البحر ولأنها كانت متعبة .. ومحطمة الأعصاب .. وتبكى باستمرار .. تركها تستريح .. ونزل هو إلى السوق يتسوق الأشياء اللازمة للبيت والعشاء ..

ولكن فوزية ظلت جبيسة فى غرفتها ولم تخرج منها ولم تتناول العشاء . وكان يعرف أنها تجتر أحزانها فتركها تستريح دون أن يزعجها إلى الصباح ..

وفى الصباح أتجهوا ثلاثتهم لزيارة زوجها .. وحوالى الساعة التاسعة دخل زوجها القفص ورأته شاحبا .. وأن بدا حليق الذقن وفى لباسه العادى .. ونظراته الثابته .. ولما لمح ابنه الصغير إنتفض كأنما لدغته عقرب وشحب وجهه شحوبا شديدا وبقى جامدا فى مكانه .. ثم مد يده للغلام فقربته أمه منه ..

وسألها :
ـ متى جئتم .. ؟
ـ الصبح .. فى أول قطار ..
ـ هذا أحسن .. أين كنتم تنامون فى الإسكندرية ..

ثم نظر لشوقى .. وكان قد سلم وابتعد يتحدث مع أحد العساكر ..
ـ وشوقى .. جاء معكم ..
ـ لقيناه فى المحطة ..
ـ بعد الزيارة خذى عادل وارجعى « مصر » على طول .. اطمئنى ليس على شىء ..
ـ حاضر ..
كان يخشى عليها من وجودها وحدها فى الإسكندرية ..

وكان الحارس .. وكل من يقع نظره عليها يحملق فيها فى ذهول .. كان جمالها وأناقتها فى ملبسها ملفتين للأنظار ..

حتى أن السجان نفسه المكلف بمراقبة الزيارة خجل من أن يقول لها أن ميعاد الزيارة قد أنتهى .. ولم يجرؤ على أن يبعد زوجها عنها ..

وأخيرا دخل زوجها وابتلعه ظلام السجن .. ووجدت نفسها وحيدة وسرت فى أوصالها رعدة وأخذت تنشج .. ثم اعتمدت على ذراع شوقى وبارحت المكان وفى عينيها الدموع الحارة .. وكان طفلها قد تعلق بثوبها فى ضراعة ولكنها لم تكن تحس بوجوده لأول مرة أظلمت فى وجهها الدنيا وأحست بالظلام يتسرب إلى نفسها ..

لقد كانت تفرحها البهجة التى عاشت فيها من قبل المال .. والسيارة الخاصة والسكن على النيل فى عمارة ضخمة .. وكان طوع بنانها كل ما تطلبه وتحن إليه كانت هذه الأشياء تفرحها من قبل .. ولكنها رأتها الآن محوطة بالأسلاك الشائكة والحديد .. وأحست بالضياع ..

أخذت تتراجع إلى الخارج .. وهى شاحبة الوجه .. وأحس شوقى بلوعتها فأركبها « تاكسيا » .. وفى « التاكسى » أطلقت العنان لعبراتها .. وكان ابنها بجوارها ذليلا فضمته إليها ..

ولما رأت السيارة تنطلق فى طريق الكورنيش سألته :
ـ إلى أين .. ؟
ـ سنروح البيت ..
ـ لا .. أنا عاوزه أسافر .. على طول ..
ـ طبعا .. سنسافر .. ولكن بعد أن تستريحى قليلا .. تعبت وأنا أشفق عليك من هذا العذاب .. وسأرى المحامى .. ليقدم له معارضة فى وقت قريب ..
ـ ضرورى نأخذ قطر خمسة .. خوفا من أن ينام عادل منا فى السكة ..
ـ سأعمل حسابى على ذلك ..
وظلت فوزية شاردة الذهن ..

واستفاقت لنفسها عند ما وقفت السيارة أمام العمارة فى حى أسبورتنج وصعدوا إلى الدور السابع ..

واستراحت فوزية بعد أن وجدت نفسها بعيدا عن العيون فى داخل الشقة فقد أراحها البكاء الطويل وانزاحت عن نفسها الغمة التى لازمتها بعد رؤيتها لزوجها فى القفص ودارت ببصرها لتتفقد الشقة بكل تفاصيلها فلم ترها الليلة الماضية إلا فى نظرة عابرة ..

كانت الشقة جميلة الأثاث .. أنيقة للغاية وكان جو المكان يوحى بالشاعرية .. وكان من الجلى أن أنامل سيدة ترتب المكان وترعاه ..

وانطلق الغلام يعدو فى الشقة وهو غير شاعر بما يجرى فى الدنيا ..

وظلت فوزية تفحص المكان بعينيها وشعرت للمرة الثانية وهى جالسة مع شوقى والباب مغلق بالخجل .. وأحست بالحاجة لأن تذهب إلى دورة المياه ولكنها خجلت من أن تدخل أمامه ..

وسألته وهى تشعر بالحرج :
ـ منذ متى استأجرت هذه الشقة ..؟
ـ منذ ثلاث سنوات ..
ـ جميلة ..
ـ أعجبتك .. ؟
ـ جدا .. وبتصيف فيها .. ؟
ـ بالطبع وأحيانا آتى فى الشتاء .. الإسكندرية .. جميلة فى الشتاء وهادئة .. وهذه الأيام العاصفة تعتبر شاذة ..
ـ أننا نصيف فى رأس البر ..
ـ حدثنى بذلك عبد الفتاح ..
ـ والصيف المقبل .. لا ندرى أين نكون .. لا نعرف مصيرنا ..
ـ فى رأس البر بإذن اللّه كما اعتدتم .. وسأتركك ساعة لأذهب إلى المحامى ..
ـ أذهب معك ..
ـ لا داعى لذلك أستريحى أنت وعادل .. ولكن لا تقلقى سأنتظر المحامى فى مكتبه إلى أن يحضر إذ ربما عنده اليوم جلسة .. فى المحكمة ..
ـ إننا فى انتظارك .. إلى أن ترجع بالسلامة وخذ مقدم الأتعاب ..
وفتحت محفظتها ...

فنظر إليها .. وهى تخرج ورقة من ذات عشرة الجنيهات ..
ـ خلى النقود معك الآن سأعطيه .. وأحاسبك بعد ذلك .. وفى عودتى سأحمل معى طعام الغداء .. فاستريحى ..
وخرج وأغلق الباب ..

* * *

كانت فوزية تعرف أن الوقت يمر فى تثاقل والنهار على قصره سيطول فبماذا تشغل نفسها حتى يعود شوقى .. كان وجود عادل يسليها فى بيتها ولكن هنا .. كان الأمر على العكس .. والساعات بطيئة .. وخرجت تدور فى الشقة وتخرج من غرفة إلى أخرى .. وتقلب فى المجلات والصور ..

لم تكن الشقة فى أناقتها شقة رجل عازب .. أو شخص يتخذها مصيفا .. بل كانت شقة عروس وعفش عروس .. وأنامل الأنثى بادية فى كل مكان ..

ربما كان شوقى متزوجا وهى لا تدرى .. أو متخذا لنفسه عشيقة .. أو يأتى فى كل ليلة بامرأة كما يفعل غيره .. وأخذت هذه الخواطر تدور فى رأسها .. وعجبت من كونها تفكر فى مثل هذه الأشياء وتشغل نفسها بها وهى على هذه الحالة من التعاسة ..

ووجدت « راديو » صغيرا فى حجرة النوم فأدارته .. وانساب النغم هادئا .. وكان عادل يروح ويجىء وهو فى بهجة منطلقة .. واستوثقت أمه من علو الشرفة .. واطمأنت وتركته يمرح على هواه ..

وكان الجو شديد البرودة فى داخل الشقة مثله فى الخارج والبحر هائجا والموج يصفق وكانت هناك ريح غريبة قد بدأت تهب وشاهدت بعض البواخر الكبيرة .. تسير من بعيد فى عرض البحر وهى تصارع الأمواج وعلى مدى البصر رأت السلسلة .. وبعض الزوارق الصغيرة طاوية أشرعتها وراسية هناك ..

وأخذت تتابع بعينها تحركات البواخر فى عرض البحر .. وكان سباق اسبورتنج وراءها وقمم البيوت وقبابها وبدت المدينة يخيم عليها السحاب ويلفها فى شملته ..

* * *

وعاد شوقى بعد الساعة الثانية .. يحمل طعام الغداء ...
وأعدت فوزية المائدة وسألته على الطعام :
ـ هل قابلت المحامى .. ؟
ـ لم يحضر من المحكمة حتى الساعة وقد تركت له ورقة لأعود إليه فى الساعة الخامسة مساء ..
ـ سأترك لك الموضوع وأسافر ..
ـ إبقى إلى الغد .. وسنسافر معا .. كما جئنا معا .. أرجوك ..
ـ لقد وعدت عبد الفتاح بالسفر اليوم .. ولابد من السفر ..
ـ إنى أشفق عليك من العودة وحدك .. وسأنهى الموضوع الليلة وربما لحقنا قطر سبعة وربع ..
ولم تعقب فوزية ووقف الحديث عن السفر عند هذا الحد ..

* * *

وبعد الغداء .. جلسوا يتحدثون .. ونام الغلام .. وأحست الأم لنومه بالراحة ..

وخرج شوقى .. وذهب إلى المحامى .. وعاد فى الساعة السادسة مساء وحكى لها ما جرى مع المحامى وكيف طمأنه وسيتخذ الإجراءات للمعارضة فى أمر الحبس من الغد ..

وظل شوقى يحادث فوزية ويطمئنها على حال زوجها ويحبب لها البعد عن جو القاهرة فى ذلك الوقت حتى رضيت أن تقضى الليل فى الإسكندرية ..

ولاحظ عليها قلقها وحزنها وكان يود أن يشغلها بأى شىء فاقترح عليها أن تقوم بإعداد العشاء ولو بالإكتفاء بطبق واحد .. ولكنها اعتذرت بكون أعصابها محطمة ولا تحس بالقوة على أن تقف أمام النار ..
وأخيرا قررا النزول والتعشى فى الخارج ..

ولما رجعوا ثلاثتهم كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة ولم تكن فوزية تحس بالنوم فقد كانت أعصابها لا تزال متوترة فأبدت له رغبتها فى أن تجلس فى أى مكان قريبا من البحر .. لم تكن قد زارت الإسكندرية فى الشتاء وكانت ريح البحر ترطب وجنتيها .. وتغسل روحها .. كانت تود أن تصفو روحها القلقة .. وأن يداعب وجهها الهواء البارد ..

* * *

ولم يجد أى كازينو على البحر يعمل فى الشتاء .. ووجدا مكانا صغيرا .. فجلسوا ثلاثتهم وراء النوافذ الزجاجية محتمين من الريح .. وشربا الشاى وطلبا حلوى لعادل الذى أخذ النوم يداعب جفنيه ..

وسألت فوزية بصوت خافت .. ونغمة حزينة :
ـ هل شرحت الموضوع للمحامى .. ؟
ـ أجل .. بكل تفاصيله ..
ـ وطمأنك .. ؟
ـ كل الاطمئنان ..
ـ أعتقد العكس .. وأعتقد أن عبد الفتاح لن يخرج من هذا القفص .. لقد تمزقت حياتنا .. شعرت بالضياع ..

واخضلت عيناها بالدمع .. وخجلت من كونها تبكى فى مكان عام .. وابتلعت عبراتها .. وظل هو يواسيها ويخفف الألم عن نفسها بكل كلام ..

وقالت من خلال عبراتها :
ـ إن الإنسان لا يحس بالضياع إلابعد أن يضيع فعلا ... والطمع يغشى عينيه .. فيحسب أن المال هو كل شىء فى الحياة .. منه يشترى السعادة ويتحدى القانون .. ثم يدرك بعد فوات الأوان .. أنه كان مخدوعا .. وأنه عاش فى ضلال ..
ـ يسرنى أن أسمع منك هذا الكلام .. الآن .. ؟
ـ هل تحسبنى كنت أشجعه على هذه الحياة .. ؟
ـ أبدا ما فكرت فى هذا ..
ـ لقد كان يصرف المال على مباذله وشهواته الخاصة .. ويضيع كل ما يجمعه يوما بيوم .. والمال الحرام لا يعيش ... وكانت رفاهيتنا مظهرية .. بحتة وفى أعماقنا يعيش العذاب ..
ـ أعرف أنك تعذبت ..
وغلبها التأثر فسالت عبراتها وأخرجت منديلها ..

وقال يواسيها :
ـ إن ما حدث مقدر .. وما ذنبك .. ؟
ـ كان يجب على أن أسأله من أين يأتى بهذا المال .. ولكننى تركته حتى جرفنا الطوفان .. فى لحظة .. تعرينا .. وكيف أواجه الناس .. وكيف يعيش الغلام المسكين وأبوه فى السجن ..
ـ فكرى فى رحمة اللّه ..
ـ إن اللّه لا يرحم من لا يتقيه .. ولا يخشاه ..
ـ لا داعى لكل هذا اليأس ..
ونظرت إلى ابنها فوجدته ينام على كرسيه ..
ـ أصح يا حبيبى ..
وتناولت يده واتخذوا الطريق إلى البيت ..

* * *

وعندما دخلوا الشقة وأغلق هو الباب بالمفتاح ووضعت هى الغلام فى الفراش .. أحست بالراحة وبأن حائطا سميكا قد فصلها عن الناس الذين كانت تخشاهم ولا تحب أن تواجههم بكل تعاستها .. وكل لوعتها وكل عريها .. لقد تعرت أمامهم .. عراها زوجها ومزق ثيابها ومزق حياتها وجعلها تقف عارية أمام الخلق لا يسترها أى شىء على الاطلاق جعلها تواجه العار وحدها .. إنها تتوارى الساعة من العار .. وراء الجدران السميكة ..

وظلت ساهرة فى الصالة وشوقى يحادثها فى مختلف الشئون حتى يسرى عن نفسها ..

وكانت تسمع من حين إلى حين صوت ابنها الذى تركته فى غرفة النوم وحده ..
ـ ماما ..
فنهضت إليه مسرعة .. فتجده فاتحا عينية .. كانت تحسب بعد ان رأته ينام على كرسى المقهى .. انه سينعس بمجرد وضعه فى الفراش .. ولكنه كان يغفو ثم يصحو .. على غير عادة .. ولعل فى رأسه الصغير شيئا لم تعرفه عندما وجد نفسه فى بيت غير بيته .. وظلت بجانبه .. وكلما بارحت الغرفة ناداها .. فاضطرت أن ترد الباب .. وترقد بجواره متيقظة ونائمة حتى أشرق نور الصباح ..

* * *

وجلسا إلى المائدة يشربان الشاى فى الصباح .. وكان الغلام قد بدأ ينام .. شربا الشاى فى تمهل وخاضا فى فنون الأحاديث .. ولما طرقا موضوع السفر .. كانت قد أقتنعت تماما بأن تبقى يومين أو ثلاثة فى الإسكندرية .. بعيدا عن معارفها وجيرانها فى القاهرة .. حتى يتحدد ميعاد المعارضة ..

وخرج شوقى يتسوق الطعام من السوق ثم ذهب إلى مكتب المحامى وبقيت فوزية فى البيت ومضى الصباح ثقيلا مملا والأفكار السوداء تنهش رأسها .. وظلت فى البيت إلى الساعة الحادية عشرة من الصباح لم تر موجبا للخروج ثم شغلت بإعداد الطعام وطلب أنبوبة « البوتاجاز » .. وتشغيل المطبخ وشاعت الحركة فى الشقة المهجورة .. وكان الغلام ينزل إلى الأدوار الأرضية ويلعب فى مدخل العمارة مع الأولاد ثم يصعد مسرورا .. فقد وجد ما يؤنسه فى وحشته ..
واستراحت فوزية لوجودها منعزلة عن الناس وقريبة من البحر وكانت تسمع صوت الموج رعادا .. وكانت الشمس تطلع ثم تغيب وراء السحاب وبدا النهار أقل برودة من الأمس ..

لما جاء شوقى وحدثها بأن المحامى بذل جهده لتكون المعارضة فى يوم السبت المقبل .. شكرته لتعبه ولاحظت أنه خارج لتوه من عند الحلاق وأنه يبدو على غاية من الأناقة .. وقد التمع شعره وتعطر .. وأخذت فوزية تنظر إليه وكأنها تراه أمامها لأول مرة .. بدا أنيق الهندام وأكثر رقة من زوجها وكان متقاربا معه فى السن والطول وفيه صفات أسرة زوجها ولهجتهم .. كان فى الرابعة والثلاثين من عمره أبيض طويلا مستدير الوجه وفى عينيه ذكاء مفرط .. وكان مثل زوجها يشتغل بالتجارة ولكنه لا يبذل كل جهده فيها ومع ذلك بدا لها موفقا غاية التوفيق فى أرباحه .. ولم تكن تعرف على اليقين الشىء الذى يجلب له المال .. وكان ميسورا وقادرا على الزواج .. ولكنه حتى هذه السن لم يتزوج ..

ولم يكن فى فترة وجودهم فى القاهرة يزورهم فى بيتهم إلا فى النادر كل ثلاثة شهور مرة .. وكانت تعرف أنه قريب لزوجها ولكنها لا تعرف مبلغ القرابة على التحديد .. وأصبح بعد أن سافر أخو زوجها أحمد ليعمل فى أحدى السفارات فى الخارج هو الشخص الوحيد الذى تراه من أقاربائه ..

ومنذ قبض على زوجها وهى تشعر بأنه جزع للخبر مثلها .. وهو فى الإسكندرية طوع بنائها .. ويقوم بكل ما تطلبه .. وقد ذهب للمحامى عدة مرات .. وأراحها فى بيته .. ويصرف على الطعام والشراب .. ولم يكن فى محفظتها هى غير عشرة جنيهات وبعض الحلى حملتها معها لتبيعها وتصرف منها على زوجها المحبوس .. ولم يكن فى بيتهم أى وفر من المال ..

كان زوجها يكسب كثيرا ولكنه كان يقامر .. ويصرف كثيرا .. وكانت تعرف أنه يصرف على النساء .. ويصرف عليهن بجنون وأن النساء هن اللواتى يدفعنه إلى كل هذه الأمور الشائنة وظلت صابرة وكانت تتصور أنه سيعود إلى عقله ويعود إليها خصوصا بعد أن كبر عادل .. ولكن المقادير كانت أسرع من تقديرها وها هو الآن فى داخل القفص .. وقد تركها فى الخارج للمقادير وريح الشتاء ..

وعندما وضعت المائدة .. لاحظت أن شوقى يجلس فى كرسيه فى الصدر وفى مواجهتها تماما .. كما كان يفعل زوجها فى بيتهم فى القاهرة ..

وتناولت طعامها وهى تلاحظه بعينيها يأكل .. وكان طفلها عادل كعادته.. مدللا .. قلقا وقد أتعبها وهى تطعمه وزاد من همومها ..

* * *

وفى العصر ذهبوا إلى محطة الرمل ثم عادوا إلى البيت .. بعد الغروب وسألته .. وهى تخلع معطفها :
ـ هل ستبقى فى الإسكندرية إلى يوم السبت .. ؟
ـ نذهب أو نبقى كما تحبين .. أنا طوع أمرك ..
ـ ألا نسافر حتى فى الصحراوية .. ونعود يوم الجمعة ..
ـ أنا عند رأيك ..
عاد إليها القلق

ورآها بعد أن خلعت المعطف وبقيت فى الثوب الوحيد الذى سافرت به فلم يكن معها غير حقيبة يدها الصغيرة .. فإن الثوب أسود داكن .. ولا يدرى لم اختارته بهذا اللون هل هو مقدمة لنعى زوجها أو دليل على حزنها على مصيره .. وكان محبوك النسج على قامتها الفارعة ويبرز تقاطيع جسمها.. وتكوين صدرها .. ورقة خصرها .. واستدارة فخذيها ..

وكانت بيضاء بياضا شفافا ملتمعا .. وعلى شفتيها الخمراوين يجرى ريقها مثل الشهد .. ويشتم من بشرتها .. مثل رائحة العنبر ..

وكان الثوب الوحيد قد تكسر من طول لبسها له ومكوثها به فقد كانت لا تخلعه الا فى الظلام .. عندما تدخل فى الفراش ..

ومع وجودها فى صحبة شوقى وملازمتها له أكثر من يوم ولكنها كانت ترتبك لمجرد إحساسها بأن عينيه تتبعانها وهى داخلة إلى دورة المياه .. ولاحظ أرتباكها فكان يذهب بعيدا عن الصالة كلية حتى لا يربكها ..

ولم يكن قد ضايقها بأية حركة أو أى عمل تشتم منه أنه ينظر إليها نظرة الرجل إلى الأنثى .. كانت نظرته ساكنة مؤدبة .. وكان دائما على استعداد لأن يتحمل كل شىء فى سبيل راحتها .. فنام على ( كنبة ) فى غرفة بعيدة عنها وترك لها غرفة نومه بكل ما فيها من رياش واطمأنت تماما لصحبته ..

* * *

وفى اليوم الثانى وبعد الغداء .. أغلق عليه باب الغرفة التى ينام فيها .. تركها فى حريتها مع طفلها .. وجمعت للطفل أشياء يلعب بها .. فى الصالة وجلست قريبة من النافذة من وراء الزجاج ملقية نظرها على الإسكندرية .. على السلسلة .. وعلى رءوس المنازل البيضاء الملتمعة كلما طلعت الشمس وكان الكورنيش فى نصف دائرة من رأس التين إلى المنتزه ..

والبحر أزرق اللون بين هذين وقد بدا هادئ الصفحة وخف عراكه مع الريح ..

لم تكن تسمع حركة السيارات فى الطريق ولا صوت أحد فى هذه الشقة العالية .. واسترخت أعصابها فى هذا الجو الهادئ .. كان الهدوء يؤثر على قلبها .. ويشعرها بالبهجة الحالمة وكانت تشعر فى مثل هذه الأوقات برغبتها فى أن تعانق أحدا لتشعره بسرورها ..

وكان شعاع طويل من الشمس ينفذ من خلال زجاج النافذة ويرتمى على السجادة ونظرت إلى الشعاع وأحست بالرغبة فى أن تستدفىء فى هذا المكان .. فوضعت شيئا تحت رأسها .. وتمددت على السجادة ..

وراحت فى غفوة لذيذة وأحست بالدفء ولم تشعر بنفسها .. إلا وهى ترى عينى شوقى ترقبانها .. وكان قد فتح باب غرفته فرآها فى رقدتها .. فوقف فى مكانه يتأملها فى سكون ولم يكن يود أن يقوم بأية حركة مخافة أن تصحو ولكنها صحت على حركة من ابنها ..

ولما فتحت عينيها وجدت (شوقى) يرقبها باسما وكان الثوب قد انزاح عن ساقيها .. فنهضت سريعا ووجهها فى لون العناب ..

ودخلت غرفتها .. وأخذ هو يداعب ابنها (عادل) .. ولما فرغت من زينتها كانت فى حالة من الانشراح شجعته على أن يقترح عليها أن يذهبوا إلى السينما فى حفلة الساعة السادسة .. فقبلت .. واختاروا سينما ريو .. وفى الطريق إليها اشترت بعض الملابس الداخلية لها وللغلام .. لأنها لم تكن تحمل غيارات أطلاقا ..

ولما رجعوا إلى البيت .. تعشوا ودخل شوقى غرفته .. ولما أدركت أنه نام .. ذهبت إلى الحمام .. أخذت تغسل ملايسها الداخلية المتسخة وملابس الغلام .. ووجدت حبلا فى الشرفة .. فنشرت الملابس فيه ..
وأغلقت الباب الزجاجى .. وشعرت بهدأة الليل ..

وكان عادل نائما على الكنبة فى الصالة فحملته إلى الفراش .. وأغلقت النور لينام ..

ولكن قبل أن تنام أحست بصوت الريح فى الخارج .. ثم صوت المطر .. واخذ المطر .. ينهمر بشدة .. فرأت أن تبعد الملابس التى نشرتها عن المطر .. وفتحت نافذة الشرفة على عجل فهبت الريح قوية فى وجهها وخبطت أبواب الشقة ..

وعندما اقتربت من حبل الغسيل لتجمع الملابس المنشورة شعرت بأنها هى نفسها تكاد تطير فى الجو من قوة الريح .. وسقط شىء صغير من يدها وحملته الريح إلى جوف الليل وندت عنها صرخة .. وتراجعت مذعورة من قوة الريح فوجدت نفسها على صدر شوقى وضمها إليه يحميها من العواصف وأدخلها فى الصالة وأغلق زجاج الشرفة ..
ولامس بشرتها وجسمه جسمها وشعر بمثل النار ..

ودخلت شاحبة اللون ووجدت ابنها ( عادل ) يرقب المشهد من مكانه على السرير ..

* * *

وعاد شوقى إلى غرفته وهو يحس بهزة عميقة وقسوة عارمة .. فقد لامس جسمه جسمها .. لعبت الريح .. دون غرض .. فأشعل الحادث الذى حدث دون تدبير فيه النار ..

ولم ينم وظلت الريح تعصف طول الليل والمطر ينهمر وكان البحر هائجا كالغول وهما يسمعان صوته ..

وشعرت بالخوف وكان همها أن تدثر الغلام وتدفئه حتى ينام .. ودخل عليها شوقى الغرفة لما أحس باشتداد البرد وفعل الريح ، يحمل لها بطانية أخرى فشكرته ووضعتها على الغلام .. وجلست على طرف الفراش وهى تنظر إلى عينيه ليذهب عنها .. ولكنه ظل واقفا فى مكانه .. كأنه بعد أن لامس جسمها واحتضنها عفوا .. أصبح له الحق فى أن يدخل عليها غرفتها .. ويبقى فيها ..

وسألها عن الطفل ..
ـ هل نام .. ؟
فهزت رأسها نعم ..
ـ وأنت هل تشعرين بالبرد .. ؟
ـ أبدا ..
ـ سأعمل لك ولنفسى فنجانين من الشاى ..
وسرت لأنه يهتم بها حتى فى هذه الأوقات ويتحمل التعب فى سبيلها .. ولكنها لم تتركه وحده ونهضت وراءه إلى المطبخ ..

وكان قد وضع الغلاية على النار .. وقف يرقب .. وأخرجت هى « الفناجين » ووضعتها على المائدة فى الصالة .. فذهب وراءها .. وجلسا يتحدثان فى همس خوفا من أن يصحوا الطفل واستغرقا فى الحديث .. حتى سمعا صوت الغلاية وهى تفور .. فجريا إلى المطبخ .. ومد يده قبلها فلسعته النار .. فألقى بالغلاية فى الحوض وتناولت فوزية يده وقد لسعته النار ..

وبعد لحظة سمعت صوت الطفل ينادى .. فجرت إلى الطفل ..

وفى اليوم التالى .. نسيت السفر إلى القاهرة .. أحست برغبتها فى أن تبقى فى الإسكندرية .. وظلت قلقة .. إلى الصباح ..

* * *

وفى أول الليل دخلت .. صيدلية واشترت أقراصا منومة .. وكان الصيدلى فى أول الأمر يرفض أن يبيع لها هذه الأقراص من غير ( روشتة ) طبيب ولكن لما رأى وجهها الشاحب وشرحت له حالها ونفسها وأنها لم تذق النوم منذ أسبوع أعطاها الأقراص ..

* * *

ومع كوب صغير من اللبن أعطت الطفل ثلاثة أقراص وهو فى الفراش دون أن يراها شوقى ..

ثم رقدت بجوار ابنها فأحست ببرودة جسمه فذعرت .. ونظرت إلى عينيه وحركته .. فصرخت فى جنون ورعب ..
وأدركت أن الأقراص المنومة قد أنامت ابنها إلى الأبد ..

وجاء شوقى على صرخاتها ولكنه لم يستطيع الأقتراب منها وهى تلطم خديها وتمزق ثوبها وشعرها .. فقد كانت فى حالة من فقد عقله تماما ..

===============================
نشرت القصة فى مجلة آخر ساعة 18/4/1962 وأعيد نشرها بمجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " زوجة الصياد " وبمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
================================








الطلقة الاخيرة
قصة محمود البدوى

كانت زراعة القمح هى الزراعة الغالبة فى قريتنا .. وكان محصوله يأتى بأجود غلة فى المنطقة على الإطلاق ..

وكانت أيام الحصاد هى عيدنا كل سنة .. وكنا نتخلف عن المدرسة بسببها .. حتى وإن اقترب الامتحان .. وعندما يتكوم القش فى الأجران وتدور عليه النوارج .. كنا نشعر بالبهجة الحقيقية للإنسان ..

وبعد الدريس .. نبدأ فى تذرية الجرن فى الليالى القمرية الطيبة الريح ..

ولما تنفصل الغلة عن التبن .. ونراها فى أكوام مخروطية ضخمة يبلغ بنا الفرح مداه .. ونحرسها من « العين » بالنواطير .. التى نقيمها فى طريق المزرعة .. ونزيد من البركة .. بالقلة الفخارية الممتلئة إلى حافتها بالماء نغرسها فى الغلة ..

وكانت أحسن أنواع القمح نزرعها فى الجزيرة .. حيث الأرض العذراء التى لم يمزق تربتها السماد ..

وكانت الجزيرة تبعد عن القرية بمسافة أربعة فراسخ .. وتقع على العدوة الأخرى من النيل ..

وكنا عندما نذهب إليها لندخل المحصول فى المخازن .. ننقطع انقطاعا كليا عن القرية ما يقرب من الشهر وكانت هذه الأيام هى أجمل أيام حياتنا .. كنا نحس ببراعم شبابنا تتفتح للحياة فى الشمس الضاحكة .. والهواء الطلق .. وكنا نستحم فى النيل .. ونجرى حفاة الأقدام .. ونصطاد السمك المتدفق من الفيضان .. ونشعر بأن حريتنا تأخذ كل مداها وكل طاقتها ..

وكنا نقضى ساعة القيلولة فى الخص مستظلين من وهج الشمس الحامية نلعب الطرطقة .. والسيجة ..

وكانت حولنا .. الماشية والطيور متروكة على سجيتها ، وهواها ..

وكانت الجمال باركة تجتر .. والثيران والابقار فى صف واحد وأمامها التبن المخلوط بالفول والنخالة .. والجاموس بعد أن أستحم .. فى النيل .. نام على الحشائش وجلده يلمع تحت ضوء الشمس .. وطيور .. الدجاج .. والبط .. والأوز .. ترعى الحب .. كما اتفق .. وتستحم فى مجراة « الوابور » ..

وكان بجوار الوابور .. صف من المساكن .. من الطين والبوص وجريد النخيل .. وكان الأطفال يلعبون فى الطين والوحل .. وثيابهم ممزقة .. وعيونهم متسخة .. ووجوههم ملطخة بالوحل .. وأمهاتهم فى الداخل ينفخون النيران .. أو فى الخارج يملأن القدور أو البلاليص .. من مجراة الوابور .. أو ينحدرن فى الطريق إلى النيل .. وعلى رؤسهن الطرح ..

فإذا جاء العشى .. افترشنا الدريس تحت السماء المتألقة بالنجوم وأخرج أبو طاحون المزمار الطويل من جرابه وأخذ يزمر .. وكانت عنده قدرة عجيبة على النفخ دون أن يسترد أنفاسه .. وبراعة فى إخراج أعذب الأنغام .. وكان جمالا قوى البدن يقود أربعة من الجمال الضخمة .. ويلبس نعلا طويل العنق مضفرا .. وإذا جلس إلى المزمار .. نسى نفسه .. واستغرق فى فنه .. وكنا عندما نجلس حوله ننسى أنفسنا كذلك وننسى كل ما يجرى فى الحياة الخارجة عن نطاق حدودنا ..

وكانت لنا ثلاثة أجران كبيرة .. لا تتغير أبدا .. ولم نكن ننقص أو نزيد من مقدار الأرض التى نزرعها قمحا بمقدار قيراط واحد .. أو نغير من موقع الجرن .. كان كل شىء يجرى على ترتيب ونظام دقيقين .. منذ حياة جدى عبد المنعم .. فلما خلفه والدى سار على نسقه ومنهاجه ولم يغير طريقته وترك بيت « الوسية » يسير كما كان ..

وكان الشىء المتصل بالحصاد دائما والذى يبرز بمجرد حدوثه .. هو حارس الأجران عمار .. وكان يحرس أجراننا منذ ثلاثين سنة .. ولم يغير فى خلالها موضع خصة المجدول بالليف ..

وكان عمار .. فى الفترة التى سبقت هذا العمل من أشد الرجال بطشا .. كان اسمه يرعب القلوب الفتية ..

وقد ظل الرجل طوال هذه السنين .. وحتى بعد أن انقطع عن حياة الليل .. محتفظا بكل جبروته .. وكل قوته .. وكان متوسط الطول يرتدى جلبابا من الصوف المغزول ولبدة حمراء وفى وجهه المستطيل نمش خفيف .. وفى عينية نظرة الليث إذا خرج من عرينه ..

وحتى بعد أن كبر وانحنى جذعه قليلا .. ظلت النظرة الكاسرة من أبرز صفاته ..

وكان حليما خفيض الصوت .. يجرد يده من السلاح .. فى النهار والليل .. وكان إذا حدث ما يثيره سمعت لبندقيته زئير الأسد ..

* * *

وكانت الجزيرة لرداءة مواصلاتها .. وبعدها عن نقطة البوليس تكثر فيها حوادث السرقة والنهب .. وقل من يتحرك فيها فى الليل لهذا السبب ..

ولكن منطقة عمار كانت من أكثر المناطق أمنًا .. وكان الفلاحون يجلسون بجوار خصه ويلوذون به .. ليصبحوا فى المنطقة الآمنة ..

وكان الرجل يسر جدا عندما أجىء إليه فى الأسبوع الثانى من شهر يونيه ومعى بعض الكتب التى أتسلى بقراءتها فى هذا المكان المنعزل ومع أنه لا يعرف القراءة والكتابة .. ولا فرق عنده بين الحروف العربية والحروف الصينية .. ولكنه كان يسر جدا من النور الذى يتصوره دوما يشع من الكتب .. وكنت فى نظره مثالا للشباب المتزن المتنور .. يقارننى بأبناء من يعرفهم من الفلاحين الذين يدفعهم الفقر والجهل إلى الجريمة .. ويشعر فى قرارة نفسه بالأسف لأن أولاده شبوا جهلاء مثله .. ولم يكن فى استطاعته أن يصرف عليهن ويعلمهن فى البندر ولم تكن هناك مدرسة فى القرية ..

وكان عنده ثلاثة أولاد وبنت واحدة .. وكانت البنت متزوجة .. وأكبر الأولاد يعمل فى المراكب .. أما الولدان الآخران فكانا يعيشان معه .. وكان خليفة أكبرهم .. وكان فى العشرين من عمره .. طويلا مفتول العضلات .. وكان يرعى الغنم فى الجزيرة .. ومن الغروب .. يسرحها .. ويعود لبيته .. أما الولد الثانى تغيان فكان أصغر أولاده وكان يساعد والده فى عمله ..

* * *

وكنت على الرغم من وجود الكتب معى فى هذه المنطقة .. أشعر بالسأم من الحياة الرتيبة التى يعيشها الفلاحون ، وكان الخص فى مواجهة غيط من الذرة الشامية كان ملاصقا للاجران فكنت أرقب منه .. الفلاحين وهم يعزقون الأرض ويسقون الزرع .. من مجراة الوابور .. وكنت كثيرا ما أسمع صراخ النسوة فى البيوت القريبة منا .. ثم أرى على الأثر جموعا من الفلاحين خارجين من الغيطان بفئوسهم وهراواتهم .. ومن عيونهم يطل الشرر ..

ولكن مجرد ظهور عمار من بعيد كان يغير الموقف فى الحال ويطفىء هذه النار المشتعلة .. وينسحب الفلاحون وتنفض جموعهم قبل أن يقترب منهم .. لم يكن أحد منهم يجرؤ حتى على رفع صوته فى حضرته ..

وكنت أسأل عن سبب هذا العراك فأعرف أن نعجة لفلاح أكلت من غيط فلاح آخر .. ولهذا السبب التافه تدور المعركة الحامية التى تسيل فيها الدماء .. ولولا وجودعمار فى تلك الساعة لسقط أكثر من صريع .. كانوا يتعاركون لاتفه سبب ويقضون النهار فى منازعات على القيراط والسهم ويتوجسون شرا من كل إنسان .. فما من إنسان ينفعهم أو يرعى حالهم وانما الكل يأخذون منهم ولا يعطونهم شيئا ..

وكان هذا الاحساس بالظلم ينفجر عندهم فى ظلام الليل ويدفعهم إلى السرقة وإلى السطو على العزب والقرى المجاورة ..

* * *

ولم أشاهد فى الأسبوع الأول والثانى من إقامتى فى هذا المكان .. إلا الوجوه التى ألفتها .. ولكن بمجرد ظهور الغلة ظهرت الرجل الغريبة .. ظهر الباعة على الحمير ومترجلين يبيعون المناديل الزاهية .. وأثواب الدمور والشاى والدخان .. وقطع الصابون المعطرة ..

وكانوا يأتون من البندر ومن القرى المجاورة ..

وفى عصر يوم مرت على الأجران امرأة وكانت تحمل على رأسها صرة كبيرة فيها كل ما يحتاجه الفلاح .. من دخان .. ومناديل .. وكل أصناف الأقمشة الشعبية .. ولما رأتنى وحدى فى « الخص » اقتربت منى .. ورأيت لها وجها صبوحا وعينين دعجاوين .. وفما غليظ الشفة وحسنة كبيرة على الخد وحلقة مغروسة فى الانف الدقيق .. وعرضت كل ما عندها من بضاعة.. وألحت لأشترى منها شيئا بدلال الأنثى الناضجة .. ولكنى رفضت.. فذهبت بهدوء إلى النخيل ..

وفى اليوم الثانى جاءت فى نفس الميعاد تعرض بضاعتها ، وأصبحت تجىء كل يوم ..

وعرف الفلاحون أن اسمها ناعسة .. وكنا لا نستطيع أن نشترى منها شيئا لأننا كنا نتعامل بالغلة .. وكنا لم نضرب الكيلة فى الغلة بعد ..

ونتشاءم جدا من مس أكوام الغلال قبل أن ندخل شيئا منها فى البيوت ..

وفى عصر يوم شاهدتها .. ترقص على مزمار أبو طاحون .. وكانت مثيرة فى رقصها وحركاتها .. والبريق المشع من عينيها ..

وظل السامر مشتعلا إلى الليل .. ثم أطفأت بفمها النار .. وانثنت وحملت صرتها .. وذهبت إلى النخيل .. وظللنا نتبعها بأبصارنا حتى توارت ..

* * *

وشغلنا فى صباح اليوم التالى بإدخال المحصول .. بدأنا بأول جرن وأخذت الجمال تحمل الزكائب وتسير فى صف طويل ..

وكانت قوة الشباب من الفلاحين .. تظهر فى أثناء هذا العمل .. كانوا يعملون من شروق الشمس إلى غروبها دون كلل .. وكان منهم من يرفع الزكيبة فى رفعة واحدة ..

ولاحظت من اليوم الأول أن خليفة ابن عمار .. هو أشد الفتيان قوة ..

كان يبزهم جميعا .. يرفع عشر كيلات فى رفعة واحدة ..

وكان والده ينظر إلى قوته فى فخر وزهو ..

وكان تخزين المحصول يستغرق خمسة أو ستة أيام ..

وكان عمار فى هذه الأيام لاينام فى الليل أبدا .. لأن سرقة كيلة من القمح كانت تأتى للفلاح بثوب من الدمور ..

وكانت زراعة الذرة ملاصقة لنا .. ومن السهل أن يتسرب منها اللص إلى الجرن ثم يعود ويختفى فيها ..

وكان الرجل مرهوبا بطبعه .. ولم يكن هناك إنسان يجرؤ على الاقتراب منه .. ولكن الشيطان لايفتأ يوسوس فى صدور الناس .. ولذلك تنبغى اليقظة دائما ..

وكنا بعد أن نكيل الغلة فى آخر النهار .. نسوى « الهدار » ونعلمه .. حتى إذا سرق منه شىء فى ظلام الليل عرفنا ..

وكنت أنام قريبا من الغلة .. على حرام ومخدة .. وتحت رجلى بطانية .. ولم أكن استعملها إلا لأتقى بها الناموس ..

وكان عمار ينام قريبا منى وحولنا الفلاحون المشتغلون فى الجرن .. وكنت أنام فى معظم الليالى بمجرد أن أضع رأسى على المخدة لانى كنت أطمئن إلى حراسته ..

وذات صباح استيقظت مبكرا على صياح فلاحة قريبا منا .. وسمعتها تقول :
ــ الأولاد .. سرقوا البقرة .. ياعمار .. وكان دليلهم ابن عبد الصبور ..

ورد عليها عمار
ــ ابن عبد الصبور .. لا يأتى بالناس الغريبة إلى هنا .. ولا يسرق .. روحى ابحثى عن السارق ..
ــ هو الذى سرقها .. وباعوها .. وأخذوا الفلوس .. وبيروح بالفلوس عند « الغازية » فى النخيل ..
ــ روحى ياولية .. روحى .. ابحثى عن السارق الحقيقى .. فلا يوجد عندنا من يسرق ..
قال هذا عمار بغضب .. فذهبت المرأة ..

وفى الضحى وكنا جالسين فى الخص مر علينا ابن عبد الصبور .. فصاح فيه عمار ..
ــ انت ياولد .. يا حمدان ..
ــ نعم ...
ــ روح هات .. بقرة فطوم .. كما أخذتها .. وفى الظهر تكون البقرة هنا.. فى الظهر .. وإلا أنت عارف ما سيحدث لك ..
ــ أنا لم آخذ بقرا .. من أحد .. ولا أعرف زريبة فطوم ..
ــ الأحسن لك ان تأتى بها .. وأنا منتظر ..
ــ أنا لم آخذ البقرة .. ولا أعرف زريبة فطوم ..
واستمر يصيح هكذا .. ولم يرد عليه عمار ..

وقبل أن ينتصف النهار رأينا البقرة مقبلة وحدها بين الغيطان ..

* * *

وفى صباح يوم من أيام الاثنين بدأنا « ندخل » غلة الجرن الثانى .. وبعد أن انتهى الكيل .. سوينا الغلة الباقية وعلمناها كالعادة .. ولاحظت فى ندى الصباح بعد أن طلع النور ان هدار الغلة .. قد جرح وأخذ منه .. نصف أردب على الاقل .. لم احدث عمار .. بالذى حدث ولكننى لاحظت بعد ان دار دورتين حول أكوام الغلال كعادته .. ان سحنته قد تقلصت .. ولم يحدثنى بشىء .. ولكنه ظل طول النهار ..متجهما على غير عادته .. وكان يقلقه ان يلاحظ الكيال .. والفلاحين الذين يشيلون الزكائب .. فتضيع هيبته فى الجزيرة ويسرى الخبر حتى يصل إلى القرية ..

* * *

وفى الليل .. لما جلسنا على الجرن قريبا من الغلة لاحظت انه لايزال مشغولا بما حدث .. وأخذنا نشرب الشاى ونتحدث ولف لنفسه سيجارة .. وأخذ يدخن ..

ومر بنا فى الطريق الزراعى ثلاثة عساكر على الخيل .. وكانوا يسرعون ..
فسألت عمار ..
ــ هل حدث شىء فى الجزيرة ..؟
ــ ابن عبد الموجود .. ضربه أحد الصيادين بالنار ..
ــ وقتل ..؟
ــ لا .. جرح .. فقط ..
ــ ومن المعتدى ..؟
ــ الفلاح .. طبعا .. إن الصيادين مساكين يسعون لرزقهم .. ويتعرضون فى الليل .. للأمواج والبرد .. والرياح الهوج .. ولكن الفلاح لايرحمهم .. عندما يراهم يجرون الشباك على الشاطىء .. يريد أن ينتزع منهم رزقهم بالقوة فى لحظة .. الرزق الذى سعوا له طول الليل .. وهنا يحدث الصراع ..
ــ وهل هم هنا مسلحون دائما ..
ــ أبدا .. ان الفلاحين .. هم الذين علموهم هذا أخيرا ..
ــ إن الذى بيده السلاح .. من السهل عليه أن يطلق النار .. وأن يقتل ..
ــ وهذا ما يحدث فعلا .. مع الأسف يابنى ..
ــ وهل تأسف على القتل يا عم عمار ..؟
ــ بالطبع يا بنى ..
ــ ما أكثر الذين قتلتهم .. فى حياتك ..
ــ أنا .. من الذى حدثك بهذا يا بنى ..
ــ الفلاحون ..
ــ أنهم كاذبون .. وينسجون الحكايات من الأوهام ..
ــ ألم تقتل أحدا .. وأنت رجل الليل ..
ــ أبدا .. يا فتحى افندى .. ابدا .. أيخلق اللّه الإنسان لنقتله .. إن هذا لا يمكن أن يحدث .. ان اللّه الذى خلقه وهو الذى يميته ..
ــ وفى الليل .. ألم تضطر إلى اطلاق النار ..
ــ كثيرا ... ولكن للإرهاب فقط .. الذين كنا نسرقهم .. كنا نرهبهم فقط .. كنا نسرق المواشى .. وكنا نسطو على السرايات .. ونسرق الخزن .. كان الأغنياء يودعون كل نقودهم فى بيوتهم .. لم يكونوا يضعونها فى البنوك كما نرى الآن .. ومرة دخلنا على رجل غنى فى حجرة نومه .. وكان مفتاح الخزانة تحت المخدة .. فقبض عليه فى يده واستمات فيه .. وكنت أستطيع أن أقتله .. وأن آخذ منه المفتاح .. ولكننى أمرت الرجال بتركه .. وخرجنا دون سرقة .. لأنى أعرف أن القتل جريمة لا تغتفر ..
ــ ولكن فى حياتك الطويلة .. ألم يحدث مرة أن أطلقت النار وقتلت شخصا .. ولو عن غير قصد ..
ــ أبدا .. يافتحى أفندى .. إن البندقية فى يدى .. لأحمى بها نفسى ..

ولكن حدث لى حادث رهيب منذ سنوات .. وسأحدثك عنه .. وما حدثت به إنسانا سواك ..

وتجهم وجهه قليلا ..
وقال وهو يرسل الدخان الأزرق فيتلوى فوق رأسينا فى الريح الساكن ..
ــ حدث فى سنة 1919 .. وكانت الثورة قد انطلقت فى كل مكان مرة واحدة من الإسكندرية إلى أسوان .. كنا نحارب الانجليز عند قرية الوليدية .. وكنا وراء الأحجار .. التى كانت معدة لتدعيم خزان أسيوط وأخذنا نصليهم بالنار كانوا على مبعدة أمتار منا فقط وكانت حالتهم فى غاية السوء ..

كنا قد حاصرناهم عند الخزان وفى المدرسة الثانوية .. سبعة أيام كاملة وعلى وشك أن نبيدهم جميعا وقد قطعنا عنهم المدد عن طريق السكة الحديد ومن كل طريق وفعلنا كل ما يفعله القائد المدرب فى الحرب مع أنه لم تكن لنا قيادة على الإطلاق .. ولكنا كنا نحارب بفراسة الرجال الشجعان ..

وكان رفيقى فى الموقع زيدان وكان أحسن رجل فى ضرب النار .. وكان من البراعة فى التصويب بحيث أذهل كل من حولنا ..

وفى أثناء انتصارنا الباهر .. ظهرت طائرة للأعداء فوق رءوسنا كانت قادمة من القاهرة .. ولم نكن نعرف شيئا عن الطائرات .. وأخذت تلقى القنابل فتغير الموقف .. وذعر الفلاحون وطاروا على وجوههم ...

وجريت وأمامى زيدان على الرمال بين النخيل .. ثم غاب عنى ولم أكن أعرف أين ذهب .. ثم بصرت به وأنا أمشى .. مكوما تحت شجرة .. وكانت القنبلة قد مزقت جسمه ولكن بقيت فيه الروح ..

وحملته وسرت به طويلا فى الظلام .. والدم يلطخ وجهى وثيابى .. وكان الدم قد أعمى عينيه .. ثم وجدته يتعذب .. ووجدت نفسى أكثر عذابا منه ولا أدرى من أين جاءنى الخاطر الرهيب لأتخلص منه .. فقد وجدت ما بقى من جسمه مسخا مشوها .. لا يجعل منه رجلا على الإطلاق .. وقدرت انه سيعيش ساعات .. ربما بقى إلى الصباح .. وربما يموت قبل ذلك .. ولكنه سيتعذب عذابا كبيرا فى أثناء هذه المدة .. عذابا لا يحتمله إنسان .. فلماذا لا أريحه من هذا العذاب .. مادام أنه سيموت حتما .. ولماذا أجعل أهله يرونه على هذه الصورة البشعة .. وألقيته .. على الأرض .. وبعدت عنه ثم استدرت إليه وأطلقت عليه طلقه واحدة وأنا أغلق عينى .. وسرت فى طريقى ..

وبعد أن تركته كنت أتصور أننى استرحت منه ومن العذاب إلى الأبد .. ولكن لما رجعت إلى البيت .. ووضعت رأسى على الحرام نهشت رأسى الافكار المدمرة .. وأدركت أن العذاب بدأ من هذه الساعة ..

وقلت لماذا قتلت زيدان .. وهو شاب فى ريعان شبابه ربما أمده الشباب بالقوة وعاش .. من يدرى .. لماذا أنهيت حياته فى غير الساعة التى أرادها اللّه ... أيخلقه اللّه لنميته نحن ..

وظللت فى عذاب مدمر .. ثلاثة أسابيع كاملة وكان وجهى أسود .. وسحنتى سحنة مجنون .. ولم يعرف أحد من أهلى ... ما جرى .. لم يعرف أحد سرى .. وكنت قلقا ملتاعا .. ووجدت أخيرا ما يشغلنى عن هذا العذاب .. خرجت فى الليل لأسطو ... على العزب .. واستغرقنى هذا العمل ووجدت اسمى يدوى كرجل رهيب .. ولولا أن جدك عبد المنعم أعادنى إلى صوابى .. وجعلنى حارسا على أجرانكم .. لعشت فى الضلال إلى الموت ..

صمت عمار .. وأخذ يدخن .. وبدت خيوط من الظلال الكثيفة تزحف علينا ..
وقد عجبت لما فى النفوس البشرية من أسرار ...
وغلبنى النعاس فنمت ..

* * *

وفى الصباح .. رأيت أن الغلة .. قد سرقت أيضا ورأيت فى عينى عمار أنه يعرف أن الغلة جرحت .. فصمت وتألمت لحاله .. وأنا أرى الرجل يكتم غيظا لا حد له ..

* * *

وسهرت ذات ليلة .. وأنا أتناوم .. لأحاول أن أكتشف السارق .. ثم غلبنى النعاس .. ولما فتحت عينى .. وجدت .. عمار .. يصوب بندقيته .. ولمحت شيئا فى الظلام يجرى سريعا ودخل الذرة .. فأطلق وراءه عمار طلقة واحدة ..

ولما أسرعنا إلى هناك لنعرف السارق .. ذهلنا لما أصبحنا على قيد خطوة منه .. فقد كان خليفة ابنه .. وكان ملقى على وجهه وبجانبه الزكيبة وقد سالت منها حبات من القمح على الأرض .. وكان قد أصيب فى مقتل ..

وظل عمار فى مكانه مفتوح العينين .. وقد تجسمت ملامحه من هول الموقف ووجوه الفلاحين أشد ذهولا منه ... وما نطق واحد منا بكلمة .. أصبنا جميعا بالخرس الحقيقى ..

وأحسست بشىء ثقيل يجذبنى ويشدنى إلى الأرض .. ولكننى تماسكت ووقفت ساهما .. وقد تغشت عيناى ..

وسقط رأس عمار .. ثم أخذ يحملق فى بنظرة كئيبة .. وقد خرس لسانه .. ولا أدرى هل مرت عليه السنون فى هذه اللحظة .. وتذكر الرجل الذى صرعه هناك بين النخيل .. فقد بدا فى عينيه شعاع الفزع الذى يعتصر الإنسان حين يواجه ما قدر له .. ثم ما لبث الشعاع أن انطفأ .. وعاد يدير فينا عينين مظلمتين ..

وكان ضوء القمر قد بدأ ينتشر خلفنا هناك .. فى شاطىء النهر فلمحت امرأة أعرفها .. لمحت ناعسة على رأسها صرة .. وأمامها دابة تحمل زكيبة كبيرة وغلامان صغيران ... وخلف هذا ثلاث عنزات .. وكانوا قد تركوا النخيل وأخذوا يسرعون فى طريق المعدية ..

ونظرت إليها لحظات ثم رددت بصرى إلى القتيل الراقد هناك ..

وعجبت لتصاريف القدر وما يعده للإنسان ... فى أشد لحظات أمنه ..

وكان عمار لم يغير مكانه .. ولكن كان قد ترك البندقية من يده .. ونظر شاردا إلى هناك فلا أدرى هل رآها وهى تمضى وراء قطيعها ام لا .. ولكنه على اى حال لم يتحرك .. ظل فى مكانه ينظر الينا بعينين تائهتين ..

وكانت البندقية لاتزال ملقاة بجانبه .. وما أمسك بها بعد ذلك ابدا .. فقد كانت هذه هى الطلقة الاخيرة ..

=================================
نشرت فى صحيفة المساء 2/10/1959 وأعيد نشرها فى مجموعة محمود البدوى " ليلة فى الطريق " وفى كتاب " قصص من الصعيد " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
===============================







الكردان

قصة محمود البدوى

كان العشى يزحف على القرية .. وتسربت خيوط الظلمة إلى داخل الأفنية وبدت السنة الدخان الأسود تتصاعد من سطح البيوت .. إيذانا باعداد العشاء للرجال العائدين من الحقول .

وكان الهواء ثقيلا فى داخل المنازل وخارجها .. وظلت الدواجن والفراريج رغم الظلمة الهابطة تنقر الأرض الجافة حول المساكن .. وفى أطراف البساتين .

وكانت حوافر الدواب تحفر على الجسر فى الأرض المتربة .. والكلاب تتوثب وهى تنبح بشدة .. كلما دخل القرية فوج جديد .

وأخذت أسراب من الأوز والبط والديكة تصرخ وهى تجرى باحثة عن ملجأ من هذه الأرجل العمياء .

وظلت الأبقار تثغو .. كأنها تنادى .. عجولها الصغيرة .
وكانت القرية مشهورة بأبقارها السمينة إذ أنها تطلقها ترعى على هواها فى أرض الجزيرة البكر طوال السنة تحت الشمس الضاحـكة .. والهواء الطلق .. فتنـمو كالعشـب البرى مكتنزة سليمة .

وعندما تغمر الجزيرة مياه الفيضان فى سبتمبر من كل عام وتغرق الصوامع والزرابى تنقل المواشى إلى القرية .

وكان عبد الرحمن فراج وهو فلاح كادح من أهل القرية .. يعنى بتربية العجول .. ويملك أحسن قطيع للماشية .. وكان قطيــعه يأتى مع آخر فوج .. ووقف على الجسر ينتظره .

وكان ابنه حسان يسوق البهائم إلى القرية قبل أن تطفل الشمس .

وكانت تسير فى طريق الوادى المقفر وقد اعتاد الفلاحون على سلوك هذا الطريق ليختصروا من المسافة أربعة فراسخ .

وكان عبد الرحمن يتوقع عودة قطيعه فى الغروب فلما تأخر ترك الجسر وخرج لملاقاته فى البرية وتقدم الرجل فى خط مستقيم تجاه النيل .. وبعد أن ابتعد بمقدار فرسخين عن القرية .. انتابته الهواجس .. وخشى أن يكون ابنه قد أصابه مكروه .. فسرقت منه البهائم وقتله اللصوص .. وجعله هذا الخاطر يسرع فى مشيته ويشحذ حواسه .. ولما بلغ بطن الوادى أحس بأنفاس التراب الذى تحته وبالهواء الراكد يخنقه .. وسمع حركة فأرهف سمعه .. وحاول بجدع الأنف أن يسمع حوافر الدواب وهى مقبلة من بعيد .. وكان نظره الثاقب لايستقر فى مكان .. ورأى الحسك والشوك والعشب البرى ينمو فى مواضع متفرقة .. وبقايا الجذور السوداء قائمة هناك فى التربة القاحلة .

وأصبحت البرية أشد وحشة ورهبة فى الليل .

ورأى سوادا يتحرك .. فلما تبينه بوضوح لم يجده شيئا .. وكان قد أبعد عن الطريق المألوف وعن المزارع .. ولكنه كان يسمع نباح الكلاب يتأتى اليه من بعيد .. وكان الغسق يدمى .. والريح ساكنة سكون الموت .

وفيما هو متجه نحو الشرق اقترب من شجرة صغيرة من أشجار السنط .. النابتة بفضل الطبيعة فى تلك البقعة الجرداء فتوقف بجوارها يأخذ أنفاسه ثم جلس وأشعل لنفسه سيجارة .. بعد أن أراح البندقية أمامه وتفرس فى الظلام وومض شىء فى السماء كالشهب .. ثم عادت الظلمة أشد مما كانت ، وأخذ وهو جالس القرفصاء يعبث بأصابعه فى الأرض الرملية فلمس شيئا مدفونا فى الرمال وأزاح بيده التراب .. حتى غابت أنامله فى شعر غزير ، وأدرك أنه شعر إنسان ، فارتعش بدنه .. وظل جامدا بلا حراك .. وعيناه تحدقان فى رعب .. فقد فوجىء بشىء لم يكن يتوقع وجوده أصلا فى هذا المكان .

ولما عادت إليه نفسه انحنى وأزاح التراب سريعا .. فقد تصور الجسم المدفون لايزال حيا .

ورأى فى عتمة الليل وجه فتاة من أهل القرية مشهورة بجمالها الفتان .. فتاة لاكتها الألسنة أخيرا وبلغ خبر السوء أهلها .. وهاهم قد واروها مع الخبر فى التراب .

اقترب عبد الرحمن من وجه " نجية " يتأملها فى سكون الموت .. كانت الفتاة لاتزال محتفظة بنضارتها وكأنها مازالت تتنفس .. كان وجهها لايزال على جماله .. ولم يأخذ منه الموت بعد .. وأحس عبد الرحمن برجفة وذعر .. ان القتل رهيب .. والروح التى انطلقت فى عليين منذ لحظات .. هى التى ترعشه الآن .. انتابته رعدة لم يحس بمثلها فى حياته .

كان احساسه بأن بجواره فتاة قد قتلت منذ ساعة قد شل حواسه وأرعش بدنه وهو الريفى الجسور .. وكم من مرة خرج فى الليل .. وجاب الطرقات .. ولكنه الآن يموت من الذعر .. ومعه السلاح .. وكم من مرة نزل إلى القبور ووسد بيديه هاتين الموتى من الفلاحين .. ولم يشعر بغير الحزن الذى يحس به الانسان نحو الموتى .. ولكنه يرتجف الساعة لأن بجواره قتيلا والقتل رهيب وبشع .. ولقد لمس رهبته وبشاعته .. ان الروح ليست رخيصة بالحد الذى يتصوره السفاحون .

وعاد يتأمل وجه " نجية " .. كانت نائمة نوما لاحلم فيه .. وخدها على كفيها .. وشعرها الغزير الأسود كليل يدخل فى ليل ..

وبدت له فى الواقع أجمل من كل من رأى من النساء ومع أنها ماتت مخنوقة .. ولكنها ظلت جميلة .. ولم يستطع الموت أن يمحو نضارتها .. وحدق فى وجهها ورأى آثار الأصابع فى عنقها .. وخطا أزرق فى مكان الكردان الذى كان عليها .

ونفض عن ثوبها الأزرق الرمال العالقة به .. وغطى وجهه بملحفته .. ثم استقبل القبلة وصلى عليها ركعتين ..

وعاد فحفر لها حفرة بعيدا عن مواطىء الأقدام .. وسـواها فيها ..

ووقف وقد غلبه الحزن ينفض عن ثوبه التراب ويفكر فى الذى فعل هذه الجريمة من أهل الفتاة .. قد يكون عمها عبد الصبور .. وقد يكون خالها هشام أو أخوها خليفة ، ان الجهالة تركبهم جميعا فى مثل هذه الحالة وطباعهم طباع السفاحين .. وحار فيمن فعل ..

وأحس بالأسى على عقل الانسان عندما يتلوث .. ويتحكم فيه الشيطان .. واعتصر قلبه آلام على المصير الذى لاقته الفتاة المسكينة وفكر فى أنها مظلومة .. وأنها رميت بالسوء دون بينة .. وأن الجهالة تعمى البصيرة وتغلق كل مسالك العقل وتدفع إلى الجنون .

***

وكان حادث الفتاة قد أنساه ابنه حسان فرجع يفكر فيه .. وفى سبب تأخره إلى هذه الساعة ثم خطر له أن يطلق طلقة فى الهواء فإن كان ابنه قريبا من المكان وسمع صوت الطلقة سيرد عليها بمثلها .

ورفع البندقية .. وأطلق طلقة وجاء الرد سريعا من طلقة مكبوتة لم يهتز لها الجو ..

ولكنه سمعها بوضوح بسبب ركود الهواء .. وشعر بالفرحـــة .. وتحرك فى اتجاه المكان الذى خرجت منه الطلقة .
وكانت النجوم قد أخذت تلتمع فى السماء وبدت الظلمة فى البرية أخف مما كانت من قبل .

وتطلع الرجل إلى التل .. ورأى عن بعد خطا أسود يتحرك فى الظلام فى بطء وسكون .. وأحس بأنه قطيعه .. وانحرف إلى التل ليكون أسرع فى الوصول إليه ، وتعثرت قدماه وهى تمضى على عجل فى رجل ملقى على سفح التل .. فاستدار إليه وهو يحسبه نائما أو أصيب بضربة شمس .. ولما حركه وجده خليفة أخا الفتاة المقتولة .

وقد أصيب برصاصة فى صدره والدم مازال ينزف منه .. ورأى يده قابضة على شىء .. الكردان الذى انتزعه من عنق الفتاة منذ ساعة ولعله كان يحمله إلى أهله كدليل على تنفيذ جريمته .

وعجب عبد الرحمن للضربة التى جاءت سريعا دون أن يحسب لها حسابا .. ولم يكن يدرى أرصاصته هو أم رصاصة ابنه هى التى قتلت الرجل ولكنها على كلتا الحالتين كانت ضربة من القدر فى صدر الجريمة وجاءت سريعا قبل أن يجف الدم المهدور .

وحفر عبد الرحمن حفرة للرجل وسواه فيها كما سوى من قبل الفتاة .

وأطلت فى هذه اللحظة رءوس القطيع من فوق التل !!
=================================
نشرت القصة بصحيفة المساء فى 1691960 وأعيد نشرها بمجموعة "قصص من الصعيد " من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
=================================






قصة من نهر النيل

الأمـــواج
قصة محمود البدوى


كانت المراكب راسية فى ظل الغسق محملة بالغلال والتبن والأكياس .. والبلاليص الفارغة .. فى انتظار فتح الهويس فى الصباح ..

كانت قد القت مرساها فى هذه " الموردة " لتستريح ليلة من عناء السفر .. طوت أشرعتها وخلعت مجاديفها وربطت زوارقهـا عند الدفة وسحبت حبالها وطوتها فى البكر ..

وانطلق ملاحوها إلى القرية يتزودون بالطعام ويشربون الشاى فى القهوة ويشترون السجاير والتمباك والسكر .. وبقى فى كل سفينة شخص لحراستها .. واجتمع هؤلاء على سطح المراكب يشربون الشاى ويتسامرون ..

وكانت الظلمة طاغية .. والفيضان عاليا .. والتيار شديدا .. ولكن الميناء الصغيرة ازدحمت بالمراكب حتى تغطت صفحة الماء .. وتلاقت المراكب الذاهبة إلى القاهرة والقادمة منها ..

وكان من عادة الملاحين فى هذه الميناء أن يستريحوا ليلة بعد عبور الهويس " ويحلو " قبل الفجر .. وينطلقوا إلى المنيا فى نفس واحد !!

***

وكانت معدية " البر " ترسو خلف هذه المراكب تحت ثلاث أشجار من السنط يتجمع تحتها الفلاحون مستظلين من وهج الشمس ولفح الرمضاء ..

ومن منتصف أغسطس تصبح الشجرات الثلاث تحت رحمة الأقدار .. ولا يبقى منها إلا رؤوسها تصارع الموج .. ويرسب كل ما حولها فى القاع ..

ولكن " صابر " رغم أهوال النيل كان يعدى وينقل العابرين من الغرب إلى الشرق ..

وكان يقطع هذا البر بمركبه ويعيش فى الماء منذ وعى للدنيا .. ولكن الرجل الضاحك كصفحة الماء .. المشرق الوجه أبدا .. حدث ما عكر صفو حياته منذ سنين فانقلب وجهه عابسا أغبر .. كأن شيئا يرمضه على الدوام .. وغدا عصبيا .. كثير الصراخ يهدىء أعصابه بالقهوة والدخان ويكثر منهما .. وإذا افتقدهما غدا مجنونا أو شبه مجنون .. ولهذا كانا فى جيبه أبدا ..

وكان قد جلس مع نفر من الملاحين العابرين على ظهر مركب يسألهم عن الأحوال فى ساحل روض الفرج .. وترعة المحمودية .. وعن بلدياته الريس جلال .. والريس تمام .. وعن مقطورات الصنادل .. وفى خلال حديثه ينظر إلى البر .. ويشرب القهوة ..

وكانت الأشجار الغارقة فى الماء الأسود والأعشاب البرية المختلطة بالوحل .. تعطى رائحة الطحلب المتعفن .. وكان كل ما على الأرض جامدا ساكنا كأنه الرمس .. أما النهر فكان هو الشىء الوحيد المتحرك .. وكل ما فيه يتدفق بالحياة .. وكانت المراكب الصغيرة الفارغة تروح وتجىء مع الموج مقتربة من الساحل ومبتعدة عنه .. وهى تشد حبالها .

أما المراكب الكبيرة فكانت ثابتــة كالطود مثقلـة بحمولتها .

وكان هناك على الساحل الحجرى فى الشمال نفر من العمال يعملون فى الليل ويحملون سفينة ضخمة بالأذرة .. وأرجلهم تجرى على السقالات .. كالمردة .. رغم الظلام .

وكانت القرية على بعد ميل واحد من " الموردة " وتبدو فوانيسها الكابية ونخيلها السامق .. كما تبدو هناك قهوة ساهرة فى أول الدرب .. وبها راديو يرسل الأنغام .

وخلف المراكب الراسية .. يظهر الساحل الرملى .. وكان بعض الصيادين يقتربون منه وهم يطوون الشباك والتيار يغالبهم .. وبلغوا بالزورق الصغير الشاطىء بعد صراع جبار مع الموج والتيار ..

وكان صابر يراقبهم وبمجرد أن وضعوا أرجلهم على البر قفز إليهم .. وأخذ من أحدهم شيئا طواه فى جيبه ..

وكان العمال قد فرغوا من شحن السفينة وخفت الحركة وانقطعت الأصوات .. وتمدد الملاحون على ظهر السفن .. وذهب كل انسان لينام ..

***

وبقى صابر ساهرا يشرب القهوة .. ويتحدث مع نفر من " المراكبية " عن حياة " البحر " وظهر على البر شبح يقترب من حبال المراكب ظهرت بجواره سيدة ..

وقال الرجل الغريب لصابر :
ـ عدينا .. يا عم ..
ـ أنت شايف الريح يا بنى .. مفيش همسه .. والبحر شديد .. والملاح الذى يشتغل معى روح .. ولا أحب أن أعدى فى الليل .. نغرق .. ولا نطول برا ..
ـ معايا ست .. وعيب لما تنام تحت الريح .. خذ ما تريد .

ونظر صابر إلى السيدة وظهر بياض وجهها فى الظلام .. وكانت سافرة وفى عينيها جمال ..
وقال :
ـ ليست المسألة مسألة نقود .. وانما مسألة أرواح .. والبحر لايرحم .. لايرحم أحدا ومع هذا سأذهب إلى هؤلاء المراكبيـة .. عسى أن أحـدا فيهم من يرافقنى فى هـذه الرحلة .

وذهب صابر إلى المراكب وأخذ يوقظ الملاحين .. ويرجوهم أن يرافقوه .. وسيجزل لهم العطاء .. ولكنهم رفضوا جميعا وعادوا إلى النوم .. وأخيرا قبل اثنان منهم .. ومشى أمامهما صابر إلى المركبة .

***

ومدوا السقالة للسيدة والرجل ثم انطلقوا بالمعدية .. وكان الموج عاليا .. والنيل واسعا .. والريح راكدة .. وكانوا ذاهبين مع التيار .. فاستعملوا المجاديف ليعبروا النيل إلى الشاطىء الثانى .. ولم ينشروا القلع .. وكان الملاحان اللذان استعان بهما صابر هما اللذان يجدفان .. وصابر ممسكا بالدفة ..

وكان قد فرش للسيدة والرجل على مقعد فى المؤخرة .

وبعد أن جلست السيدة رأت تحت رجليها شيئا مكورا فى بطن السفينة ولما رأت وجهه عرفت أنه آدمى .

ولاحظ صابر نظرة السيدة إلى الغلام .. فصاح فيه ..
ـ قم .. ياواد .. قم ..
فاستنكرت السيدة ..
ـ دعه .. خليه نايم .. انه طفل .. ولا يضايقنا فى شىء ..
ـ إنى أصحيه .. ليعمل قهوة .. قم يا واد نمت كفاية .. اعمل قهوة ..
ودعك الغلام عينيه .. وغاب فى جوف السفينة ..

وكانت الأمواج عالية .. وخيل إلى عبد الرازق وزوجته أن السفينة تصعد بهما جبالا من الرمال وتهبط مثلها ..

وكانت سميرة خائفة ولا تحب أن تركب " البحر " فى الليل فإنه شىء مهول ولكنها لم تستطع أن ترفض رغبة زوجها فى أن يزور أهله .. ويركب هذا الطريق ..

وكان الموج يلطم المركب بعنف ويرقص بها .. والماء أسود كالليل ..

وعندما أصبحوا فى وسط النهر .. غابوا فى ليل من بعده ليل .. ودخلوا فى ظلمات بعضها فوق بعض ظلمات ..

وكان صابر قد احتضن الدفة الغارقة فى الماء .. وهو يدخن ويستعين على أعصابه بالقهوة ..

أما الملاحان الآخران فكانا يجدفان بعنف وبدا أن العبء كله ملقى عليهما وأنهما يصارعان موجا جبارا عاتيا ..

وكانت عيونهما على السيدة الجميلة السافرة .. وكأنهما يستمدان منها القوة على هذا الصراع .. وربط بينهما الليل والسكون برباط صامت ولكنه قوى .. وأدركا أنهما يجدفان لها وحدها .. ويصارعان الموت من أجلها .. لتعيش هى .. ويعيش الباقى على هامش حياتها .. أدركا أنهما أحباها من أول نظرة .. كما يحبان القمر .. والبحر والنجوم .. دون غاية أو نفـع ملمـوس .. وأنه لولاهـا ما جدفا .. ولا أبحرا فى الليل ..

وتحدث الرجال فى كل الشئون بطلاقة وحرية .. حرية من يعيش دوما تحت السماء وفوق الماء .. ولاحظ عبد الرازق أنهم يلاحظون جيدا أن هناك سيدة معهم فى المركب فلم تخرج من أفواههم كلمة نابية .. تجرح شعور الأنثى .. كما أنهم كانوا يحرصون على راحتها وانزال السكينة على قلبها فابعدوا المركب عن الدوامات ومواطن الخطر ..

ولم تستطع سميرة أن تكشف أمامهم أكثر من وجهها ..

ظلت طول الرحلة جالسة وإن هيأوا لها مكانا للنوم .. وكانت تود أن تضطجع .. وتمد ساقيها .. وتطلق جسمها على سجيته يأخذ راحته .. وأن تملأ رئتيها وهى نائمة مسترخية من هواء النهر .. ولكنها لم تستطع أن تنام وظلت جالسة صامتة ..

وعندما انكشفت ساقاها عرضا أمام الرجال غطتها سريعا وخدها فى لون التفاح ..

وظلت صامتة تستمع إلى الحديث الذى يدور بين الرجال دون أن تشترك فيه ..

***

ورأى صابر عن بعد شيئا تتقاذفه الأمواج .. فركز بصره عليه وقد انقلبت سحنته لمرآه .. ثم حرك الدفة نحوه ..

وسأله أحد الملاحين .. عندما رآه يرجع بهم ..
ـ إلى أين ..؟
ـ نرى ذلك الشىء الغارق هناك ..
ـ انها بهيمة ..

ومضوا بالمركب حتى لامسوا الجثة وعرفوا أنها بهيمة .. واقتضى ذلك منهم وقتا وجهدا جبارا ..

ولما عادوا إلى سيرهم الأول سأل عبد الرازق :
ـ لماذا كل هذا التعب يا عم صابر .. فى سبيل شىء غارق ..
ـ اعذرنى .. يا ابنى كان لابد أن أتأكد من أنه ليس بإنسان ..
ـ وإذا كان ماذا تعمل له .. البحر واسع وكم يحمل فى جوفه من آدميين ..
ـ أبدا البحر لايحمل فى جوفه شيئا .. وانما يقذف بكل شىء إلى الساحل ..

وتقلص وجه صابر وهو يقول :
ـ حدثت لى حادثة منذ سنوات .. لم أترك بعدها غريقا فى الماء .. وأعرضه للسمك .. والكلاب ..
ـ انه ميت ..
ـ أبدا .. انه حى .. حى .. حتى يوارى فى التراب ..
ـ وإذا لم يدفن ..؟
ـ ستظل روحه تصرخ .. وتصرخ .. ولقد جربت هذا وقاسيت منه .. منذ سنوات كنا " محملين " من نجع حمادى وذاهبين إلى القاهرة .. وكانت المركب صغيرة ومعى جابر ابن عبد الموجود من بلدنا .. ولا ملاح سواه .. وكانت الريح مواتية فبلغنا سوهاج .. وبعد يوم واحد كنا مستريحين خلف خزان أسيوط .. منتظرين الهويس ..

ثم أقلعنا .. وقبل أن نقترب من منفلوط عاكستنا الريح .. وكان الموج عاتيا .. فذهب جابر يشد الحبال .. وتلفت فوجدته ساقطا فى الماء .. ولا أدرى كيف سقط .. وكان الموقف مروعا ومذهلا .. ولكننى كنت أعرف أن الغلام يجيد السباحة فاطمأننت وألقيت له .. بمجداف .. ثم بالمدراه .. ثم بكل ما فى السفينة من قطع خشبية .. ليستعين بها على الموج والتيار .. ولكنه لم يستطع أن يتعلق بواحدة منها .. وظل يسبح ثم غاص .. وظهر .. ثم غاص .. وظهر مرة أخرى وذراعه تتحرك .. وفى المرة الثالثة .. أخذته الدوامة .. ولم أره .. بعدها ..

ورسوت تحت قرية من القرى .. وبلغت العمدة .. ثم أقلعت .. وفى اليوم الخامس رأيت جثته .. تنطح جانب المركب .. ولكننى لم أنتشلها .. وتركته للتيار وقلت لنفسى انه مات .. وقدر عليه أن يموت فى الماء فليكن الماء قبره ومثواه ..

ولما عدت إلى بلدى .. أخبرت أمه بما حدث .. فبكت .. وسألتنى :
ـ وهل دفنته ..؟
ـ أجل ..
ـ أين ..؟

وهزنى السؤال فاضطربت ثم قلت سريعا ..
ـ فى منفلوط .. وكلها أرض الله ..
ـ وأين الحجاب الذى على قلبه ..؟
ـ نسيته .. أنسانيه الحزن ..
واطمأنت ..

ولكن قلبى لم يطمئن .. فكنت إذا جن الليل أتصوره وهو ينطح جدار المركب لأنتشله .. وأدفنه .. ولكننى لم أفعل وتركته للأمواج ..

فكنت أصرخ .. وأسمع روح الغلام تصرخ ومن وقتها وأنا آكل الأفيون ..

وتأثرت سميرة من حديث صابر وبكت ..

***

وبلغوا ساحل القرية وطلع عبد الرازق وسميرة من المركب .. وبعد أن منحا صابرا أجرا طيبا ..

وعادت المركب تستقبل من طريقها ما استدبرت .. ولكن بمشقة ..

وقال صابر لابنه لما رأى المركب لاتتحرك إلى الأمام ..
ـ تعال امسك الدفة .. وخلينى أجدف مع بلدياتنا ..
ـ خليه مستريح ..
ـ لا امسك ..

وأمسك الغلام بالدفة .. وجدف أبوه مع الرجلين .. وكانوا فى العودة ضد التيار والموج عاليا والريح لاتزال راكدة .. فلم يتقدموا من مكانهم .. وغلبهم التيار .. لم تقو عليه المجاديف ..

ـ حل يا حسن القلع ..

فأخذ الغلام .. يشد الحبل .. وبقيت عقدة لم تحل فى أعلا السارية فلم ينتشر القلع ..

ـ اطلع حلها ..

وترك الغلام الدفة لأبيه واندفع إلى السارية .. ولم يبصروا به وهو ساقط من أعلا وانما أحسوا بجسمه وهو ساقط فى الماء وصرخوا .. وقذف الأب بنفسه وراءه .. وظهر الغلام على السطح ثم غاص .. وراح فى الدوامة ..

وأتت موجة عالية عاتية .. وأصبحت الدنيا كلها ظلمات .. وظلوا يبحثون ساعات دون جدوى .. وأخرج الملاحان الأب من الماء .. وظلا يواصلان البحث ..

***

وكان صابر فى أعماقه يعرف أنه لاجدوى من البحث .. وأنه قد أن له بعد كل هذه السنوات .. أن يكفر عن ذنبه ..

وترك المركب للأمواج .. وأفسح لنفسه مكانا عند الدفة وسجد سجدتين ..
================================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية 7/5/1957 وأعيد نشرها بالمجموعة القصصية لمحمود البدوى " الزلة الأولى " عام 1959
======================
===========







الوســــــيط
قصة محمود البدوى

مصر هبة النيل .. ولكن سكان قرية بنى تمام .. كانوا لايحبون النيل .. وينتابهم الذعر فى أيام الفيضان فعندما يرتفع منسوب الماء .. يأكل من أرضهم وعندما يهبط فى أيام التحاريق .. تتشقق الأرض وتنهار .

ظل النيل على توالى السنين يزحف عليهم حتى أكل الوادى الذى يزرعونه تحت البلد .. ولاصق جدار القرية ونخيلها .. لاصق المبانى .. المبنية من الطين .. أصبح منها على قيد سبع قصبات ..!!

واستيقظ الأهالى فزعين .. وتجمعوا فى الدرب وفى سقيفة الشـيخ عبد الكريم .. وذهبوا إلى دوار العمدة فقال لهم :
ـ اجمـعوا .. قرشـين للمفتش .. ليـس من طريقة غير هذه .

ولكنهم كانوا لايصدقونه .. فكم جمعوا من نقود وأكلها فى بطنه وكذب عليهم وكان كل من يجىء إلى القرية من رجال الحكومة .. يحدثونه عن النيل الذى يأكلهم .. معاون الزراعة .. وضابط النقطة .. وعسكرى الداورية .. وخفير الأحوال .. الذاهب إلى المركز .

كانوا يحدثون كل من يجدونه حتى طواف البريد .. وكتبوا عرائض .. واشتكوا لكل الجهات .. ولكن النيل ظل يزحف عليهم كالغول ولم يوقفه أحد .

واتصلوا بنائبهم عرفان وكان يقيم فى مصر بصفة مستمرة .. ولا يشاهدونه إلا فى موسم الانتخابات .

كتبوا له ولكنه لم يرد عليهم ولم يفعل شيئا .. وكانوا يتساءلون لماذا يهملون هكذا .. وتتركهم الحكومة للبحر .. وأخيرا شرح لهم الشيخ سعفان الموقف وكان يطالع الصحف اليومية ويكتب العرائض والشكاوى للمظلومين .

ـ الحكومة تهمها السكة الحديد .. وأنتم بعيد .. فى البر الشرقى ..

ومع كل هذا الظلام .. لم ييأس الفلاحون من المنقذ .. فقد اعتادوا على الصبر .. رغم أن كل ما يحيط بهم يخدعهم .. الأرض التى يزرعونها تخدعهم .. والنيل يخدعهم .. والطبيعة نفسها تخدعهم .. ولكنهم يصمدون .. لم يصبهم اليأس أبدا .. وظلوا يتشاورون فيما يفعلون .. وأخيرا لاح لهم المنقذ .. فكروا فى عبد المجيد أفندى المأمور .. مأمور " الششتى " الذى فصل من وظيفته وجاء إلى قريته ليعيش بينهم .

كان سكيرا وبدد كل أفدنته وقراريطه .. ولكنه كف عن الخمر الآن وتاب .. وهو الأفندى الوحيد الذى وجدوه أمامهم .. والمتنور فيهم .. وحدثوه عن الموضوع فقال لهم أن هذه المسألة لاتحل فى المركز ولا فى المديرية .. وانما تحل فى " مصر " وسيرون مراكب الحجر .. والرأس قائمة بعد شهر واحد .. وطلب مائة جنيه .. للمصاريف وليعطى منها الذين سيسهلون له الأمور .

وجمعوا له المبلغ .. وودعوه على المحطة .

وفى كل صباح كانوا ينظرون ناحية النيل .. ليروا الحجر .. والمراكب .. التى تحمله أو العمال يحملون الفئوس .. أو المهندس يخطط فى الأرض .. أو المفتش يعاين المكان .. ولكنهم كانوا لايشاهدون أحدا .. ولم يكتب لهم عبد المجيد أفندى منذ سافر ولم يسمعوا عن خبره .. كان كأنه مات بالسكتة فى الطريق فأدركهم ظلام من اليأس ولم يكونوا يتصورون أن الرجل يخدعهم أو يغشهم إلى هذا الحد .

ولكن فى هذا الظلام .. ظهر النور فجأة .. جاء أحد الفلاحين إلى دكان حسين الدخاخنى وقص على الأهالى أنه شاهد ثلاثة من الأفندية .. ينزلون من " الأتوموبيل " وعاينوا شرق البلد .. وحددوا مكان الرأس ودقوا الحديد وانتشرت هذه القصة الخيالية فى القرية .. وتندت عيون الفلاحين من الفرح .. دعوا لعبد المجيد أفندى بطول العمر .

ولكن عبد المجيد أفندى لم يكن يستحق شيئا من دعاء هؤلاء البسطاء المساكين فمنذ ركب القطار لم يفكر فى مفتش الرى ولا فى مقابلة النائب عرفان .. ولا فى أى شىء يتعلق بالموضوع .. ووجد فى جيبه المال فحن إلى ماضيه .. وانجذب .. جذبته القاهرة بأنوارها الساطعة وملاهيها وحاناتها فصرف كل ما معه من نقود .

وخشى من الجوع والتشرد فى هذه المدينة الكبيرة التى لاترحم فلجأ إلى " بلدياته " فى حى بولاق .. فاقترض منهم أجر السكة الحديد وعاد فى أول قطار .

رجع إلى القرية بعد غيبة سبعين يوما .. وركب السيارة العمومية الذاهبة إلى المركز .. وعند تقاطع المرور .. نزل .. وسار على الجسر إلى القرية .. وقابل فى الطريق بعض الفلاحين الذاهبين إلى الحقول .. ولكن أحدا منهم لم يكلمه .. لم يعرفوه .. فقد تغير شكله .. واتسخت ملابسه وتمزقت .. وطال شعر ذقنه .. وتدلت شواربه .. وغدا وجهه أسود كالفحم .

وعندما لمح قريته من بعيد تسمرت قدماه وشعر برجفة ، فقد انهار الجرف الشرقى كله .. وطغت المياه على القرية .. وسقطت بيوت الحى الشرقى فى الماء وكان أول بيت سقط بيته هو .. رأى نخلته التى كانت تتوسط الدار .. تسبح فى اللج ..!!

وعندما وصل إلى بستان نعمان .. سقط قلبه .. فقد رأى جنازة تتجه إلى المقبرة وخيل إليه أنه يسمع صراخ زوجته وعويلها .. وبعد خطوات تأكد من وجودها .. ورآها تلبس السواد وتندب ثكلها .

وتخشب جسمه على الجسر .. ومر به سقاء القرية .. فعرفه .. واقترب منه وهو يقول متأثرا :

ـ البقية .. فى حياتك يا عبد المجيد أفندى .. وشد حيلك .

ونظر إلى السقاء مذهولا وهو لايفهم شيئا .

ثم سقط بجانب الجسر .. وأخذ يهيل على وجهه التراب .
===============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية فى 17/7/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص " مساء الخميس " لمحمود البدوى عام 1966
================================






الوســــــيط
قصة محمود البدوى

مصر هبة النيل .. ولكن سكان قرية بنى تمام .. كانوا لايحبون النيل .. وينتابهم الذعر فى أيام الفيضان فعندما يرتفع منسوب الماء .. يأكل من أرضهم وعندما يهبط فى أيام التحاريق .. تتشقق الأرض وتنهار .

ظل النيل على توالى السنين يزحف عليهم حتى أكل الوادى الذى يزرعونه تحت البلد .. ولاصق جدار القرية ونخيلها .. لاصق المبانى .. المبنية من الطين .. أصبح منها على قيد سبع قصبات ..!!

واستيقظ الأهالى فزعين .. وتجمعوا فى الدرب وفى سقيفة الشـيخ عبد الكريم .. وذهبوا إلى دوار العمدة فقال لهم :
ـ اجمـعوا .. قرشـين للمفتش .. ليـس من طريقة غير هذه .

ولكنهم كانوا لايصدقونه .. فكم جمعوا من نقود وأكلها فى بطنه وكذب عليهم وكان كل من يجىء إلى القرية من رجال الحكومة .. يحدثونه عن النيل الذى يأكلهم .. معاون الزراعة .. وضابط النقطة .. وعسكرى الداورية .. وخفير الأحوال .. الذاهب إلى المركز .

كانوا يحدثون كل من يجدونه حتى طواف البريد .. وكتبوا عرائض .. واشتكوا لكل الجهات .. ولكن النيل ظل يزحف عليهم كالغول ولم يوقفه أحد .

واتصلوا بنائبهم عرفان وكان يقيم فى مصر بصفة مستمرة .. ولا يشاهدونه إلا فى موسم الانتخابات .

كتبوا له ولكنه لم يرد عليهم ولم يفعل شيئا .. وكانوا يتساءلون لماذا يهملون هكذا .. وتتركهم الحكومة للبحر .. وأخيرا شرح لهم الشيخ سعفان الموقف وكان يطالع الصحف اليومية ويكتب العرائض والشكاوى للمظلومين .

ـ الحكومة تهمها السكة الحديد .. وأنتم بعيد .. فى البر الشرقى ..

ومع كل هذا الظلام .. لم ييأس الفلاحون من المنقذ .. فقد اعتادوا على الصبر .. رغم أن كل ما يحيط بهم يخدعهم .. الأرض التى يزرعونها تخدعهم .. والنيل يخدعهم .. والطبيعة نفسها تخدعهم .. ولكنهم يصمدون .. لم يصبهم اليأس أبدا .. وظلوا يتشاورون فيما يفعلون .. وأخيرا لاح لهم المنقذ .. فكروا فى عبد المجيد أفندى المأمور .. مأمور " الششتى " الذى فصل من وظيفته وجاء إلى قريته ليعيش بينهم .

كان سكيرا وبدد كل أفدنته وقراريطه .. ولكنه كف عن الخمر الآن وتاب .. وهو الأفندى الوحيد الذى وجدوه أمامهم .. والمتنور فيهم .. وحدثوه عن الموضوع فقال لهم أن هذه المسألة لاتحل فى المركز ولا فى المديرية .. وانما تحل فى " مصر " وسيرون مراكب الحجر .. والرأس قائمة بعد شهر واحد .. وطلب مائة جنيه .. للمصاريف وليعطى منها الذين سيسهلون له الأمور .

وجمعوا له المبلغ .. وودعوه على المحطة .

وفى كل صباح كانوا ينظرون ناحية النيل .. ليروا الحجر .. والمراكب .. التى تحمله أو العمال يحملون الفئوس .. أو المهندس يخطط فى الأرض .. أو المفتش يعاين المكان .. ولكنهم كانوا لايشاهدون أحدا .. ولم يكتب لهم عبد المجيد أفندى منذ سافر ولم يسمعوا عن خبره .. كان كأنه مات بالسكتة فى الطريق فأدركهم ظلام من اليأس ولم يكونوا يتصورون أن الرجل يخدعهم أو يغشهم إلى هذا الحد .

ولكن فى هذا الظلام .. ظهر النور فجأة .. جاء أحد الفلاحين إلى دكان حسين الدخاخنى وقص على الأهالى أنه شاهد ثلاثة من الأفندية .. ينزلون من " الأتوموبيل " وعاينوا شرق البلد .. وحددوا مكان الرأس ودقوا الحديد وانتشرت هذه القصة الخيالية فى القرية .. وتندت عيون الفلاحين من الفرح .. دعوا لعبد المجيد أفندى بطول العمر .

ولكن عبد المجيد أفندى لم يكن يستحق شيئا من دعاء هؤلاء البسطاء المساكين فمنذ ركب القطار لم يفكر فى مفتش الرى ولا فى مقابلة النائب عرفان .. ولا فى أى شىء يتعلق بالموضوع .. ووجد فى جيبه المال فحن إلى ماضيه .. وانجذب .. جذبته القاهرة بأنوارها الساطعة وملاهيها وحاناتها فصرف كل ما معه من نقود .

وخشى من الجوع والتشرد فى هذه المدينة الكبيرة التى لاترحم فلجأ إلى " بلدياته " فى حى بولاق .. فاقترض منهم أجر السكة الحديد وعاد فى أول قطار .

رجع إلى القرية بعد غيبة سبعين يوما .. وركب السيارة العمومية الذاهبة إلى المركز .. وعند تقاطع المرور .. نزل .. وسار على الجسر إلى القرية .. وقابل فى الطريق بعض الفلاحين الذاهبين إلى الحقول .. ولكن أحدا منهم لم يكلمه .. لم يعرفوه .. فقد تغير شكله .. واتسخت ملابسه وتمزقت .. وطال شعر ذقنه .. وتدلت شواربه .. وغدا وجهه أسود كالفحم .

وعندما لمح قريته من بعيد تسمرت قدماه وشعر برجفة ، فقد انهار الجرف الشرقى كله .. وطغت المياه على القرية .. وسقطت بيوت الحى الشرقى فى الماء وكان أول بيت سقط بيته هو .. رأى نخلته التى كانت تتوسط الدار .. تسبح فى اللج ..!!

وعندما وصل إلى بستان نعمان .. سقط قلبه .. فقد رأى جنازة تتجه إلى المقبرة وخيل إليه أنه يسمع صراخ زوجته وعويلها .. وبعد خطوات تأكد من وجودها .. ورآها تلبس السواد وتندب ثكلها .

وتخشب جسمه على الجسر .. ومر به سقاء القرية .. فعرفه .. واقترب منه وهو يقول متأثرا :

ـ البقية .. فى حياتك يا عبد المجيد أفندى .. وشد حيلك .

ونظر إلى السقاء مذهولا وهو لايفهم شيئا .

ثم سقط بجانب الجسر .. وأخذ يهيل على وجهه التراب .
===============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية فى 17/7/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص " مساء الخميس " لمحمود البدوى عام 1966
================================



الســـــــــــــــــاعة

قصة محمود البدوى

فى صيف هذا العام سافر السيد أحمد عبد الغفار وهو موظف بوزارة الصحة مع بعثة الحج إلى مكة .. ورجع من الحجاز بعد أن أدى فريضة الحج وفى يده ساعة جميلة اشتراها من سوق المدينة بعشرة جنيهات .

ولما شاهدها زملاؤه فى المكتب أعجبوا بها وأخذوا يتحدثون عنها فقد كانت الساعة ثمينة حقا وشكلها غريبا .

وكان صاحبها يتيه بها ويعتز إذ مع ما فى شكلها من غرابة فإنها لاتخل ثانية واحدة وكان يزهو ويقول مبتسما لأصحابه أنه يحمل بج بن صغيرة فى يده .

وكانت الساعة إذا قورنت بغيرها من الساعات تعتبر عديمة النظير .

وبعد شهر واحد من عودة الحاج أحمد أصبحت الساعة حديث الجميع .. ومنهم من كان يضيف على محاسنها أشياء كثيرة من عنده حتى دون أن يراها .

والذى كان غائبا عن الديوان من الموظفين فى عمل مصلحى أو فى أجازة ثم رجع ، كان زملاؤه يسألونه قبل أى شىء :
ـ هل رأيت ساعة الحاج عبد الغفار ؟
ـ ما لها ..؟
ـ اذهب لترى أدق وأعجب ما صنعه الإنسان ..
ـ صحيح ..؟
ـ ميناء صغيرة ودقيقة فى حجم المليم .. ترى فى وجهها الثانية والدقيقة والساعة .. واليوم .. والشهر .. والسنة ..
ـ ان هذا عجيب ..!!
ـ مع هذا فإنها لاتملأ قط .. وانما الحركة وحدها تملأ الزمبلك ..
ـ عجبا ..
ـ وتتحمل كل ضغط .. وتسبح بها فى الماء .. وتدخل النار وتخرج منها سليمة ..
ـ ياسلام ..
ـ أضف إلى ذلك أنها ناطقة وتوقظ الحاج أحمد ليصلى الفجر حاضرا .. وتبرق فى الظلمة بريق الماس ..

وكأنما أصاب صاحبها الحسد .. فقد تركها يوما فى درج مكتبه بالوزارة .. وذهب إلى دورة المياه .. ولما رجع لم يجدها ..

وصعق الموظفون لما علموا بالخبر .. فقد كانت الساعة عزيزة عليهم جميعا ..

وكان المكتب هادئا .. ولايدخله الغرباء قط .. ولم تحدث فيه سرقة أبدا ..

الموظفون فى كل يوم يخلعون ستراتهم ويعلقونها على المشاجب .. ويتركون فى جيوبهم المحافظ والأقلام الذهبية وما ضاع شىء منها أبدا .. فكيف يحدث هذا .. وكيف تسرق الساعة وأخذ الموظفون ينظرون إلى وجوه بعضهم البعض وقد وجموا وتصلبت ملامحهم .. وكانوا بعد الانتفاضة الأولى قد وجموا وجمدت وجوههم .. كأنما مر فى أجسامهم سيال كهربى واحد .. هزهم هزة عنيفة .. ثم تركهم إلى الموت .

ولما استفاقوا من الغاشية التى نزلت عليهم .. أخذوا يسترجعون فى أذهانهم كل من دخل المكتب فى الفترة التى غاب فيها الحاج أحمد ..

كان الفراش زهران قد دخل بالقهوة التى اعتاد أن يوزعها فى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر .

ووضع أول فنجان على مكتب السيد همام الذى كان يتحدث فى التليفون فى تلك اللحظة مع بقال قريب من بيته .. ليسأل عن ابنه الوحيد وقد أصيب منذ اسبوع بشلل الإطفال .. وكان قد لوعه الأمر وطير لبه .. وكان فى كل يوم يأتى له بدواء جديد حتى أثقلته الديون .. وكان يدق للبقال فى كل ساعة ليأتى له بالخادم .. أو بزوجته على التليفون فيطمئن على صحة ابنه ..

والموظفون الثلاثة الآخرون كانوا منكبين فى العمل مستغرقين فيه فلم يتحركوا من أماكنهم .. ولم يحسوا بالسرقة إلا بعد أن سمعوا بها .. من موظف الأرشيف .. وهو يضع على مكاتبهم الأوراق التى وردت فى فترة الضحى .. وكان هناك رجل واحد قد جاء من الخارج ودخل الغرفة فى فترة غياب الحاج أحمد .. ثم خرج .. رجل اعتاد أن يحمل لهم بعض الأشياء التى يتسوقها من سوق غزة .. كالأقلام والمناديل والجوارب " والكرافتات " ويمر عليهم فى الشهر مرة ..

وكان الموظفون يشفقون على الرجل لأنه عجوز .. ولأنه كان من قبل موظفا مثلهم .. ولما أحيل إلى المعاش .. اشتغل بهذه التجارة الخفيفة .. وأصبح يدور على الدواوين ليحفظ مستوى المعيشة لبيته كما كان ..

وكان الرجل أمينا وصادقا فى معاملاته معهم .. ويرضى بأن يبيع لهم بالأجل وبالتقسيط .

ومع كل صفاته فإنهم شكوا فيه .. لأنه تاجر .. ومن السهل عليه أن يأخذ الساعة فى ساعة ضعف .. لحظة خاطفة يضعف فيها الإنسان أمام إغراء الشيطان .. واتهموه فعلا وبعثوا من جرى وراءه وسأله عن الساعة قبل أن يخرج من باب الديوان .. وهو يحس بالخنجر الذى صوب إليه فى شيخوخته .

واتهموا بعد البائع الذى جاء من الخارج .. موظف الأرشيف الذى مر على المكاتب جميعا .. ثم الفراش .. الذى يرى ما فى داخل الأدراج .. وأخيرا حصروا التهمة فى الفراش لأنه أفقر الثلاثة .

وركزوا عيونهم عليه وأشعروه بالاتهام .. فانكره بقوة .. فماذا يفعلون وليس فى يدهم دليل ..

حاروا وأحسوا بالأسف لما حدث .. أحسوا .. أن لوح الزجاج الكبير الذى يمثل نصف الباب قد شرخ .. أصابه شرخ كبير منذ وقع الحادث ..

وكانوا يحسون أن شيئا تمزق فى داخل نفوسهم .. شيئا مر فى أجسامهم بقسوة وأصابهم بمثل حد السكين .. وكأن غماما أسود زحف عليهم ولطخ وجوههم جميعا .. ووصمة عار لحقت بهم .. فهزت كراسيهم .. وأصابت جو الحجرة بمثل الوباء .. فسممته ..

وبصرف النظر عن الفراش الفقير .. الذى تركزت عليه التهمة ولصقت به .. فإنهم كانوا يتصورون أن عينى الحاج أحمد تتهمانهم جميعا .. بالاهمال على الأقل .. لأنهم تركوا ســـاعة زميل لهم تضيع إلى الأبد .. وتسرق فى لحظة خاطفة .

كان صاحب الساعة فى الواقع يبكى فى أعماقه صامتا .. ثم ترك عوضه على الله .. وحاول أن ينسى ما حدث ..

***

وشغل الفراش بالاتهام وحز فى نفسه أن يتهم بالسرقة بعد خدمة ثلاثين سنة كاملة لم ينحرف فيها قط ولم تضع فى خلالها من هذا المكتب ورقة واحدة .

وظل عقله يتأمل .. وعيناه تبحثان .. فى كل مكان حتى وجد الساعة مصادفة عند تاجر يشترى مثل هذه الأشياء ففرح واستردها منه بثلاثة جنيهات .. وما زال وراء التاجر حتى علم منه أوصاف الرجل الذى باع له الساعة وانطبقت الأوصاف تماما على السيدهمام الموظف بالمكتب .. وتألم الفراش وكتم الخبر ..

وأعاد الساعة إلى صاحبها .. وهو يحس بعمله هذا أنه ثبت التهمة على نفسه .. ولكنه أحس بالارتياح لأنه أزاح غمامة سوداء خيمت على المكتب ..

ولما سألوه أين وجدها وكيف استردها صمت .. وهو يحس بأن الاتهام موجه إليه وحده ثم انتحل لهم قصة مكذوبة فزاد التهمة التصاقا به .. ولكنه لم يبتئس .. ما دامت الساعة قد عادت إلى يد صاحبها .

***

وفى صباح يوم من أيام السبت حضر السيد همام إلى المكتب متأخرا بعد أن حضر جميع الموظفين وكان فى حالة تعيسة .. وجلس إلى المكتب وهو يبكى .. وقال هامسا فى صوت تخنقه العبرات ..

ـ ولدى الوحيد مات .. ودفنته أمس .. مات بعد أن دخل جوفه الدواء الحرام .. سامحونى سامحنى ياحاج أحمد .. أنا مسكين ..

وتلفت الموظفون إليه فى ذهول ولم يفهموا شيئا .. كانوا يتصورونه يهذى وقد أصيب بالخبل لموت الغلام ..

وكان الفراش واقفا وسمع كلام الرجل وعرف معناه .. ولكنه ظل صامتا لم ينطق بحرف وظل السر مطويا بين جوانحه .. ولم يتحدث لإنسان عن سقطة السيد همام .. وظل الموقف غامضا ..

كان يعرف الحزن الذى يعانيه الرجل والمحنة التى مرت به ولم يشأ أن يكشف السر فيصوب خنجرا داميا إلى قلب الأب المسكين ..
=================================
نشرت القصة فى مجموعة " الجمال الحزين " لمحمود البدوى عام 1962
=================================



ليست هناك تعليقات: