الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 2 أدب الرحلات ـ رحلة محمود البدوى إلى اليابان فى عام 1957



طوكيو سنة 1957
مدينة الأحلام

ـــــــــــــــ
اسم الكتاب : مدينة الأحلام
الكاتب : محمود البدوى
الناشر : الدار القومية للطباعة والنشر ط 1963
الصفحات من ص 22 إلى ص 30

ـــــــــــــــــــــ

إن طوكيو مدينـة جميـلة وجمالهـا لايدركه الخيـال ..

إن الخيـال مهما سبح لايمكن أن يصـل إلى حقيقتها الجميـلة ..

إنها المدينـة التى تتضـاءل أمامها كل المـدن وتذهب أمامها كل أحـلام اليقظة التى تدور فى ذهن الإنسـان ..

إن المثل يقول : إن من لم يشاهد البسفور لم ير الجنـة ..

وأصـدق من هـذا أن تقـول : إن من لم يشاهد طوكيـو لم ير شيـئا فى الحيــاة ..
إنهــا مدينــة الحيــاة ..

إنها مدينــة لامثيـل لها ولا شبـيه ..

إنهـا مبنـية على أحـدث طرق المعمـار ، وأجمـل مـا تخـط مدينـة فى الوجـود

***

ولقد ضربها الأمريكان من الجو فى الحرب الأخيرة ، ضربوها بوحشية لاتصدر من شيطان ، دكوها من مراكز الثقل والصناعة فيها وجعلوا قلبها حطاما ، ولكن السواعد القوية أعادت المدينة الشامخة أجمل وأنضر مما كانت ، وعاد قلب طوكيو كأجمل ما رأت العين من أشياء .

إن طوكيو مدينة اجتمع على رسمها كل فنان فى اليابان وكل عقل متفتح فجاءت تحفة المدن . اجتمع هؤلاء الفنانون ليزينوها ويزخرفوها كأنها تصميم هندسى على الورق ، وجاءت الحقيقة أروع من التصميم وأجمل .

وتراهـا فى الليـل ترقص تحت الأنوار الحمراء والخضراء والزرقاء والبنفسجية ، وتسبح تحـت أطواد من البالونات من كل الألوان وكل الأحجام .

وإذا كنت ستعبرها لمجرد ليلة ، فإنك لاتفكر فى النوم ، فحرام على النفس البشرية أن تحرمها كل هذا الجمال ، حرام أن تحرمها ليلة لاتأتى مثلها ليلة فى مدينة على الأرض .

وأنت ترى هذه الأنوار من الجو وأنت معلق بين السحاب ، وعندما تقبل الطائرة الضخمة أرض المطار ، تحس بشىء جديد فى أنوار الإشارة وفى مضخات الحريق والعجلات التى تستقبل الطائرة وهى هابطة على أرض فى نعومة الرخام .

وعندما تخرج بالسيارة إلى المدينة الكبيرة ، تحس بالشىء الذى يروع ويفوق كل تصورات العقل والخيال .

إن سكان طوكيو تسعة ملايين ، وفى هذه المدينة الكبيرة كل ما فى اليابان من جمال .

لقد وضعوا كل شىء فى العاصمة ، جملوها وزينوها وجعلوها تحفة .

وأنت تسبح تحت الأضواء من كل الألوان ، وترى الناس فى الشارع يمضون فى نشاط ، والحوانيت متلألئة ، والسيارات تطلق أقصى أنوارها الكشافة حتى تدخل الفندق .

وعندما تدور مع الباب الدوار تجد نفسك فى مساحة فسيحة وعن يمينك مكتب الاستقبال ، وتحس من روعة المكان والفخامة ، أنك حقا فى عروس المدن على الاطلاق .

وعندما تقف على الطاولة تحت الأنوار القوية ، تسمع الفتيات العاملات يتحدثن فى التليفون وهن فى لباس أزرق من قطعة واحدة ، وفى العنق ياقة ناصعة البياض . وفى الوسط حزام جلدى أحمر ، أدق من الخصر نفسه .

وتختار لنفسك غرفة أوربية بحمام خاص أو غرفة يابانية بحمام مشترك .

وتأخذ المفتاح فى يدك وتجتاز البهو إلى المصاعد ، وتجد صفا من الفتيات أمام المصاعد فى فساتين حمراء قصيرة وفى أقدامهن الصغيرة أحذية من الكاوتش ، وهن متأنقات فى أجمل زينة ، وتتقدم الواحدة وتريها رقم الغرفة ، فتقول برقة :
تفضل فى الدور السادس ..

وفى الدور السادس تجد سربا آخر من الفتيات فى مكتب الاستقبــال ولكـن فى لباس جديد أزرق ، ويستقبلنك بالابتسام ..

وتقدم لهن رقم الغرفة وتمضى معك الفتاة فى البهو الطويل حتى تصل إلى غرفتك ..

وفى الغرفة اليابانية لايوجد سرير ، وإنما حشيات ووسائد على الأرض وتشرب الشاى وأنت مستلق على الأرائك وكذلك تأكل وتشرب وتسمع الغناء الحالم ..

ولا ينقصك فى هذه الغرفة إلا الجيشا ، ولكن الجيشا لاتوجد فى مثل هذا الفندق ، إنها فى مكان آخر ..

والغرفة الأوربية أنيقة بها سرير صغير ودولاب أصغر منه ومكتب عليه تليفون ، ومنضدة صغيرة عليها باقة ورد ، وتجد بجوار التليفون نسخة من الإنجيل ، تجد هذا فى بلاد عباد بوذا ، وعباد شين تو ، وتخلع سترتك وتدخل الحمام فتجد حماما أزرق اللون صغيرا ، وبه كل شىء : الصابون المعطر ، البانيو ، والدش ، والحنفيات بالماء الساخن والبارد فى كل مكان ، وتجد المناشف من كل الأحجام مكوية ومغطاة بأكياس النيلون ، وبعد ثلاث دقائق تأتى حقائبك على عربة صغيرة تدفعها فتيات يلبسن المرايل الحمراء ، وتخجل إذا كانت هناك حقيبة ثقيلة ، وتحاول أن تخرجها بدلهن من العربة ولكنهن يرفضن ويعملن فى رشاقة وسرعة ويضعن الحقائب فى مكانها من الغرفة ثم ينحنين لك مبتسمات فى دماثة ..

وتحاول أن تعطيهن بقشيشا ولكنهن يرفضن بأدب ..

وتسألك الفتاة المكلفة بخدمتك بعد أن ترتب لك كل حاجاتك إن كنت فى حاجة لشىء ، فتدور بعينيك فى الغرفة وترى كل شىء موجودا ، وأخيرا تطلب فنجانا من القهوة ..
هاى : يعنى حاضر ..
وتمضى سريعا ..

وتحمل لك صينية القهوة فتاة أخرى غيرها فى لباس أبيض ، وشعرها أسود مقصوص ، وجمالها الطبيعى يغنى عن كل زينة ، ولكن على الشفة بعض الأحمـر ، وفى الخد مثل عصير الرمان الممزوج بالشهد ..

وتعرف من كثرة من يدخل عليك من بنات أن فى الجناح الواحد أكثر من عشرين فتاة لخدمتك ، ولهن رئيسة تجلس بجوار التليفون ، وتتلقى كل رغبات النـزلاء ..

وإذا نزلت إلى المطعم فى الدور الأرضى لتتعشى ، وجلست بعد العشاء فى " صالة " الفندق إلى ساعة متأخرة من الليل تتحدث مع من تجده هناك ، وترقب الداخلين والخارجين من الباب الدوار ثم أحسست بالنوم وأخذت الطريق إلى غرفتك ، ستجد أن الطاقم كله تغير قبل نصف الليل بساعة ، يصبح جميع الخدم من الغلمان ، حتى عمال المصاعد ، ولباسهم أسمر جميل ، وهم فى غاية السرعة والنشاط ..

ولا يبقى من الفتيات فى الفندق فى أثناء الليل إلا المدلكات اللواتى تدغدغ أناملهن الناعمة فى أخريات الليل العجائز من النـزلاء ..

وتجدهن إذا جلست فى " الصالة " لابسات المعاطف البيضاء فوق الفستان الأسود ومشمرات سواعدهن ، فى طريقهن إلى العمل ..

وفى الساعة السابعة صباحا تسمع صوت الفتيات فى الممرات من جديد وتسمع ضحكهن ينتشر لأنهن سيحملن لك الشاى إلى الفراش وتأخذ حماما ساخنا وباردا وتجد جريدة أخبار اليابان تحت الباب تحمل لك الأخبار دون خوف أو رهبة ..

وتتناول الإفطار سريعا فى قاعة الطعام وتخرج إلى المدينة ، فتجد الناس يتحركون زرافات على الأرصفة إلى مقر عملهم ، الشبان والشابات فى لباس أوربى ..

النساء فى معاطف من الصوف الأزرق أو الرمادى أو " السنجابى " وهن يسرن الخطى وسيقانهن البللورية تبدو من أطراف المعاطف ، وشعرهن الأسود اللامع عار مقصوص ..

والرجـال فى بدلة من سترة وبنطلون ، والسترة أحيانا مفتوحة من الخلف ..

واليابانى ربعه ويمشى بصدره ، وخطوه سريع ..

وإذا وقفت فى محطة شنياش تحصى الف شخص يمر عليك فى كل دقيقة وتهبط أفواج من المترو فوق الأرض والمترو تحت الأرض ، ومن الترام ومن الأتوبيس ومن التاكسى .. وتمضى فى سرعة إلى بغيتها ، وتجد المقاهى والمطاعم قد فتحت أبوابها وصفت موائدها فى استقبال الرواد ..

وتجد الأسعار كلها فى واجهة المطاعم الصغيرة التى تقدم وجبة الافطار بطريقة حديثة وسهلة : فنجانة الشاى موضوعة وعليها 60 ين يعنى ستة قروش ، وكعكة وعليها ثلاثة قروش ، وتفاحة وفوقها خمسة قروش ، وهكذا كل ما فى داخل المحل من طعام موضوع فى الفترينة الخارجـية ، ليشاهده المارة ..

وفى الساعة التاسعة تخف حركة الهابطين من المترو والترام والسيارات والعربات ، وتفتح المحال التجارية والمطاعم الكبيرة أبوابها وتبدأ الحياة فى الشارع ، وإذا تركت محطة شنياش وسرت فى حى جنـزا حى الملاهى والمحال التجارية الكبرى ستجد الملاهى كلها مغلقة وتجد بعد الكوبرى الصغير ، وعلى ناصية الطريق صفا من الفتيات جالسات على الرصيف لمسح أحذية العابرين ..

وإذا تقدمت لواحدة منهن ستقدم لك كرسيا صغيرا لتجلس عليه وتضع قدمك على الصندوق وتأخذ فى العمل ..

وتعجب أنها تمسح الحذاء ، بعشرات من " الفرش " الصغيرة والكبيرة بعناية ورشاقة ، وإذا كانت تعرف الإنجليـزية تحادثت معك فى كل شىء حتى عن الإقمار الصناعية ، وإذا لم تكن تعرف اكتفت بالابتسامة والإشارة ..
وتعطيها ثلاثين ين ، يعنى " ثلاثة قروش " وهذا هو السعر ، وخمسة قروش إذا أجزلت لها العطاء ..

***

وتمشى فى المدينة ، إن مدينة طوكيو مدينة متناهية فى الضخامة يمشى فيها التاكسى بالسرعة الخاطفة ساعتين وثلاث ساعات ..

وهى مزدحمة بالسكان إذا قستها بالعواصم الأخرى ، ففى طوكيو يسكن 31 ألفا فى كل كيلو متر مربع ، وفى نيـويورك 21 ألفا فى كل كيلو متر مربع ، وفى لندن 12 ألفا فقط فى كل كيلو متر مربع ..

فطوكيو متناهية فى الزحام ..

وهذه المدينة مع ضخامتها ليس بها أسماء للشوارع على الإطلاق ، وإنما معروفة بالأحياء : حى جنـزا ، وحى كنشاسى ، وحى تاموزا شوين ، وفندق دانيشى مثلا لايوجد شارع تعرفه به ، وإنما هو بجوار محطة شنباش هى محطة صغيرة للمترو ..

على حين أن فندق دانيشى به 626 غرفة ، وعندما دخل الأمريكان المدينة وضعوا أرقاما على الشوارع : الشارع 54 والشارع 86 بطريقتهم ولكن اليابانيين لايعترفون بهذه الأرقام ، ولايستعملونها قط ..

وطوكيو بها عمارات شاهقة لامثيل لها فى الضخامة والارتفاع والنوافذ كلها زجاجية مكشوفة ، فإذا انطلقت بداخلها الأنوار فى الليل تصبح العمارة قطعة من الشهب ..

وترتفع العمارات إلى أربعين طابقا ، وكلها مبنية على أحدث طرق المعمار والبنوك والشركات كلها مكشوفة لمن يدخلها ، فإذا كنت فى بهو الشركة استطعت أن ترى كل الموظفين أمامك على المكاتب من وراء حوائط البللور ..

وإذا وقفت على ناصية أى شارع فى قلب طوكيو ، تروعك حركة السيارات فى الطريق ، إنها مروعة ، ويخيل إليك من كثرتها أن لكل عشرين شخصا سيارة فى المدينة ..

واليابان تصنع كل أنواع السيارات من السيارة الصغيرة ذات المقاعد الثلاثة إلى الأتوبيس الذى يسع ثمانين راكبا ، ومع هذا فيها كثير من السيارات الألمانية والأمريكية ..

وفى الليل تطلق هذه السيارات كل أنوارها القوية ، هذا هو النظام ، فليس هناك درجتان للإضاءة فى الطريق ..

وإذا عبرت الشارع وسط هذا العاصف من السيارات ستقتل حتما ويضعك عزرائيل فى قائمة الشهداء ..

إن شبكة المواصلات فى مدينة طوكيو عظيمة ، فالراكب لاينتظر أتوبيس فى المحطة أكثر من دقيقة واحدة ، فى كل دقيقة فى شارع جنـزا الفاخر تمر سيارة ، تقف على مستوى الرصيف تماما ، وفى مثل ارتفاعه فتخطو إليها ، كأنك نازل فى يخت ، ثم تغلق الكمسارية الجميلة الباب الأتوماتيكى ، فلايوجد سلم للسيارة ولا أحد يقف على السلم ، وكل الأتوبيسات فى طوكيو ، الكمسارى فيها أنثى تستقبلك على الباب بابتسامة ووداعة ، وهى فى لباس أزرق وفى أزرار صفراء لامعة ، وشعرها تعقده على طريقتها ، واليابانية أقدر امرأة فى العالم على تصفيف الشعر ، وعندما تجلس على الكرسى القطيفة ، أو الكرسى الجلدى تنسى الكمسارية وتنظر إلى الترام الذى يسير بجوارك وترى " الكمساري " فيه رجلا وكذلك كل ترام يمر ..

وإذا كنت تحب الصوت الناعم ، فانك ستختار الأتوبيس فى كل جولاتك فى طوكيو ..
=====================
نشرت بمجلة الجيل المصرية بعددها رقم 333 فى 1251958 تحت عنوان " طوكيو مدينة الأحلام " وأعيد نشرها فى كتاب " مدينة الأحلام " الصادر عن الدار القومية للطباعة والنشر 1963 وجزء منها منشور فى مقدمة كتاب " قصص من اليابان لمحمود البدوى " الصادر عن مكتبة مصر 2001 من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى
=================================
والقصص التى استوحاها البدوى من اليابان منشورة على الرابط
* قصة " الصورة الناقصة " ونشرت فى صحيفة الشعب المصرية
* قصة " الحقيبة " ونشرت بصحيفة الشعب المصرية
* قصة " الجرس " ونشرت بصحيفة الشعب
* قصة " حكاية من طوكيو " ونشرت بمجلة الجيل
* قصة " اللؤلؤة " ونشرت بصحيفة المساء
* قصة " الدليل " ونشرت بمجلة الجيل
* قصة " فتاة من جنزا " ونشرت بمجلة آخر ساعة
* قصة " الليل والنهار " ونشرت بمجلة آخر ساعة
* قصة " وقفة فى جنزا " ونشرت بصحيفة التعاون
* قصة " سأصنع له تمثالا " ونشرت بمجلة روز اليوسف
* قصة " التفاحة " ونشرت بمجلة القصة اكتوبر
* قصة " ليلة فى طوكيو " ونشرت بصحيفة أخبار اليوم
=================================

ليست هناك تعليقات: