الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 1 سيرة حياة محمود البدوى







نشرت جميع أعمال محمود البدوى فى العنوان





محمود البدوى 1908 ـ 1986


النشأة الأولى

قرية الإكراد :
ــــــــــــــــــــ
قرية الأكراد إحدى قرى مركز أبنوب بمديرية " بمحافظة " أسيوط وهى قرية تقع على النيل مباشرة وقريبة من خزان أسيوط ، عاش أهلها عيشة هادئة بفضل عمدتها الرجل القوى الجسور الشيخ حسن عمر الذى إتبع أسلوب والده وجده وسار على نهجهما فى المحافظة على إستتباب الأمن والنظام فى القرية ، فكانت بمنأى عن الإجرام والمجرمين وقطاع الطرق ورجال الليل ، رغم ما كان يعرف عن هذه المنطقة من الصعيد " أبنوب " بأنها مرتع للجرائم والأخذ بالثأر ..

تزوج عمدة القرية بزيجتين ورزق منهما بثمانى ذكور وست إناث ، وسأكتفى بذكر الذكور دون الإناث ، والذكور هم على الترتيب محمد وأحمد ورياض وحسين وحفظى وعمر وزينهم ومحمود ..

وكان العمدة وأولاده يقيمون فى دار كبيرة وواسعة ، ويقوم على شئونهم وقضاء حوائجهم أربعة من العبيد وبعض الخدم ، وبجوار هذه الدار وملاصقة له مقر العمدية وبيوت بعض أفراد الأسرة وأمامه مساحة من الأرض الفضاء واسعة ، ويحتوى مقر العمدية على حجرة السلحليك ومضيفة العمدية وبيت كبير للضيافة يتم الصعود إليه بعدد من السلالم وأحيط المقر بسور مبنى من الطوب ( لا يزال المقر موجودا وتعتنى به الأسرة وبملحقاته حتى الآن ) ..

ويمتلك العمدة أرضا زراعية تقع فى القرية وفى القرى المجاورة لها ويباشر زراعتها بنفسه ..

***

وتوفى العمدة سنة 1905 واستمر أولاده من بعده يتولون العمدية ، فقد تولاها على الترتيب :
* محمد فى سنة 1905
* أحمد من نهاية سنة 1905 إلى أن توفاه الله عام 1941 تخللتها فترة تولى فيها شقيقه رياض العمدية
* زينهم من سنة 1941 إلى تاريخ وفاته عام 1991 "ولم يتم شغل المنصب بالقرية حتى الآن "
* أما حفظى وعمر فقد التحقا بالبوليس وتدرجا فى الترقى إلى أن وصل كل منهما إلى رتبة اللواء
وحسين ومحمود أتما تعليمهما العالى بمدرسة الحقوق العليا والتحق الأول بالسجل التجارى والثانى بالنيابة العامة ثم القضاء

والد محمود البدوى عمدة القرية

تولى أحمد العمدية عام 1905 ، وكان فى الثامنة عشرة من العمر ، ويقتضى الأمر تزويجه ، وكانت والدته على صلة كبيرة بالأسر الطيبة فى جميع أنحاء قرى ومديرية أسيوط ، فاختارت له بنت عبد المنعم التونى عمدة إتليدم، وكانت هذه القرية آخر حدود مديرية أسيوط (حاليا تتبع القرية محافظة المنيا) وبدون أن يرى العروس ، أتمت الأم إجراءات الزواج ، وقام العمدة بتشييد مسكن الزوجية أعلى بيت الضيافة الملحق بمقر العمدية ويتم الصعود إليه من خارج السور المحاط بالمقر " لا زال موجودًا حتى الآن " ..
كان والد العروس يرسل إليها فى موسم جمع ثمار الفاكهة مركبا شراعيا كبيرا محملا بثمار الفاكهة من نتاج بساتينه وأشياء أخرى ، ويجىء إلى القرية صباح يوم وصول المركب ، ويجلس مع العمدة أمام الدوار ، وحينما يشاهد المركب ترسو بالمرساة ــ مكان قريب من الدار ــ يرسل الخدم والخفراء والعبيد إليها ويحملون حمولة المركب حتى باب الدار (لا يستطيع أحد من الرجال الولوج من باب الدار إلى داخله ) ثم تقوم النساء بحمل الأشياء إلى صحن الدار ، وبعد الإنتهاء من تفريغ حمولة المركب ، ينصرف والد العروس، وتترك العروس لأم زوجها (حماتها) توزيع هذه الأشياء على الفقراء من أهل القرية والقرى المجاورة لها ..

ويقول محمود البدوى فى حوار له نشر بمجلة أسرتى الصادرة فى 31 يناير سنة 1981 " ولدت أمى لأب صعيدى غنى ومن أسرة معروفة ، وكان من الأعيان المتنورين ، وهو عبد المنعم التونى .. وكان يملك مساحة كبيرة من الأرض تبلغ 800 فدان ، فجعلته يبنى لنفسه قصرا فى أوائل هذا القرن فى قريته إتليدم مركز ملوى مديرية أسيوط ــ وتتبع اليوم محافظة المنيا ــ إستورد لها الرخام والزجاج الملون من إيطاليا " ..

وأثمر زواج العمدة من السيدة تفيده عن الأبناء ـ بالترتيب ـ محمد ومحمود وفاطمة وأبو الفتوح .. وما يهمنا هنا هو الابن الثانى " محمود أحمد حسن عمر " ..

ولد محمود فى 4 من شهر ديسمبر سنة 1908 ، وشب طفلا مدللا وشقيا إلى حد بعيد ، وفى سنين عمره الأولى كان يحب ويهوى معاكسة النساء المتواجدين بالبيت مع أمه وخاصة معاكسة عماته أثناء جلوسهن فى صحن الدار ، كان يقوم ــ فى غفلة منهن ــ بربط الحصى أو لصق الورق فى طرحة إحداهن ــ وحينما يتنبهن لفعلته ، يضحك ويجرى ، أو يقوم بإشعال النار فى الورق ، ولا أحد كان يجرؤ أو يستطيع ردعه ، وما كان لأحد من أفراد الأسرة أو غير أفرادها يجرؤ بلمسه ، وكان يلعب فى الأجران مع لداته، فيصعدون الأجران العالية وينحدرون منها ، ويجرى بحماره الأبيض الصغير على الجسر بعضا من النهار ، وحينما تغمر مياه الفيضان القرية وينطح بيوتها، ينزل الماء مع لداته ويلعبون وهم فرحين بماء الفيضان ، وكانوا يتسابقون ويتنافسون على تسلق صوارى المراكب الراسية بجوار القرية ويقفزون من قمتها إلى الماء ، وذلك منذ بداية الفيضان فى شهر أغسطس .
كان مدللا للغاية ، خفيف الظل ، نحيف العود ، براق العينين ، سوداء اللون .

وفاة والدة محمود البدوى

كانت أم محمود حاملاً حينما توفى والدها ، فأصابها الحزن والكرب العظيم ، فأثر ذلك على صحتها وعلى الجنين ، وفى أثناء الولادة عام 1915 بالبيت ، ماتت ، ولم ير الطفل النور وإنتهى معها ..

إنطلق الصراخ من جنبات الدار وسرى الخبر فى القرية مسرى النار فى الهشيم وإنتقل منها إلى القرى المجاورة ، وحضرت الجموع وتحولت القرية إلى مناحة ، فولولت النساء ولبسن السواد ولطمن الخدود ، وارتفع صراخهن ، ولطخن وجوههن بالزهرة الزرقاء ، وأهلن على رؤوسهن التراب ، وحملت إحداهن رقا وطافت فى طرقات القرية تحمل لأهلها خبر الفاجعة ، وإزداد ورود النساء وهن ينشجن نواحًا تتفطر له القلوب ، وكلما تعدد إحداهن محاسنها وخلقها وأفعالها وأعمالها يزيد صراخهن ويشتد لطمهن للخدود ، وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ والأطفال الصغار يبكون فى حرقة ..

ومحمود يشاهد هذا كله بعين الطفل ، فلم يكن بلغ السابعة من عمره ، ولأول مرة فى حياته ــ وهو الذى لم يعرف الحزن ــ يرى الموت يدخل البيت، ومنظر النساء الباكيات حوله ؛ ففطر قلبه وشعر فى أعماقه بالتعاسة ، وظلت الغمامة متأصلة فى نفسه وهو لا يدرى ..

وحمل الجثمان بالمركب ــ صندل بموتور يدار بالفحم ــ ورافقه الأطفال وأفراد الأسرة وأهالى القرية ، وسار المركب إلى دار أبيها ، ونقل الجثمان إليه ، وتكررت مأساة الصراخ والعويل ولطم الخدود من نساء أهل قرية إتليدم ، وحمل مرة أخرى ونقل بالمركب حتى شرق النيل حيث دفنت بجوار والدها ، وعاد الجميع إلى الأكراد ، واستمر العزاء مدة أربعين يومًا ..

حالة محمود البدوى بعد وفاة والدته


تبدل وتغير حال محمود وإنقلب كيانه بعد أن ماتت أمه وانقلب لعبه وضحكه ومرحه وشقاوته إلى حزن وانطواء ، فقد كانت الفاجعة أكبر من أن يحتملها طفل فى مثل سنه وتكوينه ، وإرتسمت مسحة الحزن على وجهه ، فذبل جسمه وإصفر لونه ، فكان ينزوى سحابة النهار وطول الليل فى المزارع والحقول هائما شاردًا لا يحادث أحدًا ، وكان أحد الخفراء يتبعه كظله فى كل حركة ، وحينما ينهكه المشى والتعب يعود إلى البيت لينام ، وكان يشعر بأنه قريب من الموت الذى أخذ أمه فجأة دون سابق إنذار وهى فى بكائر أيامها وربيع عمرها ، وأصبح يستريح إلى رهبة الليل وسكونه وهوله ..

وأصاب والده البلاء والكرب العظيم ، فشعر بعد فراق زوجته بالوحشة والانقباض والضجر ، واستبشر بالصبر ونزل على حكم القدر وسلم أمره إلى الله ، وزاد عطفه على أولاده ودللهم وكان يأتى لهم بأكثر مما يحتاجون إليه ، وكانوا فى رعاية جدتهم (أم الأب) وإحدى النساء من العاملات فى البيت والتى كانت بمثابة المربية وعرفت محمود أن الاهتمام أو الحب لا ينبع من داخل الأسرة فحسب بل يمكن أن يأتى من الخارج ..

ص 2 سيرة حياة محمود البدوى

مرحلة التعليم

كتاب القريـــــة

بعد وفاة والدة محمود وما حدث فى جنازتها المفجعة والألم الذى أصابه وألم به ودفن داخل قلبه ، ظهر على السطح فى تصرفاته وافعاله ، وحينما بدأت تنقشع الغمه وترتاح نفسه قليلا ، ذهب كأخيه محمد وأعمامه الذين سبقوه إلى كتاب القرية ـ كتاب مسجد الخطباء ـ ليتعلم فيه القراءة والكتابه وليحفظ فيه القرآن الكريم .

التعليم الابتدائى فى مدينة أسيوط
تقدم محمود للالتحاق بمدرسة أسيوط الابتدائية ، وكانت تجرى فى ذلك الوقت إختبارات تحريرية وشفوية لراغبى الالتحاق بهذه المرحلة من التعليم ، ويمر منها من يجيد القراءة والكتابة ويعرف قواعد الحساب وحلها ، وإجتاز الإمتحان ودخل المدرسة ، وكان يقيم فى المدينه شقيقه الاكبر محمد الذى كان يدرس بمعهد أسيوط الدينى الازهرى ، فأقام معه ، وكان يقوم على خدمتهما ورعاية شئونهما رجل من عند والده ومن أهل القرية ، وأنهى شقيقه دراسته من المعهد وإنتقل إلى القاهرة لاستكمال تعليمة قبل أن يتم محمود دراسته الإبتدائيه .

وجد محمود نفسه وحيداً ، وكانت تجربته الاولى التى يعيش فيها بمعزل عن أحد أفراد أسرته ، ومن هنا نشأت عنده ضرورة الاعتماد على النفس ، وكان والده يجئ للاطمئنان عليه والاطلاع على أحواله فى بعض أيام الأسبوع ..

يخرج محمود من المدرسة يوم الخميس ، يجد الحمار الأبيض الخاص به ، والذى كان يركبه وهو صغير مع أحد الخدم فى إنتظاره ليركبه ويصل به إلى القرية لقضاء ليلته فيها ـ كان يوجد لدى والده خيول ولكنه كان يخشى عليه من ركوبها ـ ويشعر بسعادة طاغيه ، فيركب الحمار ويستوى عليه ويتخذ هيئة الفارس ويحرك رجليه ليحثه على الاسراع ، ويسرع والغبار يتطاير من أرجل الدابه ، ويركب المعدية لعبور النيل وإختصار الطريق ، فالقرية فى العدوة الأخرى من النيل ، كل ذلك ليقضى ليلته فى الحقول ووسط الفلاحين ومع رفقائه فى القرية ، وكانت سعادته الحقه وهناؤه فى أثناء فترة الاجازه الصيفية ..

كان أهل القرية جميعا دون إستثناء رجالاً وأطفالاً يجيدون السباحة والغوص تحت الماء ، ومحمود يتسابق مع رفقائه ولا يشعرون بخوف ولا رعب ولا يرهبون الماء ولا يخافون الغرق ، وقد يخرجون بزورق صغير ويجدفون ويبعدون عن القرية ويتوغلون إلى الجانب الآخر من النيل ، إلى جزيرة القرية الصغيرة ( جزيرة الأكراد ) حيث يوجد جزء من أراضى العائلة ، وهناك يستقبلهم الفلاحون بالبشر والترحاب ويجلسون حولهم خارج العرائش ، ويتندرون ويفيضون بأعذب الاقاصيص والسير ويوقدون النار فى الدريس لعمل الشاى ، ويجذبون سمعه بحكاياتهم الشيقه ، ويمر عليهم فى جلستهم رجال الليل بأثوابهم الداكنه ، مغطين رؤوسهم وأعناقهم بالملاحف وهم مسلحين بأحدث طراز من البنادق وهم الذين اذا دخلوا قرية فى وضح النهار أرعبوها وأفزعوا أهلها والذين كانت الفرائص ترتعد لذكرهم والقلوب تنخلع لوقع أقدامهم ، ويجلسون معهم يشربون الشاى ويقصون عن مغامراتهم فى الليالى السوداء وهم يسطون على العزب والمزارع الغنية لبعض الثراه ويحكون عن حوادثهم مع القرويين الذين يتأخرون فى الحقول والتجارالعائدين من الاسواق ..

وفى بعض الليالى يخرج محمود وحده بزورق صغير يجدف ويسير فى النيل إلى أن يصل إلى سد أسيوط فيمد الحبل ويربطه فى أحد الاشجار على الشط ، ويسير على الجسر حتى تنقضى فترة من الليل ويعود من حيث أتى مرتاح النفس ناعم البال ..

التعليم الثانوى فى القـــاهرة

بعد أن أتم محمود تعليمه الابتدائى ، إصطحبه والده إلى القاهرة ليلحقه بالمدرسة السعيديه الثانوية بالجيزه وليسدد له المصاريف ويشترى له حاجاته وليطمئن على مكان إقامته ـ وكان شقيقه الاكبر الذى شاركه بعض الوقت فى السكن بأسيوط وتركه ليكمل تعليمه بالأزهر عاد إلى القرية لمراعاة الارض والزراعة واكتفى بهذا القدر من التعليم ـ وكان والده كثير التردد على القاهرة لمقابلة اصحاب الشأن وانجاز بعض الطلبات التى تحتاجها القرية وحضور المناسبات التى يحضرها الملك والاعيان وذوى النفوذ ، ويعرف أماكن الإقامة والمبيت فيها من فنادق وبنسيونات ، فاختار لمحمود إحدى الغرف المفروشة بالقرب من المدرسة .
وأحس محمود بالفراغ وبحكم طباعه الريفية المتأصلة نفر من أهل المدن فلم يستطيب صحبتهم ، فكان يرى السيارات الفخمة التى يقودها الشبان الناعمون الطائشون تخطف الطريق ، وكان يفكر فى الحياة التى يعيشها هؤلاء الفلاحون وفى ليل الريف وظلامه وقارنها بحياة الناس فى المدينة ، ويشعر بالضيق الشديد ، ومع مرور الوقت رضخ لحكم الواقع ، ثم أخذ يحاول ان يرفع الحاجز بينه وبين أهل المدينة بالتدريج واستطاب العيش فيها إلا أن حنينه إلى الريف لم ينقطع .

دار الكتب المصرية

عرف طريقه إلى دار الكتب المصرية بباب الخلق ، فكان يقرأ ويطالع كيفما أحب وشاء من كتب السيرة ومن الأدب العربى القديم ، فاختار لسكنه إحدى الغرف المفروشة بالحلميه الجديدة ليكون بجوار الدار وكانت هذه الغرف موجودة بكثرة فى قلب العاصمة فى حى عابدين وفى حى قصر النيل على الأخص حيث يكثر الافرنج ، فكانت هذه الأسر تنزل عن غرفة من سكنها للطلاب البعيدين عن اهليهم .. وكان كثير التنقل بينها ويستقر بعد أن يجد الاسر الهادئة الكريمة الخلق والحجرة الطيبه الهواء والمفروشة ببساطه وأناقة ..


تعلم الموســـيقى

كان محمود البدوى يجد لذته الكبرى فى الاستماع إلى الموسيقى .. فاجنر وبيتهوفن وتشايكوفسكى وهاندل ........ ولحبه وعشقه لها أراد أن يتعلمها ، وتعلمها فعلا على يد رجل موسيقى من أصل تركى ، وكان يذهب اليه بعد الفراغ من دروسه المدرسيه وبعد أن تقفل دار الكتب أبوابها ، ويسكن المعلم قريبا من الدار ، ثم جاءت فرصته فى أن يتعلمها بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية ..

المرور على المكتبات

كان يهوى المرور على المكتبات ويتفحص عناوين الكتب دون كلل أو ملل ولوظل نهار اليوم كلة يسير على قدميه ، فكان مغرما بقراءة الكتب القديمة النادرة الطبع واقتنائها ، فهى فى نظره تحمل فى طياتها أسرار القرون وعبير الدهور ، فيشترى منها ما يستطيع دفع ثمنه ..

وفى أحد الأيام وكان يسير فى مدينه أسيوط أثناء عطلة الأجازة الصيفية ، ذهب إلى مكتبه أدبيه يمت له صاحبها بصله قرابه لشراء بعض الكتب الأدبية فوجد عنده داخل المكتبه شخصين معممين جالسين ويقرأ الأول فى كتاب البيان والتبين للجاحظ وبجواره الثانى ينصت ويستمع اليه وعرفه صاحب المكتبه بهما ، والأول هو محمد على غريب المحرر فى جريدة عظمة الشرق بأسيوط والثانى هو أحمد الحجار من تلاميذ الجاحظ ومن أشد الناس إعجابا به، وتوطدت بين الجميع صداقه قويه ( إستمرت حتى نهاية العمر ) ..

كلية الآداب

نجح محمود فى إمتحان البكالوريا والتحق بكلية الأداب بالجامعة المصرية إبان عماده الدكتور طه حسين لها ، وقام بتأجير أول مسكن مستقل له بشارع الأمير بشير بالحلمية الجديدة ..

لم يشعر محمود بأى حب للجامعه ، فقد غمره تيار الأدب ، وكان يجد لذته الكبرى فى القراءة والاطلاع ليزيد من ثقافته وليوسع مداركه فاستغرقت كل وقته ، وكان يشعر بالغبطة والسرور والرضى النفسى كلما قرأ شيئا ، ويؤلمه عدم وجود الفراغ ليقرأ أو ليطالع من الكتب ما يشاء ويرغب ، فأصبح لا يذهب إلى الجامعة إلا قليلاً ثم إنقطع كلية عنها ..

ولم يرغب فى أن يكون عالة على والده فى القريه فيطعمه ويكسيه ويصرف عليه بعد أن شب وأصبح رجلاً ، ولم يكن من السهل عليه أن يتبطل ويعتمد فى معيشته على ما يرسله له والده من نقود ، وقرر أن يفعل شيئاً ، وأن يخطو خطوة عمليه ، فاتجه إلى الوظيفه كغيرة من الشبان وترك الدراسة بالجامعة ..

يقول محمود « التحقت بكلية الآداب ولم اكمل المشوار لأننى إنتقلت إلى كلية الحياة وهى أرحب ولاشك من كلية الآداب ولم آسف على ذلك قط » ..

ويقول صديقه الناقد " علاء الدين وحيد " فى كتابه المعنون باسم " محمود البدوى " دار سنابل للنشر والتوزيع ط 2000 يقول :
" كان قد ترك الجامعة ـ كلية الآداب ـ فى عمليه رومانسية تستشعر ضرورة رفع الاثقال عن الأب فى المصاريف "

ولكن الناقد " رجاء النقاش " يقول فى مجلة الشهر عدد يناير 1959 تحت عنوان القصاص الشاعر :
" عرفت من بعض المتصلين به أنه أصيب بصدمة عاطفيه فى مطلع حياته وهو طالب فى الجامعة ، وقد أدت هذه الصدمة به إلى أن يترك الدراسه بل ترك مصر كلها وسافر لفترة إلى أوربا ، وكان لديه بعض المال فصرفه كله على هذه الرحلة التى أراد بها أن يجرب وينسى .. وربما تكون هذه التجربه هى السبب فى إنطوائه وعزلته "

ص 3 سيرة حياة محمود البدوى

الحياة العمليه

الوظيفـــــــة
ـــــــــــــــــــــ

التحق محمود بتاريخ 12/ 3/1932 بالعمل بقلم حسابات الحكومة بوزارة المالية بمرتب سبعة جنيهات ونصف ، وكلف بالعمل فى مصلحة الموانى والمنائر بالسويس ، وعندما ذهب إليها لم تكن الحرب العالمية الثانية قد إشتعلت .. ولم يكن الإنجليز يعسكرون مدن القناة .. وأقام بفندق بالسويس .. وفى شارع السوق الرئيسى ، وكان يضيق بالضجيج والحركة فى الشارع وركوب القطار كل يوم ليذهب إلى مقر عمله فى بور توفيق ..

أخذ يسعى فى العثور على سكن ، ووجد غرفة مفروشه فى بور توفيق مع أسرة إيطاليه تسكن فى منزل صغير على شط القناة ، وكانت تؤجر الغرفة لتستعين بإيجارها على مواجهة الحياة ، وأقام معها فى هدوء وإطمئنان ..

وولعه بالمطالعه وحبه للهدوء خففا مما كان يلاقيه من وحدة ..

كان يصطفى زميلا له يحب رياضة المشى كما كان أديبا .. فكانا يقطعان الطريق من بور توفيق إلى السويس سيراً على الأقدام .. وفى بعض الحالات كانا يواصلان السير إلى الأربعين .. وكان يقرأ ويتحدث عن الأدب .. ويرى فى يده أكثر من كتاب لبروست وزولا ..

كان محمود أثناء التمشيه على شاطئ القنال يرى المراكب الذاهبه إلى أوربا وهى محمله بخليط غير متجانس من البشر وتطلق صفاراتها وتسير فى القناة منطلقه إلى عرض البحر ، فولدت عنده الرغبه الشديده فى أن يركبها ويجوب الآفاق ، فيجلس على شط القناة ويحلم ويمنى نفسه بأعذب الأمانى وألذ الأحلام ، والصور الذهنية تبرز وتتداعى فى ذهنه رائعه خلابه ساحرة عن جمال المدن الخارجية وروعتها وروعة ما فيها ..

وعاد من السويس فى عام 1934 للعمل بمقر الوزارة بميدان اللاظوغلى وذهنه مشغول بالسفر إلى الخارج ..

الرحيل إلى أوربا
ــــــــــــــــــــــ
كانت أوربا عام 1934 تعانى أزمة اقتصادية طاحنه ، والرخص والكساد بعمان كل مكان ، والأزمة الاقتصادية تأخذ بخناق الناس ، وبجنيهات قليله تعيش فى أوربا وتستطيع أن تأكل وجبه غذاء كامله فى أفخم المطاعم بما قيمته ثلاثين مليما ..

وكثرت الاعلانات بالجرائد والمجلات المصرية والأجنبية تشجع قرائها على السفر إلى البلاد الأوربيه بجنيهات قليله ، وكان أصحاب شركات البواخر من جنسيات مختلفه التركى .... اليونانى .. المصرى .. إلخ يتنافسون على جذب المقيمين بالبلاد للسفر إلى الخارج ، وكل شركة تذكر إسم الباخرة ومميزاتها وخط سيرها ، وبعضها يظهر صورتها فى الإعلان بطريقه مشوقه وهى فى وسط الماء ، وبعضها يعلن عن السفر من الإسكندرية أو من بور سعيد ذهابا وأيابا والإقامة فى اللوكاندات المفتخرة فى البلاد التى ترسو فيها ومدد الإقامة فى كل بلد من البلدان وميعاد السفر وميعاد الوصول ، وتتراوح مدة الرحلة بين 14 يوم وحتى 42 أو تزيد ..

إعلنت إحدى الشركات عن أسعار السفر وعلى الظهر الدك درجة أولى 700 قرش ، درجة ثانية 500 قرش ، درجة ثالثة 200 قرش

كان البدوى فى وفرة شبابه وفتوته ، وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين، معه من المال ما يكفيه للطواف حول العالم سنه كاملة ..

فى صباح يوم من ايام شهر يوليو ذهب محمود إلى مكتب أنيق فخم من مكاتب السياحة تديره حسناء المانية ، وقلب بصره فى صور البلدان ، وبعد بحث طويل واستقصاء دقيق وإمعان فكر .. تخير أرض الدانوب ، وأخرج من جيبه أوراق البنكنوت وتناول تذكرة السفر ومعها تذكرة سكة حديد فى القطار إلى الإسكندرية ، وتحدد ميعاد السفر يوم 3 أغسطس 1934 ..

إستخرج جواز السفر فى 25 يوليه 1934 وحصل على إجازه من جهة عمله ، وأخذ فى المرور على السفارات وقنصليات البلاد التى إنتوى زيارتها وحصل على التأشيرات ولكن بعض هذه الدول ليس لها قنصليات فى القاهرة وقنصلياتها فى الإسكندرية ، كالقنصلية الرومانيه ، فأرجأ التأشير إلى حين ذهابه إلى الإسكندرية لركوب الباخرة ، وأرسل إلى والده خطابا يطلعه فيه عن عزمه على الرحيل إلى أوربا الشرقية ، ولم يخبر أحداً سواه ..

وصل محمود إلى الإسكندرية ، وخرج من القطار ، وركب السيارة إلى فندق على شط البحر فى محطة الرمل ، وكان سعيداً جزلاً ، طروبا ، وفى الصباح ذهب إلى القنصلية الرومانية وحصل على التأشيرة وعاد إلى اللوكانده ، وجمع متاعه واتجه إلى الميناء ليركب المركب والتى كان محدداً لها مغادرة الميناء فى الرابعه من مساء اليوم ، وكاد يطير فرحا ، لأنه سيحقق أمنية عزيزة على نفسه ويركب البحر وحده ويجوب الآفاق ..

ويقول الناقد علاء الدين وحيد فى كتابه السابق الاشارة إليه .." وإنتهت إجراءات السفر جميعا ولم يبق إلا الصعود إلى الباخرة .. ولكن سلطات الميناء وأكثر موظفيه من كونستبلات الإنجليز تمنعه .. فى البداية الجمتة المفاجأة ولم يستطع أن ينبس .. أحس بالفراغ .. هل ضاع الأمل حقيقة فى الرحيل ؟ ولكن لماذا ؟ وكيف ؟ ويسترد أنفاسه ثم يعرف ما ومن يختفى وراء هذا القرار .. إنه أبوه ؟ كان صاحبنا قد بعث إلى والده خطابا فى آخر ساعة ينبئه بعزمه على السفر ، وكان رد الأب الذى لم يعلمه الابن .. حديثا تليفونيا إلى عم عمر ضابط البوليس فى الإسكندرية يطلب منعه من السفر وحجزه ، ولذلك عندما دخل صاحبنا مكتب بوليس الميناء ثائرا مناقشاً قضيته ، فوجئ بأبيه الذى حضر تواً من الصعيد وعمه جالسين ، وعندما تحدث إلى موظف الجوازات عن حق المواطن المصرى الشريف فى السفر بلا قيد أو شرط ، وبلوغه سن الرشد منذ وقت طويل ، وضرورة عدم منعه حتى يلحق بالسفينه قبل أن تغادر الرصيف، وجوبه بصمت الموظف .. حمله صارخاً مسئولية حجزه بلا وجه حق ، ولكن هذا كله لم يفد شيئاً .. وبكى صاحبنا .. لقد خشى عليه الأب من السفر .. ولنذكر أننا فى عام 1934 ، والمفهوم التقليدى السائد آنذاك عند أكثر الناس عن بلاد بره ، أنها مهد الفساد الخلقى والفكرى معا ، زيادة إلى ما ينفثه الجهل فى الأشياء المجهولة من خزعبلات .. خاصة وأنه لم يكن يعرف الطريق إلى مثل هذا السفر إلا الطبقة الثرية فى بلادنا ..

ولكن العم وضابط أجنبى يعملان على إقناع الاب حتى يقتنع ، ويسمح للابن الحزين بالسفر ويقوم بتوديعه "
ويغادر الأب والعم الميناء ومحمود لا يصدق بأن والده سمح له بالرحيل وإطمأن قلبه ..

عندما ركب الباخره ، وكانت هذه هى المرة الأولى فى حياته سمع صفيرها يرن فى جو الميناء ويتجاوب صداه فى قلب البحر ، ورفعت الباخرة السلم ودارت محركاتها ، وتصاعد دخانها ، وأخذت فى حركة استعراضية تبعد عن الرصيف ، فصعد إلى ظهر السفينه وإتكأ على سورها الحديدى مع الواقفين يرقب حركة المسافرين ويستقبل تحيات المودعين ، ولم يكن له مودع كغيره من ركاب السفينه ..

لم يصبح وحيدا منذ ركب الباخره ، فاختلط بالركاب وشاهد ألوانا مختلفة من الناس من كل لون وجنس ، ووجوه كثيره وثقافات متعدده ، وتصادق مع من إرتاحت له نفسه ..

كان محمود يتكلم بالإشارة فى كل بلد يزورها ، وقل أن يجد من يتكلم الانجليزية أو الفرنسية اللتان يجيدهما ..

فى كل بلد يحل بها يخرج يتجول مع أنفاس الصباح يجتلى مجالى الطبيعة ، يذهب ويتحرك هنا وهناك على غير وجهة وعلى غير هدى ، يشاهد مدنها ويتقدم ويتوغل فى طرقاتها وينظر إلى حدائقها ومنازلها ويرمى المارين بنظرة سريعة هادئا مسروراً ، ويستعرض حوانيت بائعى الكتب القديمة والحديثه ، ويقف يقرأ عناوينها ويغرق فى بحار من الفكر ، ومن مكتبه بوخارست اشترى كتب "لاسكار وايلد ولورنس وجويس ، وإذا عضه الجوع ورمق أحد المطاعم يميل إليه ليأكل ويجلس بعد الطعام ليستريح ..


* * *

ومنذ عودة البدوى من الرحلة وهو يعشق الرحلات فى الداخل والخارج ، فسافر إلى جميع المدن المصرية من أسوان وحتى الإسكندرية ، وطاف وجال فى أوربا وآسيا وبعض البلاد العربية فى رحلات ثقافية وغير ثقافية ..

وحينما ذهب إلى دمنهور فى الثلاثينيات من القرن العشرين والتقى بأدبائها فى مقهى المسيرى وجد الغالبية منهم لم تكن قد خرجت من المدينة وتعجب وقال " من أين تأتى التجارب ، ويزخر الرأس بالأفكار .. فليسافر الأديب وليسافر ، ففى السفر تلتقى بأصناف مختلفة من البشر وتحتك بهم وقد تتعاطف معهم وقد تنفر منهم ، وقد تجد بينهم بطلة لقصه " .
حياة محمود البدوى بعد وفاة والده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توفى والد محمود البدوى فى 19 يناير سنة 1941 ووجد نفسه مسئولاً، فذهب إلى إعلانات الأهرام وسدد تسعون قرشا صاغا فقط مقابل نشر إعلان بالصحيفة عن الوفاة، ونشر الإعلان فى 20/1/1941 بالعدد 20246 وجاء فيه :

الشيخ أحمد حسن عمر

انتقل إلى رحمه ربه الشيخ أحمد حسن عمر عمدة الأكراد وعميد عائلة عمر ، والد الشيخ محمد من العلماء ومحمود بالماليه وأبى الفتوح بالمدارس العالية وشقيق حضرات رياض العمدة السابق وحسين رئيس السجل التجارى ببنها والصاغ عمر أركان حرب الحاكم العسكرى بالقنال واليوزباشى حفظى رئيس مباحث شبين الكوم ومحمود وكيل نيابه كفر الشيخ وزينهم من الأعيان وعم الطيب ويس وفؤاد من الأعيان وحسن رياض بالمواصلات وابن عم محمد الصادق نائب العمدة وخال الأساتذه عبد الحكيم أبو المعالى بالمحاكم الشرعيه وثابت أبو المعالى المدرس بمعهد أسيوط ومجدى من الأعيان وعبد الهادى طالب ثانوى وابن خال الشيخ عزب عثمان وصهر الحاج حسن إبراهيم بالطوابية ومصطفى بك التونى عمدة أتليدم والأستاذ شوكت التونى المحامى وقريب عائله عبد الهادى ومحمد سيد بشطب وستقام ليالى المأتم بديوان العائله بالأكراد مركز أبنوب"

كما وجد نفسه مسئولاً عن إدارة الأطيان الزراعية التى آلت إليه عن طريق الميراث والأراضى التى أعطاها له والده حال حياته فى عامى 1935 و1937 ونقلت إليه ملكيتها بعقود مسجلة ، ويتعين عليه أن يقيم فى الريف وبجوار الأرض لمراعاة الأنفار وإعطائهم أجورهم وتفقد الزرعة خشيه هلاكها ويضيع ماله ، وكان يسجل مصروفات الزراعة فى دفتر صغير .. (السماد ـ التقاوى ـ أجر عربة نقل السماد والتقاوى ـ جاز لادارة ماكينة الرى ـ زيت ـ تصليح الماكينه ـ أجر أنفار الرى ـ كوز للزيت ـ صفيحة جاز ـ أجر مشال ـ سباخ للزراعة الصيفى ـ ضم المحصول الشتوى ـ أجر عامل تطهير القنوات ـ ضم المحصول الصيفى ـ أجر أسطى الماكينه ـ أجر أنفار) ومن الملفت للنظر أن أجر عامل السقيه فى ذلك الوقت من عام 1941 35 مليم واجر أسطى ماكينه الرى 45 مليم وأجر النفر 30 مليم . كما كان يسجل بالدفتر أثمان بيع المحصول الصيفى (قمح ـ ذره صيفى ـ ذره شامى ـ تين ـ قطن) والمحصول الشتوى ( فول ـ عدس ـ حلبه ) ..

بعد مدة من الزمن قام البدوى بتأجير الأرض إلى الفلاحين ، وفى نهاية شهر سبتمبر من كل عام يترك بيته فى القاهرة ويسافر إلى الصعيد ، وبمجرد أن يراه أحد الفلاحين سائرا على الجسر متجها إلى الدار يسرى الخبر بينهم فيتدافقون ويتسابقون فى الوصول إليه ، كل منهم يريد أن يستأجر قطعة ، ومنهم من كان يزيد فى قيمة الإيجار ليفوز ولو بقطعة صغيرة ، وكان المستأجر يسدد الإيجار بالكامل عند التوقيع على العقد والذى كانت مدته سنة زراعية واحدة ..

( بعد صدور قوانين الإصلاح الزراعى ) كان يذهب إلى الفلاحين فى موسم جمع المحصول ويستعمل كل وسائل المواصلات للوصول إليهم ويلاقى المشقه وتعب الأعصاب فى كل مشوار للعثور عليهم ـ يكون ذلك نهاراً ـ وإذا وجدهم يحتفون به ويفرشون له حراما فى ظل عريشة إتقاء من حرارة الشمس الملتهبه ، ويجلسون ويلتفون حوله مرحبين ، ويقدمون له الشاى ويدعونه إلى الطعام ، إلا أنهم حينما يسمعون كلمة الإيجار فكأنما لسعتهم عقرب ، ويقضى النهار كله فى منازعات وجذب وشد وكل واحد يريد أن يترك له جزءًا من الإيجار لأن زراعته بارت وفسدت ، ومنهم من كان يدعى أن جاره أخذ جزءًا من القطعة المؤجره له ، أو أن النيل قد أكل جزءًا منها ويطلبون قياسها ، فكان يعطف ويشفق عليهم ويتأثر بكلامهم ويتنازل لهم عن جزء من الإيجار ..

وبعد ما عاناه من مشقه عهد الأمر كله إلى وكيل عنه من أهل البلد ليحصل الإيجار ويريحه من مشقة السفر ومن المشوار وإيداع الأموال ببنك مصر فرع أسيوط لتحويله وإضافته إلى حسابه بفرع البنك بالقاهرة ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ص4 سيرة حياة محمود البدوى

اللقاء مع ابنة العم
و
زواج محمود البدوى

تزوج ضابط البوليس عمر حسن عم محمود البدوى من إبنة خاله وأنجب منها ولد وأربع بنات ، وما يهمنا هنا هى إبنته حكمت التى أصبحت فيما بعد زوجة محمود البدوى ..

ولدت حكمت فى مدينة كفر الزيات عام 1930 ، وكان والدها معاون نقطه بوليس المدينة وفرح بها والديها كثيرا ، فقد كانت الإبنه الأولى وسميت على إسم المولدة ، وحينما كبرت وشد عودها التحقت بمدارس مختلفة نظرًا لظروف عمل والدها والذى كان دائم التنقل بين بلاد القطر ( نوتردام بالزيتون ـ ليسيه مصر الجديدة ـ ليسيه بور سعيد ـ راهبات الإسماعيلية ) ..

* * *

إنتقل محمود من مسكنه بالحلمية الجديدة إلى منطقة المنيل بشارع محمد سالم ، وأتى بسيدة من القرية للاعتناء بشئون بيته ، وكانت لا تفعل أكثر من غسل ملابسه وإعداد فنجان القهوة فى الصباح ولم تكن تعرف الطهى ، وإستعان بطباخ يطهو له طعامه ، وتعددت سرقاته ، يسرق نقوده وملابسه ، ويسرق وهو يشترى مستلزمات البيت ، حتى قطعة الصابون لم تسلم من يده فطرده ، وخرجت من بعده الخادمه من البيت ، ولم تعد ، فحرر مذكرة بنقطة بوليس المنيل قيدت تحت رقم 36 فى 14/4/1943 ..

إستعان بعد هذه الواقعة بسيدة أرمل ولديها طفلتان وإسمها أم محجوب ( وهى لا محجوب لها ) تقوم بشئون البيت وتطهو له طعامه ثم تذهب إلى بيتها لمراعاة طفلتيها ..

* * *

فى عام 1945 جاءت شقيقته فاطمة من الريف بصحبة عمه حسين لعرضها على الأطباء فى المدينة لشدة مرضها ، وتركها العم وذهب إلى حال سبيله ، وأقامت شقيقته معه ، وتوقف محمود عن السفر والترحال ، وعن مزاولة التمرينات الرياضية بنادى الجمباز بالمعهد المصرى للرياضة البدنيه ( الإشتراك السنوى ستة جنيهات والإشتراك الشهرى جنيه واحد ) كما توقف عن الجلوس مع أصدقائه بالمقهى ، فكان يخرج من عمله إلى البيت مباشرة لمراعاة المريضة وحتى لا يتركها وحدها ، وكثرت زيارات أعمامه حسين وحفظى ومحمود وترددهم على مسكنه لمعاودة المريضة ..

* * *

فى أحد أيام صيف عام 1945 جاء عمه عمر من بور سعيد ومعه زوجته وإبنتهما حكمت الطالبة بمدرسة الليسيه لزيارة المريضة والإطمئنان عليها ، وكانت حكمت تلبس رداء محتشما بسيطا مصففه شعرها الطويل فى جدائل وملقى وراء ظهرها ، وهى على جانب كبير من الجمال وبشرتها نقيه وعيناها خضراوين ..

إنتهز محمود الفرصة وطلب من عمه إبقاء إبنته خلال فترة الإجازة الصيفيه لتؤنس إبنة عمها المريضة وليستطيع إنجاز بعض أعماله الخاصه ، فوافق العم ..

عاد محمود إلى البيت بعد إنتهاء عمله بالمصلحة ليتناول الغداء كعادته ، فوجد تغييراً حدث فيه وأن يدًا جديدة مرت عليه وبجو أنيق ممتع ، وبعد تناول قهوة العصر خرج من البيت ..

كان يعود بعد منتصف الليل بقليل ، ويفتح الباب ويدخل فإذا أحس بأنهما لم يناما يجلس يتسامر معهما ويحكى عن سفرياته فى الداخل والخارج ، ويتحدث فى هدوء وإتزان ويصف ما شاهده فى أوربا وحكمت تستمع إليه فى شغف ومأخوذه بحلاوة حديثه ، وتنصت ، وتنظر إليه نظرة إكبار وإجلال ، وحينما يشعر أن النوم بدأ يداعب أجفانهما ، يتركهما ويذهب إلى غرفته ليقرأ أو ينام ..

كان البيت وما حوله هادئاً ، فكانت حكمت تسلى وحدتها فى الوقت الذى كانت تنام فيه المريضة ، تتصفح المجلات وتنظر إلى مجموعة الصور التى جاء بها من البلاد التى زارها حتى تشعر بالنوم ..

* * *

عاد محمود إلى البيت ليلا ، فى غير ميعاده ، مبكراً قليلاً ، فوجد ابنة عمه ساهرة وحدها ، جالسة أمام المكتب تتصفح إحدى المجلات المصورة ، وحينما رأته قامت ، فأشار عليها بأن يجلسا قليلا ليتحدثا حتى تشعر بالنوم ، فإستجابت ـ وأخذ يتحدث معها ويسألها عن أخواتها ودراستها وبور سعيد وضواحيها وملاعبها ـ سبق له أن ذهب إلى هذه المدينة كثيرا وطاف فى أحيائها ـ ولكنه كلما سألها عن شئ يظهر الخجل عليها وتحس بأن لسانها يقف فى حلقها وترد عليه ردود مقتضبة ، وحينما ينظر إليها تحول وجهها عنه وتتلعثم ، ولما لم تجد مفرا مما هى فيه ، ولإنقاذ نفسها مما أصابها ، تتصنع التثاؤب وتتركه وتدخل حجرة المريضه مدعية غلبة النوم عليها ..

وعلى الرغم من أن محمود صادق وعرف الكثير من الأجانب والمصريين فى شرق البلاد وغربها أثناء إقامته بالبنسيونات والغرف المفروشة لدى الأجانب بالقاهرة السويس والإسكندرية وأثناء تجواله ورحلاته بالخارج ، إلا أنه لم تستطع واحده منهن أن تجذبه إليها ويتخذها زوجة له على مدى الأيام التى إنصرمت من عمره الفائت ، حيث طالت مدة عزوبيته ، وذلك بسبب حبه للأدب وعشقه له اللذين لم يتركا لنفسه مهلة للتفكير فى الزوجة والأسرة ، ولكن ابنة العم لفتت نظره وشدت إنتباهه لأنها لم تنطلق بالقول وتفيض وتثرثر كغيرها من النساء ، ورآها أنها ستكون أصلح زوجة له ، وعزم على ذلك ، ولكنه لم يتخذ أى خطوة عمليه ، وظل مترددا يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وجاء عمه عمر وزوجته واطمأنا على المريضه ، واصطحبا ابنتهما وإنصرفوا وشفيت المريضة وعادت إلى الريف لترعى شئون بيتها ، وانتقل محمود إلى مسكن آخر بالسيدة زينب والتحقت حكمت بمدرسة راهبات بمدينة الإسماعيلية بعد نقل والدها إليها ..


زواج محمود البدوى

جاء أحد الأقارب الأبعدين لخطبة ابنة عمه حكمت ، وعلم محمود بالخبر ، وأحس بمجرد سماعه بالألم ، فقد كان يحس بأنه يحتجزها لنفسه ، وفاتح عمه حسين فى أول زيارة له ، وبارك الخطوة وشجعه عليها وآل على نفسه أن يساعده حتى بلوغ غايته ويذلل له كل الصعاب التى تعترض طريق هذا الزواج وإتمامه وخاصة مما يصدر عن والدتها ، وطلب منه تجهيز المهر وأن يكون مستعدَا ، فأجاب محمود من فوره بأنه جاهز ومعد نفسه لهذا اليوم ..

* * *

قدم محمود إلى عمه عمر فى الإسماعيلية ، وكعادته كان حسن الملبس والمظهر ، وصاحبه فى تلك الزياره عمه حسين ، ورحب والد حكمت بطلب ابن أخيه ، وسمعت حكمت وغمر كيانها السرور الباطن ، ولكن الاعتراضات كانت من جانب والدتها التى دست أنفها فى الموضوع ـ وهذا حقها ـ لسبب فارق السن بينهما ، ولما انطلق العم حسين فى مناقشات معها ، ارتسم الأسى على وجه محمود وعلق بصره بها وجلس صامتا ، ونظر إليه عمه وتبسم واشار إليه وجلسا على كرسيين فى الصالون الأخر يتحدثان ويرقبان عن بعد ما تسفر عنه المناقشات ، وحكمت ترمق أمها فى جانب من خارج الحجرة وتنصت باهتمام شديد إلى الحوار الدائر بينهما ، فقد كانت أمنيتها وسعادتها أن تتزوجه وتعيش معه تحت سقف واحد ، وتتطلع بشغف إلى إنتهاء المناقشات لتعرف النتيجة النهائيه ، ولكن النقاش والحديث استمر إلى الساعات الأولى من الصباح ، وأخيرا حسم العم الموقف وصمم على أنه لا رجعة عن إتمام الزواج بعد موافقه شقيقه والد حكمت ، وانصاعت الأم ورضخت للأمر ووافقت ، وهزت الفرحة قلب محمود ، وأخرج المهر من جيب سترته وسلمه إلى عمه عمر ..

* * *

رقى والد حكمت إلى رتبه القائمقام ونقل للعمل بالإسكندرية مأموراً لقسم محرم بك ، وفى صباح يوم أثناء وجوده بالقسم دخل عليه أحد العساكر ممسكا بيده طفله صغيره عمرها لا يتجاوز الثمان سنوات وقال له وجدناها ليلا فى الطريق تبكى ولا تعرف شيئا من أمر نفسها وعلم منها أنها من الفلاحين وتعمل لدى أسرة ضربوها فخرجت إلى الطريق ، فسألها المأمور عن هذه الأسرة وعنوانها واسمها ، فقالت .. معرفشى ، فسألها كانوا بينادوكى بإيه ، قالت .. مبروكه ..

وتحرر محضر بالواقعة وتسلمها المأمور وأرسلها إلى البيت إلى حين ظهور من يسأل عنها ( لم يسأل عنها أحد ) وظلت فى البيت مع الشغالين ( طباخ أسمر اسمه محمد من أسوان ومعه شقيقه الأصغر حسن وعمره سبع سنوات وزايده التى تعتنى بشئون البيت ) ..

* * *

كان محمود يعشق الإسكندرية وكثير التردد عليها ويقضى فيها ليلته فى البنسيون الذى إعتاد أن ينزل فيه كلما هبط المدينه ، وفى الليل يسير بجوار البحر ويجلس على الشط حالما مفكرا ويمتع بصره بجمال الطبيعة ، وتطيب له الجولة الليلية لأنها رياضة عضلية للجسم ويستطيع أن يتبين جمال المدينة بعد أن تنقطع الرجل ، فكان يعرفها ويعرف كل شبر فيها جيداً ، أسماء الشوارع والبنسيونات واللوكاندات ، بدرجة مذهله ..

حرص محمود فىالذهاب إلى عروسه ، واصبح يخرج معها ويرافقه فيها والديها للنزهة ، ومن فرط سعادتها وسعادته كانا يحسان بأنهما فى حلم جميل ، وكانت منبهره بأسلوب تعامله معها وطريقته فى الحديث وبالكلمات الحلوة الجميلة التى يلقيها على سمعها ، وبعد السير على شط البحر يجلسون فى أحد الكازينوهات ، وبعد انتهاء السهرة والعشاء فى الكازينو ، يعودون من حيث أتوا ، ويتركهم ويذهب إلى البنسيون للمبيت ..

* * *

أخذ محمود فى البحث عن شقة الزوجية بحى مصر الجديدة ـ كانت جميع العمارات بلا إستثناء تعلق يافطة على باب المنزل وفى واجهة الشرفات تشير إلى وجود شقة خالية ، وكان الملاك يحاولون بكل السبل وشتى الوسائل جذب ساكن لها ـ فعثر على شقه فى بناية حديثه ( تقع على ناصيه ) بالدور الثالث بشارع محمد رمزى ( الإمام على سابقا ) نمرة 32 بإيجار شهرى عشرة جنيهات وخمسمائه مليم ، وسر بها كثيرا لأنها فى منطقة هادئه وبها بلكونه واسعه وفسيحه وتطل على شارعين ، وراقه الهدوء ، ويستطيع أن يجلس يقرأ فيها ويكتب ، وكان السكان حوله خليطا من المصريين والأجانب وسر عمه وزوجته بها كثيرا وبموقعها الجميل ، واستأجرها من أول أبريل 1947 ..

نقل العفش من تاجر الأثاث إلى عش الزوجية ، وجاء الخدم من عند والدها بالإسكندرية ، وأشرف بنفسه على تنظيم الغرف وإعداد الفرش ولم ينس الحجرة الخاصة بالضيوف لمن يهل عليه من الأهل ، وتحدد يوم الزفاف بفيلا عم العروس المستشار محمود بالجيزه يوم 19 مايو 1947 .

حينما علم الخادم الصغير الأسمر ومبروكه اللذين يخدمان عند والد العروس ، بزواجها وإنتقالها إلى القاهرة ، بكيا ، وأصرا أن يسافرا ويكونا معها وفى خدمتها ـ كانا يحبونها حبا خالصا ـ وأبدت العروس رغبتهما لمحمود فلم يمانع وعرض عليها ـ إن شاءت ـ الإبقاء على أم محجوب التى تطهو له طعامه وتعنى بشئون البيت ، فرحبت ..

كان بالشقه صندره فسيحه أعلى الحمام يتم الصعود إليها بسلم خشبى متحرك من المطبخ وبها شباك ، وضع فيها فرش ومراتب وأعدت لتكون مكانا لنوم الشغالين ..

* * *

جاء اليوم المحدد للزفاف وقصرت الحفلة على عدد قليل من الأهل والأقارب الموجودين بالقاهرة ، لأن الأسرة لم تزل فى فترة حداد على والد محمود الذى توفى عام 1941 ، ولم تكن بالحفلة دفوف تدق وموسيقى تصدح ومطرب يغنى أو راقصة تحيى الفرح ولمبات تضاء للزينة ، وفى المساء وصل المأذون من قرية الأكراد ، وتم العقد ( مسجل بوثيقة الزواج أن الصداق قدره 700 جنيه مصرى حالا ومؤجلاً والحال منه مبلغ 350 جنيها ) وبعد تناول العشاء هنأ الحاضرون العروسين وإنصرفوا وإصطحب محمود عروسه فى سيارة خاصة قامت بجوله فى أنحاء القاهرة ..

غادر المأذون الحفل بعد العشاء ، وذهب إلى أقاربه المقيمين بحى روض الفرج ، وأثناء سيره هناك اعترضه بعض اللصوص وجردوه من ملابسه ونقوده ، وكانوا رحماء به بأن تركوا له دفتر إثبات الزواج ..

* * *

بعد حفلة العرس ، قضى محمود الأسبوع الأول من الزواج بالبيت ، وكان أول من يستيقظ من النوم فى الصباح ، ويستهل يومه ببعض التمرينات الرياضية ويحلق ذقنه ويأخذ حماما سريعا بالمياه الطبيعية دون تسخين فى الصيف لينشط ، ويقرأ بعض آيات من كتاب اللّه ، وتقوم زوجته وتقدم له فنجان الشاى وتعد له طعام الأفطار ، وبعده يعد لنفسه فنجانا من القهوة يصنعه بنفسه ويخرج إلى عمله ..

تترقب زوجته عودته من العمل للغداء ، وكانت الفترة التى تعقب الغداء ثقيله على نفسه ، فيستريح ساعة أو ساعتين وفى الأصيل يستمع إلى الموسيقى ويخرج من البيت إلى نادى الجمباز لمزاوله بعض التمرينات الرياضية أو يذهب إلى مقهى بور فؤاد بشارع فؤاد ، فقد كان لا يقابل أحدًا من أصدقائه فى البيت عدا المقربين إليه من أصدقائه الأولين وكان يحرص على ألا يزوره أحد فى مكتبه بالمصلحة ، لأنه ليس مكانا لزيارات الصحاب والأصدقاء وكل مقابلاته تكون فى المقهى ، ويعرف الصحاب المكان الذى اعتاد الجلوس فيه من المقهى ، يشرب القهوة يطالع أو يكتب .. يقول الأديب يحيى حقى رحمه اللّه بصحيفة الأخبار فى 19/2/1986 " كنت أذهب لزيارته وهو موظف بوزارة الماليه ، فأجد على وجهه إمارات الصبر والخشوع ، وكان ذلك فى الخمسينيات تقريبا " ويقول صديق عمره عاشور عليش بمجلة الثقافه ـ عدد نوفمبر 1978 ـ " كنت أزوره فى مقر عمله فلا أجد ورقه واحده على مكتبه ، فقد أنجز الرجل عمله كاملا فى الساعات الأولى من الصباح ، الأمر الذى أدهش رؤساءه الكبار وجعله دائما موضع التكريم والاعتبار ـ وقبل الرؤساء الكبار ، حظى محمود بحب الأرامل واليتامى الذين كان فى خدمتهم دائما والذين يذكرونه بالخير والدعاء حتى اليوم .. إذ وجدوا فيه شيئا فريدًا لن يتكرر ، كان يستشعر مآسيهم باحساس الأديب وقلب فنان " ..

وكان محمود أثناء جلوسه فى المقهى يتطلع إلى الوجوه ويشاهد الحياة تجرى أمامه ، ( وفيها ينسى العمل الروتينى الذى يقوم به فى المصلحة ) ثم يحمل كتبه وأوراقه ويستأنف تجواله فى المدينة يستعرض ما فى واجهات المتاجر من ملابس وعطور وأدوات الزينة ، ويرى وجوه السائرين فى الشارع والمارين أمامه ، ثم يركب المترو إلى البيت ، أو يتخذ طريقه ماشيا على الأقدام ، وتطيب له هذه الجوله الليلية ليفكر ويتأمل فيما حوله ، وقد يجد أثناء سيره فى الطريق بعض المشاهد التى تعذب نفسه فتزيده سخطا ، ولا يجد متنفسا لها غير صبها بالكتابة ( غلمان الشوارع يجمعون أعقاب السجاير ـ السكارى والمعربدون ينسلون من الحانات ـ الإنجليز السكارى يصخبون ويعربدون ويتعرضون للاهالى ويشتبكون معهم ) ..

بعد العشاء ينام إذا أحس بالنوم أو يظل ساهرا ويستغرق فى المطالعة ـ كان مغرما بالإطلاع على ما هو جديد وما يدور فى الإنسانية من أحداث ـ غافلا عمن حوله ، ويستلقى بعدها فى ثبات عميق ..

* * *

إذا أرادت زوجته شراء بعض الأشياء اللازمه للبيت أو النزهه ، تمر أمام القهوة فى وقت معين متفق عليه ، وحينما يبصر بها ينهض من مقعده وينطلق فى إثرها ، ويمضى معها يسيران أمام الفاترينات مستعرضين الحوانيت ، وبعد الحصول على حاجتها ، يذهبان إلى السينما أو الكازينو وهى مسرورة فرحة وبعد أن يتعشيا يركبان المترو أو سيارة أجره إلى البيت ..

وكانت زوجته تحيط بيتها بجو من الهدوء المطلق ، وكان هذا الهدوء يحبب إليه الإقامه فيه جانبا كبيرا من النهار والليل ، فيجلس فى الشرفه يستمتع ويمتع بصره بما يحيط به من المناظر يحمله على التأمل ويكتب ..

* * *

كان بيته محطة للقادمين من الصعيد من الأهل والأقارب ، وإذا أصاب زوجته مرض إنتشر خبر مرضها فى الأسرة ويزدحم المنزل بالرائحين والقادمين ويصبح البيت كخلية النحل ، ويظل فى الليل ساهرا بجانب فراشها وحينما يمن اللّه عليها بالشفاء ، يخرج معها للنزهة لتسترد كامل صحتها ..

* * *

يخرج من غرفته ليلا بعد أن ينام جميع من فى البيت ويتجه إلى المطبخ ليصنع لنفسه فنجانا من القهوة ، فإذا وجد اللمبه ( لمبة جاز ) مشتعله تحت دماسه تدميس الفول يطفئها ويعود إلى مكانه من غرفته وكأنه ما فعل شيئا ، وحينما تصحو زوجته فى الصباح لتجهيز الإفطار تفاجأ بانطفاء اللمبة فتعتقد أن الهواء أطفأها ، ولما تكررت عدة مرات ، سألت محمود ، فطلب منها أن يكون إشعال اللمبة وعمل الفول نهاراً ، أما فى الليل فقد يحدث حريق دون أن يحس به إنسان ..

* * *

الابنـــــة الأولى

يحرص محمود على راحة زوجته وجلب المتعه والهناء لها ، فكان يذهب معها إلى الإسكندرية من حين إلى حين لتزور أهلها ويقضيا هناك أياما ، وحينما كانت زوجته فى الشهور الأخيرة من الحمل ، رافقها إلى والديها لتكون بينهما وبين أخواتها ولتضع هناك أول مولود لها ، وظل يتردد عليها ويخرج معها للنزهة ، ثم يتركها فى وقت متأخر من الليل ويذهب إلى الفندق للمبيت فيه ( رغم أن والدها مقيم بفيلا مكونة من ثلاث طوابق فى منطقة مصطفى باشا ، ولأنه بطبيعة تكوينه لا يحب أن يثقل على أحد حتى ولو كان عمه أب زوجته ) ويأتى إليها فى صباح اليوم التالى مدة وجوده بالإسكندرية ، وحينما يتركها ويعود إلى القاهرة لظروف عمله ، كان يتصل بها بالتليفون فى الساعة السادسة والنصف صباحاً قبل الخروج إلى عمله ..

فى اليوم الذى شعرت فيه زوجته بأنها على وشك وضع حملها كان موجودًا معها وطلبت منه أن لا يتركها وحدها ، وظل بجوارها ، وفى الساعة الحادية عشر مساء أحست بآلام الوضع ، فأيقظ والدتها من النوم وقام بنقلها إلى المستشفى اليونانى ( حجز لها جناح طوال مدة إقامتها بالمستشفى ) وأنجبت أول مولودة لها يوم الأربعاء 21 سبتمبر 1949 وسماها ليلى ، وظل مقيما معها بالمستشفى مدة عشرة ايام وفى أثنائها ذهب إلى شركة نادلر للحلويات وجاء بعلب الملبس ووزعها على المرضى والممرضات والعاملين بالمستشفى الذين قاموا باحياء حفل السبوع للمولوة ، وحينما رجعت زوجته بالرضيع إلى البيت ذبح محمود الذبائح وقام بتوزيعها وظل فترة من الزمن على ذلك حينما يحين موعد عيد ميلاد إبنته ..



كثيرا ما كان يصطحب زوجته وإبنته إلى الإسكندرية وبعد زيارة والدى زوجته يصطحبهم إلى الكابينه الخاصة على البحر بمنطقة جليم ، ويلبس المايوه ويجلس على الشط مدة وينطلق يعدو فى نشوه وتجرى إبنته وراءه كالجرو الصغير ثم يحملها على كتفيه وينزل بها الماء وهى فرحة جذله ويخرج بها على الشط ، وفى الكابينه يسلمها لأمها ويعود ينزل البحر ويغطس فى الماء ، وبعد قضاء النهار يصطحب ابنته وزوجته للمبيت فى الفندق ..

كانت زوجته تعتنى بالخدم ومظهرهم ولكل منهم عمل ، وجئ بمربية يقتصر عملها على العناية بالطفلة ومراعاة شئونها ، والخادم الصغير حسن يلبس جلبابا أبيض ويربط فى وسطه شريط أحمر وعلى رأسه طاقية بيضاء ، وعمله مقصور على شراء الأشياء الصغيرة من السوق ، فكان يخرج فى الصباح لإحضار طعام الإفطار ينطلق يعدو ويعود بنفس السرعة وتبهره مجلة البعكوكة فيشتريها بقرش ويخفيها بين ملابسه ، ويدخل الحمام الإحتياطى ويغلق الباب يتصفح المجلة ( رغم عدم معرفته للقراءة ) وقد حباه الله بذكاء فتعلم القراءة وحده دون معلم ، وتغير وتبدل حاله ، فأصبح يخرج فى الصباح ليأتى بالإفطار ويعود قرب الظهر ، وفى أغلب الحالات يكون ممسكا بالسلة فارغة كما خرج بها ويعول والسبب أن النقود ضاعت منه ..

فى أحد الأيام أثناء سير محمود فى الطريق إلى عمله شاهد الخادم فى الحديقة العامه وحوله بعض الصبية يستظلون تحت ظل شجره والسلة موضوعة فى جانبه ويقرأ لهم من مجله البعكوكة ( كان ينسى نفسه وينسى طلبات البيت ، وحينما يفيق إلى نفسه لا يجد النقود ) ..

كان جسمه ينمو سريعا ويزداد كل يوم طولاً ، وجاء شقيقه من الإسكندرية وأخذه معه إلى أسوان لرؤية أمه بعد فوات سنين وهو بعيد عنها ، وسافر ولم يعد ، ولكنه عاد بعد مدة من الزمن ، كزائر ، وقد فرع طوله وعمل فى إحدى الهيئات الكبرى بالقاهرة ولم ينقطع عن زيارتهم ..

حدث أن تعطل الجرس الكهربائى فى البيت ولما جاء قام بإصلاحه دون الإعتماد على السلم ، ففرح محمود من عبقريته ، وأتت زوجته بنجفة كريستال جديده ، ولما جاء حسن قام بتركيبها ..

وفى أحد ليالى أيام شهر رمضان كان محمود يجلس مع زوجته وابنته فى البلكون ، سمعوا دويا هائلا وإنفجارًا رهيبا أعقبه ظلام تام فى البيت كله ، فقد سقطت النجفة ..

إصابة محمود البدوى فى حادث

فكر محمود فى شراء سيارة صغيرة يستخدمها فى سفرياته الكثيره ، وفى 4/5/1951 إشترى سيارة ملاكى جديدة ماركة فولكس واجن موديل 1951 لونها أخضر من شركة النقل الميكانيكى بالقاهرة بمبلغ خمسمائه وستين جنيها وواظب على شراء مجلة إسمها الموتور وتصدر كل اسبوعين عن دار المطبوعات الحديثه وتتضمن إرشادات لقائدى السيارات لصيانة السيارة وإصلاح الأعطال البسيطة المحتمل حدوثها أثناء السير وموضوعات أخرى وكان سعيدا باقتنائها ، ويجلس فى مقعد القيادة وبجواره زوجته وإبنته وينحشر فى المقعد الخلفى الشغالين ويقوم بجوله ، وسافر بها كثيرا إلى الأسكندرية وأسيوط والبلاد الواقعه بينهما ..

* * *

فى أحد أيام شهر مارس وتحديدا صباح يوم 14/3/1952 إستيقظت زوجته وهى شاعرة بألم فى الأذن اليمنى ، وكان الجو شديد الحرارة كثير الغبار ، على خلاف الحالات فى شهر مارس ومضت أم محجوب مسرعة وحملت قليلا من الماء الساخن ووضعت الكمادات عليها ، ولكنها لم تحس بالراحة وازداد الألم وتحاملت على نفسها وارتدت ملابسها
وهبطا السلم ومحمود يحمل ابنته وركبوا السيارة وخرج من شارع البيت ، وأثناء السير كانت زوجته تتأوه من الألم وهو ينظر يمنه ويسره على اليفط المعلقة على شرفات المنازل والتى تشير إلى طبيب أذن ليعالجها من علتها حتى وصل إلى ميدان الإسماعيلية ، ولمح لافته صغيرة تشير إلى طبيب أنف وأذن ، فركن السيارة جانبا ، وصعدوا إليه ومحمود يحمل طفلته وكان عمرها سنتين ، وأستقبلها الطبيب وعلى وجهه البشر والإيناس ومد يده وهو يبتسم ، فقد كانت العيادة خالية من المرضى ، وتحدث مع الزوجه ، وشرحت له آلامها ونظر وفحص وعرف السبب ، ونظف الأذن وغسلها وبدأ يزول الألم ، ونزلوا من عنده وركبوا العربة إلى البيت ، ونزلت زوجته وإصطحب محمود إبنته فى جولة بالسيارة ، ولكنه تذكر ميعاد له فعاد بها ، وركب السيارة وحده ومشى ..

* * *

على حين غره ، وأثناء سيره بالسيارة فى مصر الجديدة إعترضته عربه كبيره تابعة للجيش المصرى قادمة مندفعة من طريق جانبى وصدمته صدمة عنيفة وهشمت سيارته وسحقتها وفرت بعد الحادث دون أن يلتقط رقمها أحد ، وكانت أم الملكة ناريمان فى شرفتها وأول من رأت الحادث ، فصرخت تنادى الحرس للحاق بسيارة الجيش الهاربة ، وإتصلت بالبوليس والاسعاف ، وجاؤا سريعا ، وكان الدركسيون حط على صدره ووجهه يدمى وقد غطاه الدم وحملوه على المحفة وهو غائب عن وعيه بين حى وميت ، وركب معه بعض الحرس ولم يتركوه وحده ، ومضت العربه فى الطريق إلى مستشفى الدمرداش ، وتم إسعافه بعملية نقل دم فى الحال من أحد الحراس المرافقين له والذى تبرع بدمه لعدم وجود دم كاف بالمستشفى فى الساعة التى نقل فيها ولولا هذا لمات ، ووضعت الضمادات على رأسه وصدره وذراعيه ، ونقل إلى الجناح الخاص بحرس القصر الملكى ..

فى الساعة الرابعة من مساء ذات اليوم ، رن جرس التليفون بالبيت وكان المتحدث يحمل خبر إصابة محمود البدوى فى حادث سيارة ونقل إلى مستشفى الدمرداش ، ونزل الخبر على زوجته كالصاعقة وصرخت وجاء الجيران يتساءلون ويطمئنون على إبنته التى كانت معه ، وأجريت الإتصالات بعمه بالإسكندرية والأعمام بالقاهرة ..

تزاحم الأهل بالمستشفى وأرادوا نقله إلى مستشفى خاص تتولى علاجه ، ولكن الطبيب رفض ذلك بشدة لخطورة حالته على النقل وصرح لهم بالبقاء معه كيفما شاؤا ..

لما رجع محمود إلى صوابه وفتح عينيه وجد نفسه ممددا على السرير لايقو على الحركة وحوله أقاربه الأقربين والأبعدين والدموع فى أعينهم ، وظهرت الفرحه على الوجوه بأن وهبه اللّه الحياة ، ثم أخذه النوم ، فجلسوا جميعا فى هدوء ينظرون إليه ووجهه يعبر عن آلامه ، وكثر المواسون والزائرون له ، وأخذت زوجته تلازمه ليلا ونهارًا حتى ظهرت عليه دلائل العافية واراد الخروج من المستشفى على مسئوليته وليكمل علاجه بالبيت ..

ومنح من العمل أجازه طويله حتى إسترد فيها عافيته وشفى وبدأ يزاول نشاطه فى المشى والكتابه ..

وتحرر عن الحادث الجنحة رقم 757 لسنه 1952 مصر الجديدة ، وباع السيارة بمبلغ 125 جنيها فى 1/6/1952 إلى ورشه جبور السيارات ، ولم يكرر محاولة إقتناء سيارة بعد ذلك أبدًا ..

يقول صديقه عاشور عليش فى صحيفة المساء 30/5/1963 " أذكر أنه فى عام 1950 إقتنى محمود البدوى سيارة صغيرة ، إشتراها لا ليركبها ويقودها داخل القاهرة وإنما إشتراها لهدف آخر بعيد ، هو أن يقوم برحلة بها حول العالم .. ولولا حادث مفاجئ أودى بالسيارة وأنقذ منه البدوى بأعجوبة لكان البدوى قد قام برحلة حول العالم بالسيارة ولكن إرادة اللّه شاءت أن يقوم بها بالطائرات والبواخر "

* * *

عاد محمود إلى الخروج للعمل ، وفى المساء يصنع لنفسه القهوة ( بن تقيل وسكر خفيف ) ويرتدى ملابسه كاملة ويجلس فى البلكونة وأمامه ترابيزة عليها لمبة مكتب ضوئها خافت ودورق مياة وكوب وأقلام رصاص وأستيكة ، ويكتب ، وتدخل عليه إبنته قبل الذهاب إلى النوم ، فيترك ما فى يده ويداعبها ، ويربت على خديها ويضمها إلى صدره ، وحينما تشعر بالنعاس ، تشرب من المياة الموضوعة أمامه وتنصرف إلى حجرتها لتنام ، وذلك إذا كان الوقت صيفا ، وأما فى الشتاء ، فيجلس فى حجرته بجوار الشباك يكتب بالقلم الرصاص وقد يحمل حقيبته وبها أوراقه واقلامه ويخرج إلى كازينو بميدان تريومف يكتب أو يقرأ إذا كان الجو لطيفا ..

ويقول تبارك بمجلة الفن الصادرة فى يوم الإثنين 4 يوليه 1955 تحت عنوان كيف يكتبون فى الصيف .. " وفى أقصى مصر الجديدة يعيش الأديب الأستاذ محمود البدوى ..
ومحمود البدوى لا يكتب فى الصيف إلا إذا توافرت شروط خاصة منها .. أن يكون مرتديا ملابسه كاملة ولابد أن يجلس كذلك فى مكان يستطيع منه مشاهدة السماء .. ثم يبدأ فى الكتابه ..

وفى الصيف لا يجد الأستاذ البدوى مكانا أصح للكتابة فى منزله .. من " البلكون " فيجلس على مقعد مريح وأمامه منضدة عليها أوراقه وبعض الأقلام الرصاص التى تعود دائما أن يكتب بها .. وعلى المنضده " لمبه مكتب " ينبعث منها ضوء هادئ .. ويظل الأستاذ البدوى غارقا فى الكتابة ولا يفيق إلا عندما تأتىابنته " ليلى " لتستعير منه قلم رصاص أو أستيكه .. أو لتشرب من ماء الدورق الذى أمام والدها .. فإن المياة التى أمامه .. تختلف فى نظر ابنته عن بقية أنواع المياة الأخرى ..

وعندما يضيق الأستاذ البدوى ذرعا بابنته .. يحمل أوراقه وأقلامه الرصاص .. ويجلس فى أقرب كازينو من منزله .. وبعد ساعات يعود إلى منزله .. ويجلس فى مكانه المعتاد ليواصل كتابته من جديد بعد أن ينام جميع أفراد أسرته ، وبقدر مدة نومه بعد الظهر .. تطول أو تقصر مدة كتابته .."

* * *
الابنة الثانية

حملت زوجة محمود للمرة الثانية وكان والدها نقل للعمل فى قنا وترك لابنته خادمته زايده لترعى شئونها خلال فترة الحمل ( رغم وجود أم محجوب ومبروكة ونعناعة التى تعتنى بابنتها ليلى ) ..

وفى حوالى الساعة الحادية عشر من مساء يوم 31/12/1953 شعرت بقرب وضع حملها ، فاتصل محمود تليفونيا بعيادة الطبيب وبالمستشفى فلم يجده فإتصل ببيته وأخبرته الخادمة بأنه يقضى ليلته فى سهره بالهرم ، فرجاها أن تتصل به وتخبره بالحالة وجاء الطبيب بسيارته سريعا ونقلها إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور وهيأ لها جناحًا خاصا ، وتمددت على السرير ، وظل محمود بجانبها ، ولما إقترب ميعاد الوضع حملوها على عربة صغيرة إلى جحرة الولادة ، ومرت دقائق الانتظار قاسيه وشديدة الوقع على نفسه ( لم يكن معه أحد فى ذلك الوقت ) ..

جاءت فاطمة الابنة الثانية مع خيوط فجر الأول من يناير 1954 ( وضاعت حفلة رأس السنة على الطبيب ) واتصلت الخادم زايدة بالتليفون من البيت باللواء عمر فى مديرية قنا وقالت له " الست حكمت بتولد وراحت المستشفى دلوقتى هى وسيدى محمود " فاتصل سريعا بأخواته الموجودين فى القاهرة اللواء حفظى والمستشار محمود وحسين وأعلنهم بالخبر وجاء هؤلاء إلى المستشفى ووجدوا زايده أمامهم وعنفوها لعدم الإتصال بهم ، فقالت .." أنا معرفشى النمر بتاعتكم ، أعرف نمرة سيدى عمر بس " وجاء والدها ووالدتها ..

إرتبك الحال فى المستشفى فى اليوم الثالث وامتلأت بالزهور وبالزائرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، اللواء محمد نجيب .. جمال عبد الناصر .. صلاح سالم .. جمال سالم .. وأقاربهم من السيدات وازدحمت طرقة المستشفى بالرجال والسيدات .. جاؤا لزيارة كمال الدين حسين الذى كان فى الحجرة المجاورة وأجريت له عملية الزائدة ..

فتحت أم حكمت الاستراحة الملحقة بالجناح وأدخلتهم ، جلسوا فيها ورحبت وقدمت لهم الشيكولاتة ، وكان محمود سعيدا بأن من اللّه عليه بالإبنة الثانية ..

* * *

كان محمود يصطحب ابنته ليلى فى الصباح للذهاب بها إلى المدرسة قبل الذهاب إلى العمل وفى العوده يمر عليها ويصطحبها إلى البيت ، وحبه الشديد لإبنتيه وتعلقه بهما كان له تأثير شديد على حياته ، ومن شده حرصه عليهما وعلى مستقبلهما ، علمتاه الخوف ، الخوف من السجن والإعتقال والتعذيب ، ولذلك نأى بنفسه عن السياسة ، فهناك فرق كبير ، كما يقول ، بين الوطنيه والسياسة ، فحب الوطن فى لحمه ودمه وعظامه أما السياسة فقد كرهها وكره مشتقات الكلمه ولعنها كما لعنها وكرهها الإمام محمد عبده ..

وكانت إبنته الكبرى تجمع طوابع البريد وتنزعها من على الخطابات التى ترد إليه قبل وصولها إلى يده باستثناء القليل منها التى لم تقع تحت يدها حتى تجمعت وتكونت لديها على مدى السنين مجموعة كبيره جدًا جدًا من مختلف أنحاء العالم ..

كان لا يحب الاختلاط ويتوق إلى الوحدة وقد أثر ذلك على إبنتيه ، وفى ذلك يقول .. "مع أننى تثقفت وخالطت الأجانب وسافرت كثيرا إلى الخارج ودرست الآداب الأجنبيه وترجمت بعضها .. إلا أننى شديد الحفاظ على مصريتى وتقاليدها وصعيديتى أيضا التى لا أتجرد منها أبدًا .. لأننى أجد فى جوهرها الحقيقى الكثير من القيم النبيلة ، التى لا تقل بحال من الأحوال عن المثل الأوربية ..

لقد ولدت ابنتاى فى القاهرة ، ومع ذلك لم أرد لهما الإختلاط الزائد عن حده .. الذى أصبح يتسم به المجتمع .. ولذلك لم تنضما إلى ناد من النوادى الكبيرة .. وإنما كان إختلاطهما فى حدود محيط الأقارب والأصدقاء الخلص فقط .. مما يتمشى مع تربيتى الريفية "

* * *

كان محمود يجلس يكتب أو يقرأ فى كازينو النزهة بميدان تريومف ، ويشاهد العمارة الضخمة التى تقيمها المنتجة آسيا أمام الميدان وأعجب بموقعها الفريد والمتميز وإستأجر فيها شقة بالدور الرابع وتطل واجهتها على الميدان وعلى شارع عثمان بن عفان مقابل أجرة شهرية مقدارها ستة عشر جنيها فى 28 مايو 1956 ..

ويقع الكازينو على الناصية الأخرى المواجهة للبيت ، ومفتوح من جميع الجهات ، وقد يكون فى صحبته صديقيه عاشور عليش وسعد حامد يجلس كل منهم يقرأ أو يكتب ، وإبنته الكبرى لا يغمض لها جفن حتى تأخذها مربيتها إلى الكازينو لتحية والدها قبل النوم ، فيأخذها بين يديه ويداعبها ، وقد ينضم إلى صحبته الأصدقاء أمين يوسف غراب وهلال شتا ومحمد على غريب ، ثم تنفلت ابنته وتقوم بدوره بين الموائد ، وبعد اللف والدوران قليلا ، تلقى تحية المساء على والدها والموجودين معه وتعود مع مربيتها إلى البيت لتنام ..

* * *

تغيير الإسم

محمود البدوى لم يكن هذا اسمه ، واسمه المكتوب بشهادة الميلاد هو محمود أحمد حسن عمر المولود ناحية الإكراد مركز أبنوب مديرية أسيوط ..

قام بتغيير هذا الإسم إلى محمود البدوى ، ونشرت جريدة أبو الهول ( جريدة يومية سياسية جامعة ) يوم الثلاثاء 29 يناير 1957 بالعدد رقم 9223 إعلانا يقول :

" تعلن وزارة الصحة العمومية أن محمود بن أحمد حسن عمر المقيم بميدان النزهة رقم 7 تبع قسم مصر الجديدة يرغب فى تغيير إسمه إلى محمود البدوى المشهور به ..

فالمعترض يتقدم للوزارة خلال خمسة عشر يوما .
مدير قسم الإحصاء

***
واستخرج شهاده ميلاد فى 9/6/1957 بالإسم الذى تم تغييره ومسجل فيها " صدر قرار اللجنة بتاريخ 28/2/1957 بتغيير الإسم إلى محمود البدوى أحمد حسن عمر بدلاً من محمود أحمد حسن عمر بدون التعرض لإسم الوالد بالكتاب رقم 341 فى 4/3/1957" كما قام بتغيير إسمه فى جميع الأوراق والمستندات الرسمية ..

فى نهاية عام 1957 سافر إلى الهند والصين واليابان فى بعثه ثقافية تضم نخبه من أساتذه الجامعات ورجال التعليم فى مصر ، وقبل السفر توجه فى 17/10/1957 إلى شركة يونيون للتأمين ضد خطر الطيران والحوادث التى تنتج عنها الوفاة خلال رحلته من القاهرة إلى الصين واليابان والعودة منهما فى المدة من 20/10/57 وحتى 20/12/57 لصالح زوجته وإبنتيه بمبلغ (5000 جنيه) خمسة آلاف جنيه ..

***
حياة البدوى الوظيفية

استمر البدوى فى العمل بوزارة الماليه منذ التحاقه بها فى 12 / 3 / 1932 ولم يطلب نقله للعمل فى وظيفة اخرى لها صلة بالآداب وفنونه مثلما فعل زملاء آخرين له من الأدباء ، وكان راضيا قانعا بوظيفته إلى أن احيل إلى المعاش لبلوغه سن الستين .
وحياته الوظيفيه كما سطرها بخط يده
تاريخ الالتحاق بالعمل
12 / 3 / 1932
تاريخ التثبيت
1 / 9 / 1934
تاريخ العمل بحسابات الحكومة
9 / 2 / 1938
تاريخ الترقية إلى الدرجة السادسة
1 / 11 / 1949
تاريخ الترقية إلى الدرجة الخامسة
1 / 12 / 1954
تاريخ الترقية إلى الدرجة الرابعة
1 / 3 / 1958
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثالثة
30 / 3 / 1961
تاريخ الترقية إلى الدرجة الثانية
29 / 11 / 1962
وشغل وظيفة مراقب عام بوزارة الخزانة

***

الأيام الأخيرة

أصيب البدوى بقصور فى الدورة الدموية للقلب ، ورغم ذلك ظل يكتب ، وكان يشعر بالانقباض والتشاؤم من توقف الساعة المعلقه فى صالة البيت ، ويطمئن بعد تحرك بندولها ، ويفكر فى الموت كأمر حتمى يقع لكل إنسان ..

وقال للأديب محمد جبريل فى الحوار الذى اجراه معه ونشر بمجلة السياسة الكويتية بعددها الصادر 16 / 2 /1986 « يشعر دائما بأنه سيموت فى الشارع مثلما مات إدجار ألان بو .. صحيح أن الموت واحد ، ولكن الفارق الوحيد بين شبح الأديب الأمريكى ، والشبح الذى أراه ، أن بو وجد كرسيا فى الشارع مات فوقه ، أما أنا ، فلم أشعر أنى سأجد حجرا أرقد عليه » ..

وكانت آخر رحلة قام بها فى 6 / 6 / 1984 إلى الأراضى المقدسة وحينما عاد من هذه الرحلة بدأ يكتب القصة الدينية ، فكتب قصة سماها « الطوق » وتحكى قصة سيدنا موسى منذ ولادته أيام فرعون وحتى ذهاب الرئيس السادات إلى القدس « لم تنشر » والقصة الثانيه باسم « المعراج » وكان لا يتخلف عن حضور لجان القصة بالمجلس الاعلى للثقافة وتقول صوفى عبد اللّه « .. أخر مرة كان يجلس أمامى فى الاجتماع منذ 3 أسابيع واثناء جلوسه تدفق الدم من أنفه فوضع منديله عليه ولم يتكلم وعدت به إلى منزله وانا فى غاية الاضطراب »

ويقول رستم كيلانى بذات الجريدة « إتصل بى تليفونيا يشكرنى على سؤالى عنه وهو مريض بالرغم من أن الاطباء كانوا ينصحونه بعدم الكلام » ..

وجاءت ابنة عمه هدى ، جاءت من الخارج لزيارته ، ووجدت الطبيب معه يطمئنه عن حالته فقال له إنى أرى
الموت أمام عينى ، وبعد بضعة أيام قليلة .. ! إنتهى ، إنتهى فى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر فبراير سنة 1986 بمنزله ونقل جثمانه إلى قريته ـ الاكراد بمحافظة أسيوط ـ حيث دفن بمقابر الأسرة بالجبل الغربى ..

البـــــــــاب الثـــــــــــــانى ـ ذكريات محمود البدوى وأحاديثه الصحفية

ص 2 ذكريات محمود البدوى فى الأدب والحياة


(1)
صفحة من حياتى

بقلم : محمود البدوى



وصلت إلى مرحلة من حياتى أجد فيها نفسى مسوقة بدافع من الواجب المريح للنفس إلى الحديث فى ايجاز عن الأساتذة والصحاب الذين ساعدونى فى مستهل حياتى الأدبية على النشر وفتحوا أمامى الآفاق ..

وهذا بعض الاعتراف بالجميل .. قبل أن أعجز حتى عن الشكر والوفاء ..
***

نشأت فى قرية صغيرة بقلب الصعيد تقع على النيل مباشرة وقريبة من الخزان .. فى جو تتجلى فيه الطبيعة بأجمل مظاهرها .. الماء والخضرة ويسوده الهدوء .. فعشت عيشة هادئة لم يعكر صفوها أى شىء ..

وأحسست بالحزن لأول مرة فى حياتى عند موت والدتى ، وكنت فى السابعة من عمرى ، ولأن جنازتها كانت مفجعة .. كرهت من بعدها كل الجنائز وحتى الأفراح ، كرهت كل التجمعات ..

ولم أشعر بزوجة الأب فى حياتى ، لأنى لم أحس بوجودها قط ، ولذلك لا أثر لها فى قصصى ..

ولكن فقدان الأمومة وحنانها ، يظهران من حيث لا أشعر ، فى بطلات القصص وغالبيتهن فى سن الثلاثين ..!

وليس فى أسرة والدى من تعلق بالأدب من قريب أو بعيد ، ولكن أسرة والدتى فيها أكثر من أديب عشق الأدب إلى حد الوله ..

وألفيت نفسى أتجه إلى الأدب ، وأنا فى مرحلة الدراسة الابتدائية .. وكان أستاذ اللغة العربية هو الذى نتلقى عليه حصة الدين .. فبدأ بسيرة ابن هشام فى توسع وفهم .. فحبب إلينا الاستماع والتلهف على ما يأتى من الدروس ..

ولما انتقلت إلى القاهرة فى الدراسة الثانوية شغفت بالمنفلوطى .. وكانت العبرات تثير فى مآقينا الدموع ..

ولقد سيطر المنفلوطى بروائعه على جيلنا بأجمعه ، وكانت كتبه تتداول بين الطلبة ، وتخفى فى بطون الأدراج ، لتقرأ خفية فى حصص الجبر والهندسة ..

وفى نهاية الدراسة الثانوية وبداية الدراسة الجامعية التى لم تتـم .. قرأت الأدب القديم والحديث .. ونوعت وسائل الاطلاع .. وساعدنى على ذلك ذهابى إلى دار الكتب يوميا ..

قرأت فى دار الكتب مجلة " البيان " لعبد الرحمن البرقوقى ، وكان يكتب فيها محمد السباعى وعبـاس حافظ والعقـاد والمازنى .. مقالات وترجمات عن أدب الغرب ، فى كل ألوان الأدب وفنونه ..

ثم قرأت مؤلفات الزيات والمازنى والعقاد وتوفيق الحكيم وزكى مبارك وصادق الرافعى وطه حسين وعلى أدهم وسلامة موسى وحسين فوزى وشوقى وحافظ وطاهر لاشين وابراهيم الحصرى ويحى حقى ومحمد تيمور ومحمود تيمور ..

كما قرأت فى دار الكتب عيون الأخبار وصبح الأعشى والأغانى .. والبيان والتبيين .. ودواوين المتنبى والبارودى وابن الرومى ومهيار ..

واستأثر بلبى كتاب الأغانى ، فكنت أطلبه من مخزن الدار فى كل صباح .. وهو الذى أبقانى أثناء عطلة الدراسة الصيفية مقيما فى صالة الدار طول النهار ، لأن الاضاءة كانت معطلة فى الليل ..

وكانت الجلسة فى دار الكتب مريحة وتساعد على طول المكوث .. ونسيان المرء أوقات الطعام ..

وفى دار الكتب تعلمت من الحكمة المسطرة على الجـدران " كل كتاب تقرأ تستفد .." .

فكنت أقرأ كل كتاب يقع تحت يدى حتى ولو لم يكن هو الذى طلبته ..
كما تعلمت " وخير جليس فى الزمان كتاب " ..

ولقد عشت وحيدا ، ولست اجتماعيا بطبعى .. وقد جعلنى الخجل الفطرى ، أستطيب الوحـدة ، وأحن إليها ، وأنفر من المجتمعات والناس ..

ولقد كرهت السياسة ، وكل مشتقات الكلمة ، ولعنتها كما لعنها وكرهها الامام محمد عبده ..

ولكن الوحدة وسكنى فى الغرف المفروشة فى القاهرة والسويس ، جعلانى أعيش عن قرب مع خليط غير متجانس من البشر ..

وأفادتنى هذه التجارب كثيرا عندما سافرت بعد ذلك إلى الخارج ، وتجولت فى كثير من البلاد ..

وكان محمد السباعى وعباس حافظ يترجمان كثيرا من روائع الأدب الروسى .. فشغفت بهذا الأدب الواقعى ، لأنه يصور الحياة بصدق ويصف حياة الانسان المطحون الذى لاحول له ولا قوة ..

ثم بدأت أقرأ هذا الأدب مترجما من الروسية إلى إنجليزية من ترجمـة الكاتبة الإنجليزية كونستانس جارنت .. وكانت تحـب الأدب الروسى وعاشت لتنشره بلغتها ..

وبهرنى تشيكوف .. ودستوفسكى .. ومكسيم غوركى ، وبهرنى الأخير أكثر لعصاميته وصلابته ، ولأنه شق طريقه فى الحياة بأظافره ..

ولكن تشـيكوف كان استاذ كل من كتب القصة القصيرة وتفرغ لها .. ومنـه تعلمـت أن أكتب القصـة القصيرة فى صفحة " هاجر " ( العربة الأخيرة ) ..

وعندما صدرت مجلة الرسالة عام 1933 دفعنى عشقى لتشيكوف وحبى لأستاذى الزيات ، أن أترجم لتشيكوف قصة .. فترجمـت قصـة " الجورب الوردى " فنشرها الزيات ونشر غيرها ..

وبعد رحلة طويلة إلى أوربا الشرقية .. على متن باخرة رومانية .. وعلى الظهر " الدك " بسبعة جنيهات مصرية ذهابا وايابا ـ ولكنى لم أنم على ظهر السفينة ، فقد استأجرت " قمرة " بحار فى السفينة طول هذه الرحلة بجنيهين ـ وكنت أنزل إلى القاع وأختلط بالبحارة والوقادين وهم يجرفون الفحم ويغذون النار " كانت كل المراكب فى وقتها تدار بالفحم " ويقصون علىّ حياتهم فى البحار ..

ورجعت من الرحلة فكتبت قصة " الرحيل " 1935 ثم " رجل " 1936 وفى مجموعة رجـل قصة اسمها " الأعمى " فتوجهـت ومعى الكتاب إلى الرسالة لأنشر عنه اعلانا صغيرا فى المجلة .. وتناول أستاذى الزيات الكتاب الصغير فى يده .. وقلبه .. فلما وقع نظره على هذه القصة .. سألنى عنها .. ووجد فيها جديدا . وطلب منى نشرها فى الرسالة .. ونشرها فعلا على عددين ..

ولقد لمست صفات هذا الرجل الكريم وقلبه .. لما حدثنى بعد ذلك عن كل المكالمات التليفونية التى تلقاها اعجابا بهذه القصة ..

وشجعنى بهذا وفتح قلبى على مواصلة الطريق .. فأخذت أتابع النشر فى الرسالة .. وانقطعت عن الترجمة لأنى وجدتها ستقتل موهبتى ..

وطبعت كتب الرحيل .. ورجل .. وفندق الدانوب .. والذئاب الجائعة .. والعربة الأخيرة .. وحدث ذات ليلة .. على حسابى ومن قوتى اليومى .. وأنا موظف صغير .. ولم أستفد من هذه الكتب أية فائدة مادية .. بل سببت لى جميعها خسارة محققة ..

ولما توقفت مجلة الرسالة بسبب الحرب .. أخذت أنشر فى بعض الصحف اليومية .. وعرفت عاشور عليش وبعده سليمان مظهر وعبد العزبز الدسوقى .. وكان الثلاثة فى جريدة الزمان يشرفون على الصحيفة الأدبية ..

وقد قضيت معهم صحبة طيبة عامرة بالنشاط .. فالثلاثة أدباء قبل أن يكونوا صحفيين ، وخلت نفوسهم من العقد ..

ومع أنى كنت أنشر فى الزمان من غير أجر اطلاقا .. ولكن وجود هؤلاء فى الصحيفة جعلنى فى أتم حالات الرضى النفسى ..

ثم كتبت فى مجلة الجيل .. وكان موسى صبرى رئيس تحرير المجلة ، وفى الوقت عينه رئيس تحرير الأخبار .. وهو أنشط من عرفت فى حياتى من البشر .. ويستطيع أن يعمل عشرين ساعة متصلة .. وعنده خاصية مفردة فى استقبال الناس بوجه بشوش ، ونفس ضاحكة .. مهما كانت متاعبه ..

وبمثـل هذه البشاشة الطبيعية والتى تجرى فى دمه استقبلنى وأنا أنشر ..

وكنت أقدم له القصة ، وهو فى الصالة الرحبة فى الدار .. فيقرأها وأنا جالس بجواره مهما كانت مشاغله ثم يسقطها على التو فى الشريط النازل إلى المطبعة ..

وفى مجلته نشرت مقالاتى عن الصين وهونج كونج واليابان .. ونشروا صورتى مع كل مقالة ..

وكنت أكتب هذه المقالات فى مقهى بضاحية مصر الجديدة .. اعتدت أن أقضى فيه النهار بطوله من الثامنة صباحا إلى الخامسة أو السادسة مساء لأسجل كل ما فى خاطرى فى جلسة واحدة .. ثم أنقحه بعد ذلك على مهل فى يومين أو ثلاثة ..

وبعد نشر صورتى فى المجلة .. غيرت المقهى لأنى ضقت بنظرات الناس وأسئلتهم ..

وفى الفترة التى بعد فيها موسى صبرى عن الدار عرفت حسين فريد وهو انسان طيب دؤوب على العمل فى صمت وأحمل له مودة صامتـة مثل صمته ..

وعندما تولى عبد الرحمن الشرقاوى الصفحة الأدبية فى الشعب .. وهو شاعر نابغة وأديب عظيم .. نشرت فى صفحته أكثر من قصة بقلب متفتح .. وقد أهدانى عبد الرحمن الشرقاوى كتابه " أحلام صغيرة " وكنت أود أن أرد له هذا الجميل فى كتابى التالى له مباشرة .. ولكن الاهداء سقط من المطبعة .. ولم أستطع أن أوفيه حقه إلا فى كتاب " السفينة الذهبية " سنة 1971 وهو الذى حمل المخطوط إلى الدار وأنقذنى من ضيق مالى شديد ..

ولقد سافرت إلى الخارج فى رحلة طويلة ، سافرت إلى الهند والصين واليابان .. والفضل فى هذه الرحلة إلى يوسف السباعى ومازلت أذكر له هذا الجميل فى أعماق نفسى وسأظل أذكره ..

وكذلك الأخ زكى غنيم الذى مازال يحاورنى حتى قبلت السفر ..

وأعتقد كما يقول المثل الصينى " ان مشاهدة واحـدة خير من الف كتاب " وهذا حق .. فقد أثرت فىَّ هذه الرحلة تأثيرا بليغا ووسعت من أفق حياتى وزادت من تجاربى .. بل وخلقت منى انسانا جديدا ..

وكان غرضى من تصوير المدن وما فيها من نظام وأمانة ونظافة وبهجة .. أن نحتذى ونستفيد ، ولكن مع الأسف هيهات ثم هيهات ..

وذات ليلة زارنا د . عبد الحميد يونس فى نادى القصـة بميـدان التحرير ومعه صديقه ورفيقه محمد حمودة .. وطلب من الحاضرين جميعا قصة قصيرة .. لأنه تولى الصفحة الأدبية فى الجمهورية ، وكان ذلك فى سنتها الأولى ..

وقد لبيت طلبه بحماسة .. ونشرت " لجنة الشباك " وهى قصة أعتز بها .. ولازالت هذه اللجنة تنخر فى جسم هذه الأمة وستظل تنخر .. واستجاب لطلبه أيضا .. أمين يوسف غراب وعبد الحليم عبد الله .. وسعد حامد .. وغيرهم ..

ولقد قضيت مدة طويلة موظفا فى وزارة واحدة ، ومع ذلك فكلما دخلت من الباب كانوا يحسبوننى زائرا ..!

ولقد لقيت السماحة والتعاون من كل الذين عملت معهم من الموظفين .. الرؤساء والزملاء .. وكثيرا ما تجاوزوا عن أخطائى .. ولهذا فأنا أحمل لهم دوما ذخيرة من الأخوة الصادقة .. وأبعدتهم عن قصصى عامدا ، لأنه يكفيهم ما يلاقونه من متاعب الحياة ، وأعباء الوظيفة .. وتعقيدات من يصفون أنفسهم بالعبقرية ويفرضون عليهم ..

ولقد بدأت الكتابة مع صديق العمر .. هلال شتا .. الذى عصرته الوظيفة فتوقف بعد " الشفق الأحمر " وهى قصص واقعية متفتحة وتدل على مواهب أدبية أصيلة .. وآن لهذه المواهب الكامنة فى أعماق النفس أن تنفجر بعد أن تحرر صاحبها من اسار الوظيفة .. كما آن لهذا النبوغ أن يلقى من يتجاوب معه ..

ولابد أن أذكر هنا كل الأساتذة الذين كتبوا دراسات مستفيضة وموجـزة عن قصصى فى الكتب والصحف ، ولم أوفهم حقهم من الشكر ، وبعضهم لم أقابله اطلاقا إلى الآن .. وهذا ما يحز فى النفس ..

والذين كتبوا دون سابق معرفة ( وسأذكر الأحياء فقط مد الله فى عمرهم ) ..
د . محمد عبد المنعم خفاجى .. ثروت أباظه .. رجاء النقاش .. فؤاد دوارة .. محفوظ عبد الرحمن .. ماهر شفيق .. ماهر خزام ..

والذين كتبوا بعد المعرفة حسب الترتيب الزمنى للكتابة ..
د . عبد الحميد يونس .. وديع فلسطين .. محمد حمودة .. محمود الشرقاوى .. محمود يوسف .. عبد الرحمن فهمى " كاتب القصة " .. محسن الخياط .. محمد تبارك .. محمد جبريل .. مأمون غريب .. فاروق خورشيد .. فاروق شوشة .. أبو المعاطى أبو النجا .. أدوارد خراط .. سعد حامد .. د . سيد النساج .. نبيل فرج ..

وأنه ليثلج صدر كل كاتب قصة قصيرة أن يتفرغ لها أديب ناضج متمكن مثل د . سيد النساج ، فيظل يبحث وينقب فى دار الكتب على مدى ثمانى سنوات متصلة .. ثم يخرج بعمل شامل دقيق يستوفى على الغاية ، ويسجل فيه اسم حتى من كتب قصة واحدة طول حياته ..!

وغالى شكرى كتب دراسة متأنية وقيمة دون أن يوجه إلىّ سؤالا واحدا .. ولذلك أدركت مقدار ما بذله من جهد وأكبرته ..

وادوارد خراط .. القى ضوءا باهرا ، وهو يحمل فى يده مصباحا سحريا فى قوة قلمه .. وفنه .. فغمرنى فى فيض من الرضى النفسى الذى تشعر به بعد عذاب طال أمده ..

وعلاء الدين وحيد .. الذى لم أذكره حتى الآن .. لأنه يخجلنى بكل ما فعله من أجلى .. تفرغ لى بكل طاقته الفنية ، وكل مواهبه .. ليكتب ويبحث فى صمـت .. ولما بينى وبينه من صداقة متمكنة على مدى الزمن ، فهو يبالغ فى ذكر الحسنات ويتجاوز عن السيئات ..

وسعد حامد الزميل فى مهنة الشقاء .. والذى يتحرك معى فى نفس الأمكنة بصبر وجلد الفنان .. أرجو ألا يكون حظه فى حياته الأدبية مثل حظى ..



=================================
نشرت فى مجــلة الثــقافة ـ العــدد 18 ـ مـارس 1975 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================



(2)
ذكرياتى
فى الأدب والحياة

بقلم : محمود البدوى



رواية " ماجدولين " هى أول رواية قرأتها فى حياتى .. وأعجبت بعد قراءتها بالمنفلوطى اعجابا شديدا .. فقرأت جميع مؤلفاته ..المؤلف منها والمترجم .. وأنا ازداد اعجابا بالرجل وتعظيما له ..

وكانت صورة المنفلوطى فى زيه الشرقى الجميل ووجاهته ، تتصدر المكتبات والصحف ، كان ملكا متوجا على عرش الأدب ..

وكنت أذهب إلى دار الكتب " بباب الخلق " وأنا مازلت طالبا بالمدرسة السعيدية الثانوية ، لأنى أجد فى الدار ، مكانا هادئا للمطالعة والمذاكرة أحسن من البيت ..

وكان قد أعد بها مكان جديد مريح سمى " مكتبة الطالب " يختار فيه الطالب الكتاب الذى يرغب فى مطالعته ، من صفوف الكتب التى حوله فى المكتبة ، حسب تصنيفها .. ويتناوله بيده دون الحاجة إلى كتابة استمارة ، وانتظار الكتاب من المخزن ..
وفى سبع حالات من عشر يكون رد المخزن .. لايعار .. بالخارج .. به تمزيق ..!

ومع رغبتى الشديدة فى المطالعة كنت أحب الموسيقى .. وذات يوم سألنا الاستاذ الابحر مدرس الرياضة بالسعيدية .. قبل أن يبدأ الدرس :
ـ من منكم يود أن يدرس الموسيقى مجانا .. ؟

فرفعنا أيدينا فرحين ..
ـ أين يا أستاذ ..؟
ـ فى معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية .. وعسكر .. يكتب اسماء الراغبين فى آخر الحصه ..

فتقدمت مع من تقدم من الطلبه .. وكان الاستاذ الأبحر هاويا للموسيقى ومن أساتذة المعهد ، وكان المعهد فى حاجة إلى معونة سخية من وزارة المعارف .. فرأى أن يضم لفصوله الدراسيه ، بعض طلبه المدارس الثانويه الأميرية .. ليعزر طلب المعونة ..

وتتلمذت على أساتذة أجلاء .. مصطفى رضا بك .. وصفر على بك والعقاد الكبير عازف القانون المشهور .. وأمين بك المهدى أعظم عازف على العود فى الشرق ..

وكان أمير الشعراء شوقى بك .. يزور الفصول يوميا .. ويقف على باب الفصل صامتا دقيقه واحده وفى فمه السيجار .. وندر ما كان ينطق أو يوجه الينا سؤالاً .. ثم يذهب سريعا كما جاء ..

وبعد الدراسة التمهيديه الطويله .. اخترت الكمنجه كآلة .. وكان هذا من سوء إختيارى لأن دراستها صعبه .. وكنت استعد للبكالوريا بكل جهودى فأهملت الموسيقى .. وإنقطعت عن المعهد ..

ونجحت فى امتحان البكالوريا ، ودخلت كلية الآداب واتجهت بكليتى إلى الأدب ..

وكنت أذهب إلى دار الكتب لأقرأ كل ما يقع تحت يدى من الكتب .. وشغلنى " الأغانى " للأصفهانى عن كل كتاب ..

وقرأت الف ليلة وليلة بالإنجليزية .. والمترجم مستشرق كبير .. وكنت أقرأ الكتاب بالعربية أولا ثم أطويه وأبدأ بالنسخة الإنجليزية .. ووجدت نفسى بعد شهور طويلة استغنى عن النص العربى ..

وعلى الرغم من أننا كنا ندرس فى البكالوريا وفى كلية الآداب شكسبير ودكنز .. وتوماس هاردى وملتون وجولدسميث .. وجويس .. وغيرهم من الكتاب والشعراء الإنجليز .. ولكن قراءة الكتب المقررة غير القراءة بالاختيار ..

فقد اخترت دافيد كوبر فيلد لدكنز .. وصورة دوريان جراى لأسكار وايلد .. والحلم لزولا .. كما اخترت الديكاميرون والهيبتمرون ..

***

وعندما انتقلت من القاهرة إلى مدينة السويس .. حدثنى أديب فى المصلحة التى أعمل فيها عن كاتب إنجليزى من طراز جديد ، وأطلعنى على مقال نشر عنه فى جريدة كوكب الشرق . فقرأت المقال وازددت شغفا بالكاتب ، فقد كان كما صوره المقال نفسانيا يحلل أعماق النفس البشرية ، ويصل بتحليله إلى أغوارها البعيدة . ولم أجد له مؤلفات فى مدينة السويس ..

فلما ذهبت إلى القاهرة فى أول إجازة ، وجدت فى مكتبة ألمانية بشارع عماد الدين كل مؤلفات د . هـ . لورنس .. فى طبعات ألمانية " الباتروس " فأخذت منها ما أستطيع دفع ثمنه ..

وأخذت أقرأ لورنس بنهم .. وكان معى فى مدينة السويس من الكتب العربية البيان والتبيين للجاحظ .. وكليلة ودمنة لابن المقفع ..

وأستطيع أن أقول أن أى أديب ملهم يستطيع أن يستغنى بواحد من هذين عن كل قراءة وكل كتاب .. كما قد يستغنى بكتاب الأغانى .. عن كل كتاب .. مادام يعيش مع الكتاب بتجاربه الحية فى قلب الحياة ، يخالط الناس ويعاشرهم ، ويتلقى الخير والشر منهم ..

***

وصدر أول عدد من مجلة الرسالة للزيات وأنا فى مدينة السويس ، فسررت بها للغاية .. وكنت معجبا بالزيات وقرأت له آلام فرتر لجوته ورواية لامرتين .. قبل صدور الرسالة .. فلما صدرت الرسـالة زادت الفرحة فى قلب عشاق الأدب الرفيع ..

فى ذلك الوقت كنت قد أخذت أقرأ الأدب الروسى مترجما إلى الإنجليزية بقلم كاتبـة إنجليزية اسمها كونستانس جارنت .. سلسة العبارة ، رشيقة الأسلوب .. وسألت نفسى وأنا أقرأ قصة لتشيكوف .. لماذا لا أترجم هذه القصة وأبعث بها لمجلة الرسالة ..؟

وترجمت القصـة .. الجورب الوردى .. ونشرت .. ثم ترجمت غيرها .. وغيرها ..

***

وغادرت مدينة السويس ورجعت إلى القاهرة ..
وحدث ماشجعنى على السفر إلى الخارج .. فسافرت إلى أوربا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية ..

وعدت من هذه الرحلة متفتح المشاعر للكتابة .. فكتبت رواية قصيرة باسم " الرحيل " وطبعتها على حسابى فى مطبعة الخرنفش ..

وبعد هذا أخذ ذهنى يفكر .. ويشغل بتأليف القصص ..

وكنت أعمل فى ميدان لاظوغلى .. وأسكن فى الحلمية الجديدة .. وأقطع المسافة بين هاتين الجهتين بأقصر الطرق .. فأخرج من ميدان لاظوغلى وأمشى فى حوار متعرجة .. حارة عمر شاه .. حارة قوارير .. حارة .. وهكذا حتى أخرج إلى درب الجماميز .. ومنه اتجه إلى الحلميـة الجديدة ..

وذات يوم فى ساعة العصر .. سمعت الأذان .. وأنا فى قلب هذه الحوارى .. وجاء فى مواجهتى أعمى .. ذكرنى بأعمى فى قريتى كان يعمل على بئر المسجد " ملا " كما كان مؤذنا .. والمسجد كنت أدرس فيه فى الكتاب ، وأنا صبى وأصلى فيه الفجر .. وأرى فيه النساء فى ساعة الفجر يملأن الجرار من بئر المسجد قبل أن يطلع النور ..

عادت هذه الصورة إلى باصرتى .. وابتدأ ذهنى يعمل وأنا فى هذه الحوارى رائحا غاديا كل يوم .. وبعـد أسبوعين اكتملت القصة فى ذهنى .. ونشرها استاذنا الزيات بعد جمعها فى كتاب .. وكانت بداية اتصالى به ومعرفتى له عن قرب .. وعلى الأخص بعد أن انتقل من شارع حسن الأكبر إلى ميدان العتبة فوق محل الفرنوانى ، وأخذ فى اصدار مجلة " الرواية " بجانب الرسالة ..

وكان يعمل وحده إلى ساعة متأخرة من الليل .. الواحدة صباحا .. يحرر .. وبصحح بروفات المطبعة .. ويقرأ ما كتب فى المجلتين سطرا سطرا .. ويعمل هذا فى جلد عجيب وقوة احتمال خارقة .. مع أنه كان فى سن عالية ، ومثيله أراح نفسه من كل مشقة ..

وكان من الشبان المترددين عليه فى ذلك الوقت الدكتور حسن حبشى أستاذ التاريخ ، والأستاذ أحمد فتحى مرسى الشاعر .. والأستاذ إبراهيم طلعت المحامى والشاعر الثائر ..

وكنا صحبة فى غاية الصفاء والمودة جمعتنا الرسالة .. وقد عشانا الزيات ذات ليلة ، بعد أن نزلنا من دار المجلة فى مطعم قريب فى نفس الحى .. وخرجنا من المطعم بعد منتصف الليل ، والباعة ينادون فى حماس على مجلة الرسالة ..

وشاهدت بعد ذلك فى المجلة من جاء ليعاون أستاذنا الزيات .. فى عمله الذى اتسع .. وكان منهم الصديق الكريم الأستاذ عباس خضر ..
ثم توقفت الرسالة بسبب الحرب ..

***

وكنت فى ذلك الوقت أتوقف عن الكتابة تماما .. ثم أعود ..

وقد تعودت على الكتابة فى المقهى .. ومن هناك يجىء الوحى ! .. وأشرع فى الكتابة بعد أن تكون القصة قد اكتملت فى رأسى تماما .. ولابد أن يكون المكان مفتوحا على الطريق .. لأشاهد منه المارة .. ولا أستطيع أن أكتب فى مكان مغلق كلمة واحدة ..

ولابد أن تكون الشخصية صورة من شخصية التقيت بها وعشت معها .. وقد أغير وأبدل ، ولكن فى أقل الحدود ..

وقد توحى إلىَّ قصة قرأتها لتشيكوف أو غوركى أو دستويفسكى أو همنجواى أو موبسان بقصة .. ثم قصة .. ولكن لابد أن يكون الجو قد لمسته وعرفته .. والشخصية قد التقيت بمثلها فى الحياة .. وقد يذكرنى حـادث قرأته فى الصحف بشىء مستقر فى أعماقى .. ويخيل إلىّ أنى نسيته .. ولكن نشره فى الصحف يحركه ..

فعندما نشر حادث " الخط " تذكرت على الفور رجلا فى قرية مجاورة لقريتى .. كنت ألتقى به كل مساء وأنا أتمشى على الجسر ..

وكان الرجل مشهورًا فى المنطقة كرجل ليل ليس له من ضريب .. وكان أبرع من يصوب فى فحمة الليل ويصيب الهدف على بعد أميال .. لأن عينيه تخترقان حجب الظلام بشكل خارق ..

وقد التقيت بهـذا الرجل بعد أن قضى مدة العقوبة .. وتاب وأناب .. فوجدته قصيرا نحيفا ، خافت الصوت .. هادئ الطبع .. لا تنبئ ملامحه عن إجرام أو شر .. ولم يبق فيه إلا عينان حادتان متوهجتان كعينى الصقر .. وقلب شجاع لا يهاب الموت ..

تذكرت هذا الرجل بعد أن قرأت حوادث "الخط" .. وأخذت أكون على مهل قصة " الشيخ عمران " ..

وكتبت القصة فى مقهى " سفنكس " بشارع طلعت حرب .. ولما فرغت من كتابتها ، فكرت فى نسخها على الآلة الكاتبة لأن خطى ردىء للغاية ، وغلط المطبعة يشوه القصة تماما مهما كانت براعة الكاتب فى التصوير والسرد ..

ومر أمامى فى لحظة التفكير هذه الأستاذ عاشور عليش ، وكنت قد عرفته بعد نشر كتابى " فندق الدانوب " وتوطدت بيننا صداقة قوية .. فسلم وجلس وقرأ القصة وأعجب بها ..

ولما حدثته عن كتابتها على الآلة الكاتبة .. قال على الفور .. فى شهامة ..
ـ خطى أحسن من الماكينة .. فهيا وأملى ..
وهو سريع الحركة ..

وأخرجنا الورق وجلس يكتب بخطه الجميل حتى دخل علينا الليل ونحن على " القهوة " دون طعام أو شراب .. نسينا ذلك واستغرقتنا القصة حتى انتهينا من كتابتها .. ومزقنا المسودة التى كنت أملى منها .. وطوينا الورق والصحف .. وسرنا إلى مكان نأكل فيه ..

وفى المطعم ، وضعت الأوراق والمجلات التى أحملها فوق كرسى .. فسقطت مجلة وتكشفت الأوراق .. ونظرت فيها فلم أجد القصة ، فشعرت على التو بخنجر يمزق قلبى ، واسودت عيناى من الحزن .. وخرجنا من المطعم دون أن نأكل ، نبحث فى الشوارع التى سرنا فيها عن القصة .. وقلبى بعد كل خطوة يزداد غما وكربا ..

شعرت بأن كنزا من كنوز الدنيا فقد منى فى لحظة نحس .. لا يد لى فيها.. وما كتبته لا أستطيع أن أعيد كتابة سطر واحـد منه .. فالحـالة النفسية للكاتب لها الاعتبار الأول فيما يكتب ..

وظللنا نحدق فى الأرصفة بعيون مفتوحة ، كأننا نبحث عن جنيهات من الذهب قد سقطت منا .. حتى وصلنا إلى " القهوة " وهناك وجدنا " القصة " تحت المنضدة التى كنا نجلس إليها .. وشعرت بفرحة لم أشعر بمثلها فى حياتى ..

وأعطيت القصة للأستاذ محمد على غريب رحمه الله فنشرها فى " أخبار اليوم " ..

وقد يعجب القارىء إذا علم أن رجل الليل لايغدر ولا يخون من أمنه .. ويعتبر الغدر خيانة تصمه بالعار ، وتجرده من صفاته كرجل .. " انقرض هذا الرجل الآن .. وبقى ظله ، وفبه كل صفات الخساسة والوضاعة " .. ويدفعه إلى القتل والشر ، حوادث فردية تصيبه بمثل القارعة ، فتغير من نظام حياته .. وكل إنسان فيه الخير والشر .. وتبعا للظروف والأحوال تبرز هذه الصفة وتضعف تلك .. والشر أكثر الطباع ضراوة عند الاحساس بالظلم ..

***

وأثناء عملى فى مدينة السويس شاهدت رجلاً كهلاً يجلس على حافة القناة فى بورتوفيق وبجانبه كلبه .. وهو فى جلسته هذه لا يغير مكانه ، ولا نظرته إلى السفن العابرة ..

وحدثت حادثة فى منارة من منائر " مصلحـة الموانى والمنـائر " إذ تعارك ملاحظان فى تلك المنارة حتى سالت منهما الدماء ، وسافرت الباخرة " عايدة " ( ضربت فى الحرب العالمية الثانية ) لإحضارهما ..

وسمعت بالحادثة وأنا أعمل فى المصلحة .. فأخـذ ذهنى يعمل بسرعة .. وتذكرت صورة الرجل العجوز الذى أشاهده كل صباح وأنا ذاهب وراجع من المكتب .. وتكونت قصة " رجل على الطريق " التى سرقت وتغير اسمها وأصبحت فيلما..

***

وفى اتحاد الكتاب بمدينة طوكيو .. كنت أتطلع من الشرفة إلى الشارع الزاهى بالأنوار والبالونات المضيئة .. وتنبهت على صوت سيدة تقول بإنجليزية سليمة :
ـ هل تسمح بأخذ صورة لك مع زوجى ..؟
وتلفت فوجدت شابة فى صدار واسع الكمين .. وبيدها كاميرا .. فقلت بخجل ..
ـ تفضلى ..
وصورت .. وصورت ..

ولما رجعت إلى القاهرة كانت صورة هذه السيدة تبرز فى ذهنى بوضوح كامل .. وبكل التفاصيل الدقيقة فى الملامح .. ولون الشعر .. والرداء .. وبحة الصوت .. كانت صورتها تبرز وتحتل مسالك تفكيرى ، كلما شرعت فى كتابة قصة جوها فى طوكيو ..

ولا أدرى السبب مع أنى رأيت ما هو أجمل وأنضر منها فى تلك المدينة ..

***

وكنت أصلح حذائى عند " حذاء " فى حى شعبى بالقاهرة " طولون " وكان أعور قصير القامة قبيح السحنة .. ولاحظت كثرة زبائنه من النساء المترددات على المحل .. ومنهن الجميلات إلى حد الفتنة .. وهذا الحى مشهور بجمال نسائه ..
وذات يوم ، وكنت فى دكان ذلك الرجل .. جاءت سيدة تطلب حذاء لها كان يصلحه .. وحدث بينهما كلام تطور إلى شجار .. وحاولت انهاء الخصومة .. ولكن المرأة ذهبت غضبى ..

وأخذت بعد ذهاب هذه الجميلة أحس بشىء يتفتح فى رأسى .. وكونت قصة " الدوامة " ..

***

ولم تكن القصة هى أول شىء نشر لى ورأيته مطبوعًا .. فإن أول ما نشر لى مقالة قصيرة عن الموسيقى نشرت على عمود فى مجلة " الرسول " سنة 1930 على ما أذكر .. وصاحب المجلة هو الأستاذ محمود رمزى نظيم .. رحمه الله ، وكان يتخذ من مطبعة صغيرة فى باب الخلق مقرا ومكتبا .. ويعاونه فى تحرير المجلة من الغلاف للغلاف .. الأستاذ غريب .. ولا ثالث لهما ..

وكنت أنزل من دار الكتب وأذهب إليهما فى المجلة وأراهما فى عمل متصل ، فأجلس لأقرأ أو أكتب .. وأنا مفتون بحروف الطباعة ، وما تخرجه على الورق من ضروب الكلام ..

وكتبت مقالة عن الموسيقى والغناء وتركتها على المكتب فى المجلة .. خجلت أن أقدمها لواحد منهما ..

ونشر المقال فى العدد التالى ، وفرحت به كثيرا .. فرحت عندما رأيت اسمى مجموعًا لأول مرة بحروف الطبع فى ذيل المقال ..

وفى اليوم التالى لصدور المجلة دخل علينا فراش أسمر يحمل هدية للمجلة .. مسرحيات أمير الشعراء شوقى بك .. مجنون ليلى .. مصرع كليوباترا ..
وقال رمزى نظيم ضاحكا .. ؟
ـ هذه الهدية لك أنت ..
ـ لماذا ..؟
ـ لأنها بسبب مقالك ..
ونظرت إليه متعجبا ..
ـ لم أذكر شوقى بك فى مقالى ولم أتعرض للشعر ..
ـ ولكنك ذكرت موسيقيا يحبه ..
ـ وكنت قد ذكرت بالخير موسيقيا شابا من طلبة المعهد ..

***

والمرحوم رمزى نظيم من ألطف الناس وأكثرهم مرحا .. وكان كلما التقى بى فى الطريق عرضا ، يقول وهو يبتسم :
ـ أبسط كفك ..
ـ فأبسط له كفى ..
ـ عمرك طويل .. وستعيش إلى ما فوق السبعين ..!
ـ ألا ترى شيئا فى كفى غير العمر الطويل ..؟!
ـ لا أقرأ فى الكف سوى خط العمر ..
ويضحك ويمضى ..

وقابلته مرة فى مسجد الإمـام الشـافعى يوم الجمعة من صلاة الظهر .. وكان قد ترك الصحافة وتوظف وتصوف ..
وسألنى :
ـ هل تصلى هنا دائما ..؟
ـ نعم .. ظهر الجمعة دائما .. واستمع إلى الشيخ عبد الباسط ..
ـ ولماذا لا أراك اذن ..؟
ـ لأنى أجلس وحدى فى المقصورة فوق .. عندما لاتكون هناك اذاعة من المسجد .. فإذا جاءت الاذاعة .. نزلت إلى صحن المسجد مضطرا لأنها تشغل المقصورة ..

ـ ولماذا تجلس وحدك ..؟
ـ لأكون قصة ..! أجىء مبكرا من الساعة التاسعة صباحا .. قبل أن بجىء إنسان .. وفى هذا الهدوء الشامل أفكر .. واتأمل .. فإذا بدأ القرآن أنصت خاشعا .. واتجهت إلى المحراب ..
ـ الله يعينك ..
وأتركه داخل المسجد يتعبد وأخرج من الباب لألحق مكانا فى الأتوبيس ..

***

وقد أوجد عندى الإنسان العظيم الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء .. أوجد عندى الرغبة الشديدة فى سماع القرآن .. أوجدها منذ كنت أسمع صوته الخاشع فى مسجد " القاضى " وأنا فى ريعان الصبا .. وظلت هذه الرغبة متأصلة فى أعماق نفسى إلى اليوم ..

وعندما أسمع الشيخ رفعت وهو يرتل سورة الرحمن .. أعرف أن الله موجود وهو الخالق والقادر سبحانه ..

***

ولم أكتب القصة وأتفرغ لها لأشتهر ويعرفنى الناس .. فما فكرت فى هذا قط .. ولاحلمت بمثله .. وعندما طبعت الذئاب الجائعة لم أكن أفكر فى أكثر من ألف قارىء .. وان كان الوضـع قد جـاء على خـلاف ما قدرت .. ولكنه لم يسرنى .. فالأمر واحد ..

وأنا أكتب فى الاعتبار الأول لأروح عن نفسى .. ولأطرد الخوف والقلق والخـوف من شىء مجهول لا أعرف كنهه ولا أستطيع أن أحدده ..

وشبح الخوف المسيطر على مشاعرى هو الذى يجعلنى أكتب .. وأكره السياسة .. وكل مشتقات الكلمة البغيضة كما كرهها الامام محمد عبده .. وهناك فرق كبير بين الوطنية والسياسة .. فحب الوطن فى لحمى ودمى وعظامى .. وما أكثر القصص الوطنية التى كتبتها ..

وقد جعلتنى الكتابة على صلة بزملاء كرماء غمرونى بفضلهم ومعروفهم ، ولم أستطع فى أية مرحلة من مراحل حياتى الأدبية أن أرد لهم بعض الجميل ..
وهذا ما يجعلنى أحس دوما بأسى أخرس ..




=================================
نشرت فى مجـلة الثقــافة ـ العـدد 49 ـ أكتــوبر 1977 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================


(3)
ذكريات مطوية

بقلم : محمود البدوى


منذ سنوات طويلة ، إتصلت بى سيدة أجنبية ، وأبدت رغبتها فى مقابلتى وقالت لى أنهـا جاءت إلى القاهرة متطوعة لدراسة القصة المصرية ، وتود اللقاء لهذا الغرض ..

وعلى الرغم من أننى أتردد كثيرا فى تلبية مثل هذه الرغبات لأن من لا شأن له فى بلده لا يسعى بالبداهة فى ان يكون له شأن فى بلاد الآخرين .. ولأنى فى أعماق نفسى أعتقد بأنى لم اكتب شيئا بعد أستحق عليه الدراسة والبحث . ولأن الكثير من هؤلاء المستشرقين يكونون عيونا لبـلادهم . ويتخذون من الاستشراق ستارًا يخفون به نواياهم الحقه ..

أقول وعلى الرغم من كل هذه الاعتراضات ، فإن المتحدثه سيدة ، وقد الحت وعرفتنى بأن من قابلتهم عرفوها بطباعى فى إحتمال الرفض . ولهذا ترجو ، وتحت رجائها وافقت وتركت لها حرية إختيار المكان ، فاختارت حى الأزهر لأنها تعرف مسالكه ..

وجاءت بأديب يعرفنى ليسهل لها الاهتداء إلىَّ فى المقهى .. وفوجئت بشابة أقل من العشرين ربيعا .. ولم تكن سيدة نصف كما تصورت من حديثها الأول ، وصوتها فى التليفون ، وأراد الشاب أن يستأذن بعد أن تم اللقاء ، ولكنى أبقيته ليشرب الشاى معنا ..

وكانت تتحدث العربية بطلاقه واللهجة المصرية بعذوبة أيضا .. وحدثتنى أنه مضى عليها ثلاثة أشهر فى القاهرة . وقد اقتربت من إستكمال بحثها ، فيما يتصل بالادباء الآخرين .. أما أنا فلا تعرف عنى إلا القليـل .. وقد رأت أن تسقطنى من الحساب بعد عجزها عن مقابلتى ، لولا أن استاذها ـ بعد أن كتبت له رسالتين ـ أصر على وجودى واستكمال البحث شاملا كل الاسماء التى عينها لها قبل سفرها إلى القاهرة ..

ومن هنـا ادركت اصرارها على مقابلتى كما أدركت جدية البحث . وكانت الشابه من طشقند وملامحها شرقية خالصة ، ولولا زرقة خفيفه فى عينيها الناعستين ما بعدت عن المصريه فى شىء ..

وكانت نحيفة القوام طويلة صبوحة الوجه فى جمال يريح من يقترب منه ويبتعد عنه ، خفيفة الحركة تغطى شعرها الاسود بوشاح خفيف الزرقه وعينها بنظارة تقيها الحرارة والغبار فى أواخر مايو .. وكان فستانها سنجابيا من قطعة واحدة ، يبدو من بساطته انها هى التى فصلته لنفسها ..

وكان كل حديثها فى الأدب والقصة .. ولم توجه إلى سؤالا واحدًا يشتم منه رائحة السياسة .. وأدركت من حديثها أن أستاذها فى جامعة طشقند ، هو الذى اختار لها هذا البحث ، بعد ان لمس رغبتها الشديدة فيه .. ولهذا مضت بجدية ونشاط .. وستكمله بجامعة موسكو ..

وإلتقينا كثيرا بعد اللقاء الأول فى نفس المكان أو قريبا منه وتغدينا ذات مرة فى مطعم كباب صغير بالحى .. ورغم دخان الفحم الذى ملأ عينها ، وهى تأكل ، لشى اللحم على النار ، فإنها لم تتأفف ولم يبد عليها التذمر ، وكانت تأكل بشهية وتتحدث بمرح وطلاقه ..

وكانت تنزل فى منزل للفتيات فى حى الزمالك فكنت عند عودتها أختار لها سائق التاكس الذى يوصلها إلى بيتها وأختاره بدقه ، وأحيانا أركب معها حتى الإسعاف .. ولاحظت هى ذلك ، وانى شديد الحرص على راحتها وأمنها .. فظلت تحتفظ بهـذه المشـاعر فى نفسها .. ثم اطلقتها مرة واحدة بعد أن سافرت ..!

وفى صباح يوم حملت معها تسجيلا وسألتنى عن مذهبى فى الكتابه :
وقد ضحكت فى نفسى من هذا السؤال الاكاديمى ..
فأنا اكتب ما أشعر به ، وأحسه بوجدانى ، وأعيشه فى حياتى .. واكتب عن تجربه صادقه .. ولا أفتعل الحوادث ولا أزينها .. ولا أتقيد بمذهب ولا أعرف المذاهب .. وأنا واقعى مثل جوستاف وفلوبير ودكنز وجوركى وتشيكوف وطبيعى أحيانا مثل زولا .. وهؤلاء لم يدرسوا الواقعية ولا الطبيعة قبل كتابتهم .. وإنما كتبوا بالفطرة .. ومتأثرين بالجو الذى يعيشون فيه ، وبالأشخاص الذين يلتقون بهم فى الحياة .. فشخوصهم حية عامرة بنبض الحياة .. ولهذا عاشت قصصهم ..

وأنا متشائم أحيـانا ، ومتفائل جدا أحيانا أخرى ، تبعا لمدارج حياتى ..

ولم أتلق الكتابه عن أستاذ ، ولم يوجهنى شخص .. واكتب فيض مشاعرى ، لا نفس عن نفسى وأعيش .. ولو لم اكتب لمت بالسكته من فرط الاحساس بعذاب الناس .. وما تطحنهم به الحياة ، وما تصيبهم به قارعات القدر .. وما يلاقونه من عنت وظلم فى العجلة الدوارة ..

وأنا كالشاعر الذى يقول الشعر بالسليقه قبل أن يتعلم العروض .. وأكتب قبل أن أعرف المذاهب الأدبية .. ومعرفتها هراء فى هراء .. والكتابة القصصية فن والهام يأتيان بالفطرة .. والقراءة والدرس لإكتساب الشكل الفنى الأمثل وتجويده ، ولاتساع مدارج التفكير وعمق النظرة للحياة ..

وقد تأثرت بالمازنى ككاتب روائى وأديب متفرد .. وأسلوبه من أحلى واجمل الأساليب العربية .. كما أن شوقى أعظم الشعراء ..

وقد مهد إلى سبيل الكتابة والنشر أستاذى الزيات .. ولولاه ما واصلت الكتابه ، ولاكتبت حرفا .. ولأصابنى العجز والضيق فى أول الطريق .. وكانت رسالته رحمه اللّه رسالة الرسالات وقد عجزت الدولة من بعده بكل إمكانياتها أن تخرج مثلها . فالعمل الأدبى إخلاص وتضحيه ولا يزيد ولا ينقص بعدد الأشخاص الذين يتولونه ..

وأنا آخذ الشكل الفنى من تشيكوف فى لمساته الإنسانية وصدقه فى العرض وعنـايته بالشخوص المسـحوقة هى موضوعى الأمثل فيما اكتب ..

وأستفيد من كل كتاب اقرأه ، وما رددت كتابا وقع فى يدى قط ولا استثقلت ظله ، فأى كتاب تقرأ تستفد ..

والنهضة الأدبية عندنا عظيمة .. ويعتريها المد والجزر ككل شىء فى الحياة .. وهناك تطور ملموس فى الرواية والقصة القصيرة وتجديد وخلق لا ينكره أحد ..

سألتنى :
ـ هل عندكم أديب مثل غوركى .. ؟
ـ أجل .. عندنا العقاد .. وقد يكون أضخم منه .. ولكنكم تبرزون أدباءكم بوسائل كثيره ، أما نحن فلا نزال فى أول الطريق .. واليهود من أدبائكم .. يتلقاهم اليهود فى العالم بضجة وبوسـائل دعائيه هائلة .. وتلك هى طريقتهم .. ثم يفوق العالم لنفسه ، ويجد أن كلامهم لا وزن له ولا قيمة .. وأدبنا تنقصه الدعاية لينتشر ، ولكنا نكتب ما نشعر به بحريه .. ولم يوجه الأدب عندنا إلى شىء معين ومنذ مئات السنين والأدباء يعبرون عن روح الشعب وآلامه ـ لأنهم خرجوا من صميمه وعندما سيطرت الدولة عندكم على الأدب ووجهته مات فى المهد ولم يعش منهم أديب واحد ..

والعالم لا يقرأ الآن إلا تولستوى .. وجوجول .. وتشيكوف .. ونور جيتيف .. وبوشكين .. وحاولتم وأد دستويفسكى ، ولكنه كان أقوى من كل من حاربه ، وعدتم إلى طبع كتبه .. بعد أن أدركتم أنه فخر لروسيا أن يكون دستويفسكى كاتبا روسيا .. كما يفخر الانجليز بشكسبير .. والألمان بجوته .. والطليان بدانتى والعرب بالجاحظ ..
ـ ولماذا إكتفيت بالجاحظ ..؟
ـ لأن فيه الكفايه ..

والفكر خالد وسرمدى ، ولا قيود يمكن ان تطمس وهجه .. والقارئ يحب أن يرى وجهه فى الكتاب الذى يقرأه ، ويلمس مشاعره وأحاسيسه بين السطور ، وأخلد الكتـاب هم الذين صوروا الحياة بصدق . وأنا أقرأ أدب الحرب والدعاية ، وأشعر بغتاتة ، فهل الالمان وحدهم هم الذين قتلوا النساء والأطفال فى الحرب وهتكوا الاعراض .. والروس والإنجليز والأمريكان لم يفعلوا ذلك ، هل كانوا فى نزهة ويمسحون على أزرع النساء فى المانيا وإيطاليا ويربتون على أكتافهن .. إن التاريخ لا يغفل مهما حاول المنتصرون طمسه ، لقد لاقى النسوة العذاب والهوان بعد الهزيمة ، وذهب ماء وجوههن فى حالات الجوع والتشرد ..

ويل للمغلوب كما قال غليوم .. وفظائع الحرب تصيب الجميع بالدمار والفساد والتمزق ، وعلينا أن نكتب الحقيقه والصدق ..

وخرجنا فى عصر يوم من الأزهر إلى الغورية والمغربلين .. وسرنا فى شارع محمد على فى اتجاه القلعة .. ولم نشعر بالتعب من طول المشى .. ولاحظت هى أن الباعة والتجار فى هذه الأحياء على دماثة فى الخلق وذوق وأدب فى الحديث .. فسألتنى عن السبب ..
ـ هذه هى مصر الخالصة .. وهؤلاء هم المصريون الخلص .. فى السيدة والحسين وطولون والقلعة .. أما الاحياء الأخرى فقد إختلطوا بالوافدين من كل الاجناس .. فتغيرت طباعهم تبعا لذلك ..

وكنا قد قطعنا شارع محمد على ، وصعدنا فى الطريق الضيق الذى بين مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعى .. وكان تيار الهواء شديدا عندما أصبحنا فى هذا الموقع للارتفاع الشديد بين الجدارين .. فجرف الهواء الغطاء الذى تغطى به رأسها ، وطـار ثم وقـع .. وطار ثم وقع وجريت وراءه .. ووقفت تنظر وتصيح بالحاح :
ـ أتركه .. أتركه ..

ولكنى بعد جهد شاق وجرى طويل .. أمكننى أن أمسك به وأعود به إليها وأنا ألهث ..

وقرأت فى عينيها ، وملامح وجهها ، وحركة صدرها .. أنها كانت تود أن تفعل شيئا تقتضيه السليقه كتعبير عن الشكر .. ولكنها ردت هذا الانفعال الطبيعى بعنف فى أخر لحظة ، لما رأت جهودى وفتور عواطفى .. وكان من رده أن أخضلت عيناها بالدمع ، وارتفع صدرها وانخفض ، وتلجلج صوتها بضحك هستيرى ..

وحولت وجهى حتى هدأت .. ثم أمسكت بيدها ودخلنا مسجد الرفاعى .. وحدثتها عن قاهرة المعز لدين اللّه .. وما فيها من مساجد وأضرحة .. واعتقاد الشعب بأن اللّه يحمى القاهرة من كل غزو ودنس تكريما لأهل البيت ومثواهم فيها .. وهى اللمسة الروحيه تنفع الناس ، وتعطيهم ثقة مؤكده ..
ـ ولكن قد تضر .. لأنها اتكالية ..
ـ أبدا إنها تدفعهم فى وجه الغازى بضراوة .. وكل حوادث التاريخ تبين هذا .. اللمسات الروحية فى اعماق النفس لها وهج كبير .. وعندما دخل نابليون .. تصورى نابليـون بكل إنتصـاراته وغزواته .. عندما دخل بخيله الأزهر إنهزم .. إنهزم وجر أذياله ..

وخرجنا إلى جولة فى الحى وكانت تنظر إلى قباب المساجد والمآذن المحيطة بنا وعيناها مخضلة بالدمع .. وتحدثنا عن عمر بن العاص عندمـا دخل مصر ، وحكم العرب للمصريين ورسالة عمر بن الخطاب إلى قائد جيشه ، تشريع إسلامى ودستورى للحرب إنسانى عادل حازم لم يحدث بعدها مثله فى كل ما حدث فى الدنيا من حروب .. وحدثتها عن العرب عندما دخلوا تفليس وحكموها وأقاموا بها مئات السنين وبعدها إنتشروا فى روسيا ومقاطعاتها ومنها طشقند ..
قلت لها :
ـ لابد أن يكون جدك عربيا « يا ثريا » ..

فضحكت وقالت :
ـ إن أستاذى يقول هذا ..

وركبنا فى العودة الترام .. وكانت تركبه لاول مرة وطال حديثنا وتشعب ..
وسألتها :
ـ هل فكرت فى الزواج ..؟
ـ بعد اتمام دراستى .. أفكر ..
ـ ومتى تنتهى من هذه الدراسة ..
ـ بقى لى سنتان .. وسأمضى منهما سنه فى جامعة موسكو ..
ـ وكم بقى لك من الزمن فى القاهرة .. ؟
ـ نصف شهر ..
ـ إذن سأبحث عن القصص التى تنقصك من اليوم ..
ـ شكرا .. وسنتقابل كل يوم إلى أن أسـافر .. ولن أحتـاج إلى الدليل .. فقد عرفت مكانك المختار ..

***

وسافرت « ثريا » فجأة .. وعلمت بسفرها من رسالة بعثتها بعد أن وصلت إلى بلدها ، وكتبتها بخط عربى جميل أوضحت فيها عنوانها وفاضت فيها كل مشاعرها .. وكان الشكر فيها على كل ما قدمته لها من عون لتحضير رسالتها .. هو الغالب على كل التعابير ..

***

وشاءت إرادة اللّه أن اسافر إلى موسكو .. وكان فرحى لأنى سألتقى « بثريا » أكثر من فرحى لأنى سأزور بيت تشيكوف .. وأرى المكان والجو الذى عاش فيه ذلك الكاتب العظيم ..

وكتبت لها رسالة قبل سفرى ، ورسالة بعد وصولى ومعرفتى الفندق الذى نزلت فيه .. ولكن لم يصلنى أى رد .. وتصورت أنى أخطأت فى كتابة العنوان بالحروف اللاتينية .. فنزلت فى بهو الفندق وأول سيدة روسية قابلتها .. طلبت منها ـ دون تمهيد ـ أن تكتب العنوان بالروسية على ظرف معى .. فكتبته وهى تبتسم ..

والمشاعر الجامدة التى قابلت بها الفتاة فى القاهرة لفارق السن الكبير بيننا ولأنها أولاً وأخيرا ضيفة وطالبة وصغيره .. إنقلبت فى موسكو إلى حالة اندفاع هستيرى .. فكنت أبحث عنها فى كل الوجوه الانثوية التى التقى بها عرضا فى الطريق والمتاحف والجامعات ودور الكتب .. ولم أكن أدرى ما الغرض من اللقـاء وما الذى يمكن أن يحـدث بعـد اللقاء .. ولكنى كنت أصر عليه وأبذل كل وسيلة ..

ولم يبق إلا القليل من الأيام .. وأعود إلى القاهرة .. وأصبحت فى حالة يأس .. وبينما أنا أتمشى فى البهو الصغير للفندق الملاصق لسوق البيع بالدولارات .. لمحت سيدة خيل إلىَّ أنها أمها أو أختها الكبيرة ..

وسألت بأدب بعد تمهيد :
ـ السيدة من طشقند ..؟
ـ لا أنا من جورجيا ..
ـ حسبتك من طشقند .. وأرجوا المعذرة ، أطلب منك كتابه هذا العنوان على طشقند .. وكتبته بدقة وعناية .. وسألتنى بعدها فى خجل وشرود وقد رأت دولارين فى يدى ..
ـ أمعك خمسة من هذا ..؟
ـ أجل معى ..
ـ ولست فى حاجة إليها ..
ـ أجل ..
ـ سأشترى شيئا من السوق هناك .. ولا يوجد مثله إلا فى هذا السوق .. ولا يبيعون إلا بالدولار ..
وأخرجت لها ورقه بخمسة دولارات ..

فتناولتها وسألتنى :
ـ أتقيم فى هذا الفندق .. ؟
ـ نعم ..
ـ ما رقم الغرفة ..؟
ـ لماذا ..؟
ـ سأجىء لك بالبديل .. بعد ساعة ..
ـ يا سيدتى هذا مبلغ بسيط .. وماذا أصنع بعملتكم وأنا مسافر غدا ..
ـ ولكن لن آخذ دون أن أعطى ..

ومدت الورقة لتردها .. مع أنها عزيزة جدًا عليها .. كانت كأنها وجدت فى هذه الورقة الضئيلة القيمة كنزا .. كنزا تشترى به زجاجة عطر فرنسية أو شيئا آخر من خصوصيات المرأة .. لا تستطيع الحصول عليه إلا بالدولار ..

وكان الدولار يبرق فى القاعة ويتوهج ويشتعل كالنار الحاميه .. وفى كثير من الحالات يسبب المآسى الإنسانية .. ولعنت العبقريات التى تبيع القيود وتكون السبب فى هذه المآسى ..
=================================
نشرت الذكريات بمجــلة الثــقافة ـ العــدد 74 ـ نوفمـبر 1979وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================
(4)
ذكريات مطوية
عصاميان من دمنهور

بقلم : محمود البدوى


فى سنة 1936 صدرت لى أول مجموعة قصصية بعنوان " رجل " ونشرت اعلانا قصيرا فى مجلة " الرسالة " فتلقيت بعد الاعلان رسائل عديدة تبعث على الدهشة .. وبعضها جاء من الأرجنتين .. ومن المهجر الأمريكى ..

وقد عجبت لهذا الاحتفاء ، والكتاب صغير الحجم ، ومؤلفه أقل منه حجما ، فى الجو الأدبى المصرى العامر فى ذلك الحين بالأفذاذ والفحول فى كل ضروب الأدب وفنونه ..

وكان من بين هذه الرسائل رسالة من الأستاذ عبد المعطى المسيرى صاحب قهوة المسيرى بدمنهور .. ومن الأستاذ أمين غراب ..

وكان غراب أكثر حرية وحركة لأن المسيرى يدير القهوة إلى منتصف الليل .. وغراب طليق يتردد على القاهرة لنشر قصصه ، أو لمقابلة الممثلين لأمر يتصل بعمله فى دمنهور كممثل على المسرح ..

وكتب إلىّ رسالة بموعد حضوره ، واتفقنا على اللقاء فى مقهى بور فؤاد .. وانتظرته ولفراسـته وقوة ملاحظتـه عرفنى من بين الجـالسين جميعا ، دون أن يسأل شخصا ، أو أن أحمل دلالة للتعارف ..

جلس فى مرح وكان متأنقا فى لبسه ، وقادما على التو من دمنهور التى كانت فى ذلك الوقت مركز نشاط أدبى كبير .. وكانت قهوة المسيرى وعلى رأسها " عبد المعطى " تجمع عشاق الأدب بكل ألوانه ..

وقال لى " غراب " إنه راجع إلى دمنهور فى نفس اليوم .. بعد أن يقابل أحد الممثلين فى مقهى " نجيب الريحانى " للاتفاق على الفرقة التى ستقوم بالتمثيل على مسرح البلدية فى دمنهور يوم الخميس المقبل ..
وافترقنا

***

وظللنا نتراسل .. إلى أن أخبرته بأنى مسافر إلى الإسكندرية فى يوم كذا .. بأول قطار يتحرك فى الصباح .. وعند عودتى سأمر على دمنهور.. وألاقيه هو والأستاذ عبد المعطى فى قهوة "المسيرى" ..

وفى محطة دمنهور فوجئت به ، هو والأستاذ عبد المعطى على رصيف المحطة ، ولمحانى من شباك القطار وصعدا وأنزلا حقيبتى من فوق الرف ، كما أنزلانى بالقوة ..

وكان المنظر مضحكا أمام الركاب .. وأنا أقاوم وأبين عذرى وهما يصران على الجذب والشد والدفع إلى سلم العربة ، دون سماع لأى عذر ..

ووجدت نفسى على الرصيف ، وأنا أضحك وتحرك القطار ..

وذهبنا إلى مقهى " المسيرى " وترك عبد المعطى إدارة القهوة لأحد عماله ، وجلس معنا يرحب ، ويقدم التحيات .. وسرعان ما جاء إلى القهوة أكثر من أديب دمنهورى ..

وكانت دمنهور فى ذلك الوقت خلية نحل نشطة دون سائر المديريات .. وكانوا جميعا يتعاونون فى صفاء ومودة وإخلاص على طبع الكتب وإصدارها إحياء للأدب وانتعاشة دوما .. ولم تكن هناك شللية ولا ماركسية ولا تقدمية ولا رجعية ، ولا كل هذا البلاء الأزرق الذى زحف على البلاد ، وظهر فى جو الأدب فلبد سماءه الصافية بالغيوم وقتل روح الفن المعيار الأول للأدب الصادق ..

ومن حقل دمنهور الأدبى الزاهر .. خرج فى نضارة ـ على ما أعرف وأذكر دون ترتيب للأسماء الأساتذة ـ أحمد محرم .. وعبد المنعم الخضرى .. ومأمون غريب .. وعبد الحليم عبد الله .. وأمين غراب .. ونظمى لوقا .. وعبد المعطى المسيرى .. ومحمد صدقى .. والنعناعى .. وغير هؤلاء ممن لا أعرف ..

جلست فى قهوة المسيرى .. مع أدباء دمنهور الشبان إلى ما بعد الغروب .. نتحدث عن أساتذتنا الذين سبقونا وعلمونا وكانوا فخرا لمصـر .. وأصبحوا فخـرا لمصر فى كل الأزمان والعصور .. المنفلوطى والبرقوقى .. والزيات .. وأمـين الخولى .. وطه حسين .. وتوفيق الحكيم .. والعقاد .. والمازنى .. وأحمد أمين .. وعبد العزيز البشرى .. وصادق الرافعى .. وسلامة موسى .. وزكى مبارك .. ومحمد حسين هيكل .. وبيرم .. وتيمور .. وحسين فوزى .. وإسماعيل مظهر .. ثم الشعراء .. شوقى .. وحـافظ .. وعزيز أباظة .. وأحمد محرم .. وعبد الرحمن شكرى .. ثم من فتح الطريق للقصة والرواية .. ومهد السبيل لغيره فى براعة فنية ، ونقد لاذع للمجتمع .. محمد المويلحى .. أديب الأدباء ..

دار حديثنا فى القهوة عن كل هؤلاء وغيرهم ، ثم انتقلنا إلى بيت عبد المعطى الذى قدم عشاء متنوع الطباق .. وبعدها خرجنا نتجول فى المدينة .. وأبديت لغراب .. رغبتى فى أن نحجز غرفة فى أى فندق لأستريح بحريتى .. لأنى لا أحب الضيافة فى البيوت ..

وقال لى أمين :
ـ لا يوجد فى المدينة إلا فندق واحد ..
ـ لنذهب إليه ..

واتخذنا طريقنا إلى الفندق .. ولما صعدنا لنشاهد الغرف وكانت جميعها خالية .. صدمنا بما وجدنا فيها من جو خانق وقذارة .. فنزلنا سريعا .. وقد أخذت رءوسهم تفكر على التو فى المكان الذى أقضى فيه الليل .. بعد أن انقطعت كل سبل المواصلات إلى الإسكندرية ..

وساروا بى حتى خرجنا من المدينة ، وأصبحنا فى المزارع ، وشعرت بطراوة الجو ولينه وبهجة شعاع القمر .. وهو فى قمة زهوه وتألقه ..

جلسنا على العشب فى شبه دائرة ، وكنا أكثر من عشرة .. وكل منا يتحدث عن المدن التى زارها فى مصر .. والتجارب التى مر بها فى حياته ، وهو يتنقل فى هذه المدن .. ووجدنا قصورًا أخجلنا .. فبعضنا لم يكن قد بعد عن موطنه مسافة فرسخ .. والغالبية لم تكن قد خرجت من مدينة دمنهور .. فمن أين تأتى التجارب .. ويزخر الرأس بالأفكار ..؟ فليسافر الأديب وليسافر ..

ونهضنا ودخلنا فى المدينة مرة أخرى .. وعلى رأس شارع صغير .. سلمت على أدباء دمنهور .. وبقى معى عبد المعطى وغراب .. وأنزلانى ضيفا فى مضيفة رجل كريم لم أعرف إسمه إلى اليوم ..

وفى الصباح لمحت ظل فتاة ناضرة البياض ، قادمة من الخارج .. ووضعت على المائدة قدحًا كبيرا من اللبن وفطيرا .. ولم أشاهد منها إلا ذيل ثوبها وقد أعجبت لسواده ..

***

وفى الضحى .. ودعت أدباء دمنهور جميعا .. وسافرت إلى الإسكندرية .. وكنت أحب الإسـكندرية كثيرا فى ذلك الوقت لجمالها ونظافتها ، وقلة سكانها .. ولأنها صورة ناضرة من المدن الأوربية التى شاهدتها فى رحلتى السابقة وفتنت بها ..

* * *

كان الأستاذ غراب يتردد كثيرا على الإسكندرية لقربها من دمنهور والمسافة قصيرة بكل سبل المواصلات السهلة .. فكان يحضر فى الضحى ويعود إلى دمنهور آخر الليل ..

وذات ليلة التقيت به مصادفة فى محطة الرمل بالإسكندرية وكان معه الأستاذ صلاح ذهنى .. وكان الاثنان ينتظران أديبا من الإسكندرية فى مقهى إمبريال ، وقبل مجىء هذا الأديب عرفانى بأنه يتوق إلى معرفة المستشرقين ويعتز بصداقتهم كالأستاذ تيمور ليخرج أدبه من الدائرة المحلية إلى ما هو أوسع آفاقا وأرحب ..

وقال أمين ضاحكا :
وستلقاه أنت الليلة على أنك مستشرق .. لأنه ما رآك من قبل ولا يعرفك .. وشعرك الأبيض الطويل سيجعله لا يشك قط .. ولا تعترض فنحن نريد أن نقضى ليلة ضاحكة .. وعلى فكرة إنه يكتب القصة أحسن منك .. وسترى ..

وكان شعرى طويلا منفوشـا .. وبدلتى من قطعتين وكل قطعة بلون .. ومن طراز إنجليزى خالص .. ولا كواء ، ولا تنسيق ولا منديل يطل من الجيب .. ولا أناقة فى المظهر جميعه .. وبيدى حقيبة مليئة بالمذكرات والأقلام .. وسـأتكلم لمدة ساعة أو ساعتين بالعربية الفصحى ..

وكنا قد ضحكنا كثيرا قبـل المشهـد ، فلمـا تقابلنا مع الأستاذ " سعيد " كان الموقف كله جادًا ، ولا يمكن لمخلوق أن يكتشف فيه مظهر التمثيل ..

رحب بنا الأستاذ " سعيد " وكان الترحيب بى مضاعفا ، ولاحظت أنه هادئ ، وديع ، وكريم الخلق إلى حد بعيد ، فكدت أندم ، وأكشف أوراقى لولا نظرة صارمة من صلاح ذهنى أرجعتنى إلى ما اتفقنا عليه ..

وأخذت أحادثه ، وأثنى على قصصه ، وشكر الأستاذ تيمور الذى كان أول من دلنى عليه بأن بعث إلىَّ بمجموعته القصصية .. وكم عرفنى تيمور بأدباء وقصاصين ، وأرسل إلىَّ كتبهـم بالبريد دون أن يعرضوا هم .. وبذلك استطعت أن أكون فكرة شاملة عن الأدب المصرى ..

وابتهج الأستاذ " سعيد " عندما سمع هذا وطار من الفرح .. وعشانا فى نفس المكان ..

ولكن أمين قال له بالعامية التى لا أعرفها :
ـ الأكلة دى ما تنفعش .. ولازم تعزمه فى بيتك .. لأنه عاوز يشوف بيت مصرى .. واحنا مالناش بيوت هنا فى الإسكندرية ..

فرد سريعا :
ـ طيب فى البيت يا أخى .. بكره الغدا فى البيت ..
وترجموا لى الحديث بالعربية الفصحى .. فاعتذرت وقلت :
ـ إن ميعادى مع تيمور بك غدا فى القاهرة .. وقد عرفته فى رسالتى بيوم وساعة الوصول ..

فقال غراب سريعا :
ـ سنرسل له برقية ونعرفه بأنك ستصل إلى القاهرة بعد غد فى نفس الميعاد ..

واسترحنا إلى هذا المخرج ..
وفى اليوم التالى كنا فى بيته .. وكان بيته من الفخامة إلى درجة أذهلتنى وجعلتنى أعجب وأتساءل كيف يخرج من هذا العز أديب ..؟ وما هى المشاكل التى يمكن أن تحرك وجدانه ..؟

وكان يتحدث بالفرنسية مع أهل بيته .. وقد شعرت بالخجل لأنه اندفع فى حماس إلى وليمة فاخرة ..

وبعد أن فرغنا من الطعام .. وضعت أمامنا صحون ملونة صغيرة ممتلئة بالماء وفى كل صحن ورده .. فتعجل أمين ووضع يده فى الصحن حتى لا نتصور أنه خشاف ونرفعه إلى فمنا .. وكان بارعا وسريع الخاطر فى هذه الحركة ..

وفى اليوم الذى حددته لسفرى إلى القاهرة لمقابلة الأستاذ تيمور ، جاء الأستاذ سعيد يودعنى فى محطة " مصر " ، وكان يرافقه غراب وصلاح ..

وسألنى " سعيد " بأدب قبل تحرك القطار :
ـ هل ستقابل جميع الأدباء فى القاهرة ..
ـ بالطبع .. ولهذا جئت من بلادى ..
ـ سـلامى إذن إلى أستاذنا .. الزيات وأرجو أن تحرص على مقابلة .. توفيـق الحكيم .. وإبراهيم المصرى .. وعبد الرحمن الشرقاوى .. وثروت أباظه .. ويحيى حقى .. ونجيب محفوظ .. وعبد الحليم عبد الله .. ويوسف جوهر .. وسعد مكاوى .. ومحمود البدوى إذا وجدته ..

فقال صلاح ذهنى وهو ينفجر من الضحك :
ـ محمود البدوى .. ما هو واقف قدامك فى القطر يا مغفل ..
وضحكنا .. وضحكنا .. وأصبح هذا الأديب الإسكندرى من أعز أصدقائى ..
=======================================
نشرت بمجـلة الثقــافة ـ العــدد 75 ـ ديسـمبر 1979وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=======================================

(5)
بريق القاهرة يجذب القصاصين

من ذكريات

محمود البدوى


وجذب بريق القاهرة أمين غراب أولا ثم عبد المعطى المسيرى .. ثانيا .. وكان الجذب فى قوة المغناطيس وشده .. ولم تستطع نصيحة من صديق مخلص ، أو كلمة تخرج من فم عاقل أن تمنع ذلك .. وقد أفاد واستفاد غراب من هذا الانتقال ..

ولكن عبد المعطى خسر خسارة كبيرة .. خسارة مادية ومعنوية .. فقد كانت قهوة المسيرى منتدى أدبيا عامرا .. وحافلا على الدوام بالأدباء من القاهرة والإسكندرية ودمنهور ..

وكان عبد المعطى قطب الدائرة والخلية منتجة ونشطة ، وتظهر آثارها .. فى كتاب يطبع فى دمنهور أو الإسكندرية لقربها من دمنهور ..

كان المجتمع الأدبى منتجا ومفيدا .. ولم تكن اجتماعات القهوة تنتهى إلى مناقشات بيزنطية تذهب مع الريح ..
كما أن عبد المعطى كان يستفيد ماديا من القهوة أضعاف أضعاف استفادته من وجوده فى القاهرة ..

ولكن الرياح تجرى بما لاتشتهى السفن ..
***

انتقل أمين غراب إلى القاهرة واشتغل فى وزارة المواصلات .. وأخذ ينشر قصصـه فى المجلات .. ويتصل بالسينمائيين لتتحول قصصه إلى أفلام ..وساعده اشتغاله فى دمنهور بالتمثيل على هذا الاتصال .. كما ساعدته لياقته وكياسته على الاستمرار فيه حتى آخر مرحلة من حياته .. فبعد موته عرض له فيلم جديد لم يعرض فى حياته ..

***

وتأسس نادى القصة .. كما صدر الكتاب الذهبى .. وكان أمين غراب عضوا فى نادى القصة ، ورئيسه طه حسين .. فعرفه غراب وأصبح قريبا منه ، وشديد الاتصال به ، والاعجاب بأسلوبه .. إلى حد تقليده .. فى التكرار وكثرة المترادفات ..

وكان مقر " نادى القصة " فى ذلك الوقت فى ميدان التحرير وسكرتيره هو يوسف السباعى .. ولم يكن قد استعان بأحد على عمل السكرتارية ..

وكان أعضاء النادى الكبار فى السن يحضرون الاجتماعات دائما ، ولا يتخلف منهم إلا القليل ..

كان اسـتاذنا توفيـق الحكيم يحضر بعصاه وغطاء رأسه .. وعلى وجهه الصمت والتـأمل .. كما كان يحضر فريد أبو حديد .. ويحيى حقى .. واحسان عبد القدوس صاحب فكرة النادى ، وهو الذى عندما راودته الفكرة عرضها على يوسف السباعى فنفذها هذا سريعا بطريقته التى لا يشوبهـا التردد .. فقد كان احسان صديقه الأوحد .. وأحبهم إليه ، وأكثرهم قربا منه .. والفكرة جميلة وعملية ..

أجزل الله المثوبة لصاحب الفضل فيها .. وظل النادى من وقتها .. مصباحا للقصاصين الشبان ومنارة .. وكما قلت وأعيد القول بأن مسابقاته السنوية المشجعة تجرى فى جو من العدالة المطلقة وبعيدا عن كل الأهواء ، مما لايحدث مثله فى أى مكان آخر فى مصر ..

وظل النادى طوال هذه السنين محتفظا بمكانته كمركز نشاط أدبى له آثاره .. فبعد يوسف السباعى .. جاء ثروت أباظه .. بنشاطه وحيويته ومركزه الأدبى .. ثم محمود يوسف .. بحماسه .. وابتكاراته وخبراته الطويلة ..

وكان يتردد على " النادى " الكثير من الأدباء البارزين .. وذات ليلة دخل من الباب الدكتور عبد الحميد يونس ومعه صديقه ومرافقه محمد حموده .. وكان الدكتور عبد الحميد قد أسند إليه الإشراف على صفحة الأدب فى جريدة الجمهورية .. ورأى أن يتوج هذه الصفحة بنشر قصة قصيرة فيها ، وأدرك بحاسته السادسة أن أحسن مكان يلتقى
فيه بالقصاصين هو ناديهم .. وعرض الفكرة فى إيجاز وطلب من الموجودين جميعا قصصا .. وقدمت له فى اللقاء الثانى قصة باسم " لجنة الشباك " وأنا لا أتصور أنها ستنشر ، لأنها تحمل سخرية مرة قاسية بهذه اللجان التى تشكلها أجهزة الدولة وتشل كل مشروعاتها النافعة بل تقتلها إلى الأبد .. والضحية من هذه اللجان دائما الشعب المسكين ..

ولما كانت الثورة فى ذلك الوقت قد بدأت حياتها باللجان على نطاق واسع ، وأراد رئيس التحرير أن يبعدها عن هذا العصر ، لهذا أضـاف فى أول القصة كلمات " حدث من سنين بعيدة " ونشرت القصة ..

كما نشر الدكتور عبد الحميد يونس قصصا كثيرة فى هذه الصفحة الأدبية .. لعبد الحليم عبد الله .. والسحـار .. وسـعد حامد .. وسعد مكاوى .. وأمين غراب .. وغيرهم ..

وكانت الجمهورية فى ذلك الوقت فى قمة ازدهارها .. ويشرف عليـها وعلى دار التحرير جميعها .. بما تخرج من صحف ومجلات .. أديب من رجال الثورة .. يشرف عليها أديب كانت تنتظره البلاد وتعرف أنه سيأتى .. لأنهـا أول من سمعت صوته بالصدق ولا يمكن أن يخدعها .. يشرف عليها من غسل لمصر عارها .. بعد ذلك بسنين .. ورد إليها كرامتها كدولة ذات حضــارة ومجـد .. وأنقذهـا من هوان الهزيمة ، وانكسار النفس الموءودة .. التى خربها القهر والذل والخوف .. وأصبحت عددا ولا عدد .. وماتت فى النفوس كل صفات المروءة والفضل والشجاعة ، التى تدعو إلى اغاثة الملهوف ، وعون الجار ، والأخذ بيد المريض المسكين .. وتسلطت الأنانية والجشع والحقد بكل صورها البشعة .. إلى أن جاءها هذا الرجل الصادق الذى سمعت صوته لأول مرة .. فرد لهذه النفس الموءودة روحها ..
كانت جريدة الجمهورية فى ذلك الوقت ، يشرف عليها الرئيس أنور السـادات ، بطل الحرب وأول من انتصر على إسرائيل فى كل حروبها مع مصر .. وأول من دعا للسلام وهو منتصر ..

وكانت له وهو فى الجريدة لمسـات انسانية تنبىء عن دخيلة نفسه الصافية .. وتواضعه .. فهو الذى يبدأ بتحية كتابها فى الأعياد .. يرسل إليهم بطاقات الدعوة فى كل عيد ..

وكنت أراه فى طرقات جريدة الجمهورية يحيى الجميع فى تواضع جم وعلى وجهه الابتسامة التى أراها على وجهه الآن .. وجه انسان مبتسم يملك الارادة والعزم .. وبهذه الابتسامة انتصر لأنها تحمل القلب العامر بالأيمان .. فالله لايخذل المؤمن أبدا ..

مشاعر وقلب أديب ملهم .. خاض كل المعارك مع خصومه ، وهو يحمل قلب انسان .. وانسان كبير .. يحب شعبه ، ويسعى لخيره واستعادة مجده .. وبهذا القلب الانسانى انتصر وسيظل منتصرا ..

حملت معى إلى نادى القصة ذات مساء مجموعة قصص صدرت لى حديثا " حدث ذات ليلة " وكان فى النـادى .. طه حسين .. وتوفيق الحكيم .. ويوسف السباعى .. والسحار .. وغراب .. فأهديت نسخة إلى طه حسين ومثلها إلى توفيق الحكيم .. وتركت الثلاث نسخ الباقية على مكتب يوسف السباعى ..

وفى الأسبوع التالى .. جاء الدكتور طه إلى النادى وسلمت عليه مع المسلمين ، وبعد أن استراح قليلا أخذ يتحدث عن قصص المجموعة .. ويلخص كل قصة فى ايجاز فيه كل اللمحات الإنسانية .. مع التركيز على لب القصة ومحورها .. وقد شكرته فى خجل شديد .. وأنا مذهول من هذه الذاكرة الفذة .. فقد كان يسرد وقائع نسيتها وأنا كاتبها ..

ولما صدرت لى مجموعة " العربة الأخيرة " رأى غراب أن أهديها للدكتور أيضا .. فأهديتها له .. وحمل إلىَّ أمين فى نفس الأسبوع كتاب " الفتنة الكبرى " للدكتور ردًا على هديتى ..

وتحدث الدكتور طه بعد ذلك بسنوات فى الإذاعة عن بعض الأدباء وكتاب القصة الجدد ولم أسمعه .. وحدثنى من سمعه أنه عندما أراد أن يذكر اسمى .. كان قد نسيه .. فقال محمود ال .. ال .. ال .. البدوى ونطق البدوى بعد ثوان من التوقف ..

وكان لقائى الأول مع طه حسين فى النادى كما أسلفت ، واللقاء الأخير فى بيته عندما مرض ، ورأى المرحوم يوسف السباعى أن يجتمع مجلس إدارة النادى فى بيت الدكتور بالهرم ، وكان ذلك فى آخر أيامه رحمه الله ..

ولكن غراب كان وثيق الصلة بطه حسين .. ويتردد عليه بصفة مستمرة ومنتظمة .. وكان يحبه كثيرا .. وعرف من كثرة تردده على منزل طه ، ابراهيم الابيارى .. واستفاد غراب من الابيارى استفادة كبيرة دلته على الكثير من الكتب التى تنفعه .. وأحيانا كان الابيارى يحملها له بنفسه ..

وكان المجلس الأعلى للفنون والآداب قد أنشىء فانتقل إليه غراب كوظف .. وأصبح له نشاط وعمل يتصل بالأدب وفنونه ..

ويوسف السباعى .. كان السكرتير العام للمجلس .. فازدادت صلة غراب به .. حتى أصبح من أصدقائه المقربين ..

وكان غراب قد انتقل إلى القاهرة بأسرته .. وأصبح يتحرك بسيارة يمتلكها .. وله تطلعات مادية كبيرة .. فاستغرق فى الأفلام .. التى تدر له الأيراد ، لأن الكتب لا تنفع .. ولا تغنى من جوع .. كما أن المرتب فى المجلس قليل .. وأخذ يسعى إلى تحسينه .. وكان يساعده على ذلك كلما سنحت الفرص صديق له .. فى ديوان الموظفين .. وكان هذا يعد المذكرة بكل الأسانيد القانونية ويضعها جاهزة أمام يوسف السباعى .. فيرقيه وهكذا إلى أن ارتفع راتبه .. وساوى الكبار من الموظفين ..

وكلما مرت الأيام ازداد صلة بيوسف السباعى وقربا .. حتى أمسى من أعز أصدقائه .. وسافر غراب إلى بلد عربى ، كعضو من أدباء مصر فى أحد المؤتمرات الأدبية التى انعقدت هناك ، وعرف بعض العرب وأصبح من أصدقائهم .. وكان دائب السهر معهم فى القاهرة .. إلى الشهور الأخيرة من حياته ..

وكان فى هذه الشهور يذبل ويذوى ، وعلامات الموت بارزة على صدغيه ..

***

وجذب بريق القاهرة المسيرى .. وكانت قد سمعت بعصاميته وموهبته سيدة جليلة ترعى الأدب .. فاستقدمته .. واشتغل فى مجلة نسائية وأدبية كانت تصدرها على نفقتها .. وسر عبد المعطى من النقلة وغمره فرح باهر .. كالفرح الذى يغمر الريفى وهو ينزل فى محطة القاهرة لأول مرة .. ويرى الأنوار والأضواء والجمال فى كل مكان ..

وعلم به طه حسين .. فأعجب بعصاميته كذلك ، وقدم له كتابا .. وكان عبد المعطى يفخر بهذا التقديم ..

وقد التقيت به فى ذلك الوقت .. وكان الفرح يغمر كيانه كله ، والأحلام الذهبية تسيطر على تفكيره .. وترسم له خطوط المستقبل المشرق ..

ولكن حدث ما جعله يترك القاهرة ، فى مدة اغتراب لا تزيد على سنة .. وعاد عبد المعطى آسفا إلى دمنهور .. وإلى القهوة .. ولكن تطلعاته إلى أنوار القاهرة لم تنقطع ..

وكما توظف غراب فى المجلس الأعلى للفنون والآداب من غير شهادات .. لماذا لايتوظف هو ..؟

وهكذا جاء عبد المعطى إلى المجلس وتوظف .. براتب قليل .. وهو يتطلع إلى ما هو أحسن .. ومثله غراب .. وجاء بأسرته فى الوقت الذى ارتفع فيه مستوى المعيشة .. وأحس بالضيق المادى .. وكان يكتب فى الصحف ، ولكن أجرها يطير فى الهواء ، ولا يحس بأثره فى بيته .. فأخذ يطلب من يوسف السباعى الزيادة فى المرتب كما زاد أمين غراب ..

ولكن يوسف لا يجد المبررات التى تساعده على ذلك .. وغراب ضم له مدة خدمته فى بلدية دمنهور مع مدة خدمتـه فى وزارة المواصلات .. وعبد المعطى .. ليست له مدة خدمة فى أية جهة حكومية قبل المجلس .. فكيف يزاد ..

رفع يوسف السباعى راتب عبد المعطى إلى الحد الذى يستطيعه .. أو الذى يريده .. ولكن عبد المعطى لم يرض بذلك .. ووقعت الوقيعة بين عبد المعطى ، ويوسف السباعى وزادها أخوان السوء سوءا على سوئها ..

ولم يكن عبد المعطى فى لياقة غراب .. فيطوى الأمر فى جوانحه إلى أن يجد الفرصة لبلوغ غرضه ، بل كان يصرخ ويتذمر لكل من قابله .. ويقول اشمعنا غراب عمل له .. وعمل له .. وأنا لا .. اشمعنا ..

وكلما قابلت عبد المعطى فى جمعية الأدباء اشتكى لى .. وكنت أهدىء من ثورته وسخطه ما استطعت ، وأحـاول أن أجعله يملك أعصابه .. ولما كنت نادر الاتصال بيوسف السباعى .. فقد رأيت أن أكلم عبد الرحمن الشرقاوى ليعرض شكوى عبد المعطى على يوسف .. بكل تفاصيلها الدقيقة وبكل ظروفه المعيشية القاسية .. فهو لا يستطيع الرجوع إلى القهوة .. بعد هذا الانقطاع الطويل .. كما أنه لا يستطيع العيش فى القاهرة كموظف بهذا المرتب ..

ولكن كل هذا لم يجد ..

ولقى الفنان الأصيل ، والأديب الملهم عبد المعطى ربه .. وما أحسبه إلا كان متألما منا جميعا ..

وعبد المعطى يملك الأسلوب والموهبة ، كأديب وكاتب قصة ، ظهر فى جيل متفتح للكتابة بنشاط غريب .. وكان العصر كله عصر أدب خالص يتغلغل فى النفوس ويملك الأفئدة .. ويسيطر على المشاعر ..

ففى هذا العصر الذهبى للأدب كان من المحامين ، والقضاة والأطباء والموظفين ، من يملك ناصية البلاغة فى خطبه ومذكراته ومقالاته ، وكانوا يضمنون كتـاباتهم وكلامهم الآيات القرآنية وخطب بلغاء العرب .. كسحبان .. والحجاج .. وزيادة ..

ومنهم من كان يعرف من كتب التراث ما لا يعرفه الدارسون لها الآن ، والمتخصصون فى هذا الباب ..

وفى هذا العصر الأدبى المشرق الزاهر .. الذى يفخر ويتيه بالأفذاذ من الكتاب والشعراء المصريين عاش عبد المعطى وكتب ..

كتب لولده :
" ولدى ..
ما من مرة قبلتنى إلا وأحسسنا معا بأننا قد عشنا كل ما فى وسع الإنسان أن يعيش وظفرنا بكل ما فى الوجود من نعيم ، وقبلة منك تجعلنى استقبل الحياة بعزم جبار ، وتهون علىَّ أثقالها وأعباءها .. وتنسينى تجهمها وهمومها .. وتصعد بى إلى دنيا غير دنيا الناس ، آنس إلى صفوها وألتذ بنعيمها ، حتى إذا عدت إلى دنياهم كنت أحسنهم راحة واستجماما وصفاء .. أتذكر أنك أشرت مرة إلى صورة قائد عظيم وتمتمت بما يفهم منه أنك تحب أن تكون مثله ..؟ بكيت يا ولدى لأنى أعرف أن فقرى يحول بينى وبين ما تريد .. ويقعد بى عن انشائك كما أحب وكما ينبغى أن ينشأ الأولاد فى هذا العصر .. بكيت لأن أولاد الفقراء لم يتهيأ لهم طريق العلم كما هو الحال فى الأمم الناهضة ..

نعم اننى فقير ولكننى كنت سعيدا بفقرى أحوله إلى غنى وسعادة ، كنت إذا تنبهت عينى لمشهد من مشاهد الدنيا ، تيقظ قلبى فاسغنى وأغنـاها ..كنت أمشى فى المروج فأشهد الطبيعة الباسمة ، والقمر الزاهى ، والبحر الضاحك ، فأضحك من تهافت الإنسان على الصغائر ، وأحمد الله الذى سوى بين الناس فى المسائل الكبرى فجعلها اشتراكية فى الماء والهواء والطبيعة ..

لى فيك أمل قوى جبار حينما تنشأ وتبلغ قدرك .. لأنك ابن رجل فقير بنفسه ولا يجد حرجا من القول بأنه استطاع الكثير رغم ما صادفه من عثرات ..

استطاع أن يظفر بعطف زعيمة النهضة النسائية " هدى شعراوى " وزعماء الأدب طه حسين وأحمد أمين وتيمور والرافعى وتقدير المستشرق العظيم " كراتشفوفسكى " واستطاع أن يملأ الصحف بكتابته ويشغلها بالحديث عنه ..

واستطاع أن يخرج للآن كتابين فى الأدب والاجتماع ومازال يرجو ويعمل لاصدار عشرين ..

واستطاع أبعد من ذلك .. استطاع أن يوفق بين مهنته وعمله فى القهوة وبين الأدب ، فوزع أعصابه توزيعا منتظما ليس فى طوق كل إنسان .. فهو عدة رجال فى رجل ان استقام هذا التعبير ..؟

عاش أبوك فى جحيم الحياة لاعلى هامشها ، فأنتج للوطن أولادا وللفن ألوانا .. ووفق لذلك وفى عنقـه أسرة كثيرة المطالب ، كبيرة العدد ، ورغم أنه لم يذهب إلى المدرسة ولم يجلس إلى أستاذ ، وكان فى بيئة تيسر للمرء اقتحام الرذيلة والجرى وراء الملذات .. ولكن من ذلك لم يلهه عن المساهمة فى الأدب والتأثير فيه ..

كان يحاسب نفسه كل يوم عما أضافه لعقله من التعليم والتثقيف .. كما يحاسب رواد القهوة على ثمن المشروبات .. "
صـ22 من كتاب الظامئون طبعة سبتمبر سنة 1936 وفى هذا الكتاب نشر قصة " بيت الحظ " وهى من أجمل قصصه ..

وكتب طه حسين فى جريدة الوادى يرد على عبد المعطى :
" وأشهد أنى قرأته مرتين ، ووجدت فى قراءته مرتين ، لذة قوية ومتاعا خصبا ، وأحسست اعجابا عظيما بهذا الرجل الذى استطاع أن يثقف نفسه .." ..
وقد جعل عبد المعطى هذه الكلمة .. على غلاف كتابه " فى القهوة والأدب " الذى صدر سنة 1938
====================================
نشرت الذكريات فى مجلة الثقافة ـ السنة السابعة ـ العدد 76 ـ يناير 1980 وفى كتاب " ذكريات مطوية لمحمود البدوى من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى " مكتبة مصر ط 2006
====================================

(6)
ذكريات مطوية
محمود محمد شاكر ومجلة العصور
بقلم محمود البدوى


التقيت بالأستاذ محمود محمد شاكر فى مجلة الرسالة للزيات فى أول عهدها بالصدور .. وكانت فى حى عابدين .. وكان الزوار من الأدباء والشعراء قلة .. لأن الأستاذ الزيات يريد أن يتفرغ لعمله الذى يقوم به وحده .. ولأن معظم المقالات ترد بالبريد .. والبريد مفخرة لمصر فى الدقة والنظام ..

وفى هذا الجو الهادىء تحدثت مع الأستاذ شاكر .. وتفتحت نفسى له .. وتعدد اللقاء .. ثم أصبحت أزوره فى بيته ..

وكان يسكن فى ذلك الوقت فى أقصى أطراف ضاحية مصر الجديدة من الناحية الغربية .. وكان بيته نهاية البيوت فى تلك المنطقة .. وأمامه فضاء واسع .. ورمال بيضاء شهباء لاتغفل عنها عين الشمس ..
ثم خزانات المياة التى تغذى الضاحية الجميلة ..

والجلوس فى شرفته بعد غروب شمس الصيف .. متعة للبصر وراحة للنفس .. فمن هذا الفضاء الفسيح تهب نسمات الغروب منعشة وصافية وطليقة لا تحدها عمارات ولا مداخن .. ولا يزعج المتأمل فى السكون الشامل .. ضجيج السيارات ولا زعيق الباعة ..

ان هذا الشارع يسمى الآن شارع عبد العزيز فهمى .. ويسير فيه المترو المسمى بنفس الاسم إلى أطراف واحة عين شمس ..!

وكان الأستاذ شاكر يقيم فى الطابق الرابع إذا أغفلنا الأرضى ..

وفى شرفته الواسعة المطلة على الصحراء .. جلسنا وشربنا الشاى وتحدثنا عن الأدب ورجاله .. وكان يقوم على خدمته طباخ فوق الخمسين من عمره .. كان فى بيت والده وأخذه الأستاذ شاكر بعد وفاة المرحوم الوالد .. وأبقاه عنده .. ولحرص الأستاذ على كتبه العربية النادرة والوثائق الأدبية التى لا تقدر بثمن .. كان من العسير عليه أن يستخدم غيره فى بيته .. والكتب تملأ الصالة ، وحجرات المنزل من الأرض إلى السقف .. وكان المكتب فى حجرة على يسار الداخل وفيها يطالع ، ويكتب لقراء العربية روائعه ..

وكنت اصطحب معى فى الزيارة التى كانت تحدث غالبا مع غروب شمس يوم الجمعة وفى أيام غير متقاربة .. المرحوم الدكتور أحمد عبد المنعم البهى الأستاذ السابق بكلية الشريعة جامعة الأزهر .. والذى كان سكرتيرا لتحرير جريدة المصرى حتى وهو طالب ..
كنت أصطحبه أو أرافق المرحوم هلال شتا الموظف بمجلس الأمة ..

وكان الاثنان من أشد الناس اعجابا بالأستاذ شاكر فيما ينشره بالمقتطف والرسالة ..

وكنا نجد عنده الشاعر محمود حسن اسماعيل .. وكان قليل الحديث سارحا فى تأملاته .. ولا نرى فيه إلا شعرا هائجا منفوشا وعينين حمراوين تدوران كالزئبق الرجراج ..

وقد رافقنى المرحوم محمود حسن اسماعيل .. والشاعر الفنان صلاح عبد الصبور فى بعثة ثقافية عام 1973 إلى تفليس .. والشاعران صديقان حميمان من قديم الزمن .. وكنت أحسبنى سأكون دخيلا عليهما فى هذه البعثة .. ولهذا شعرت بالتحفظ الذى هو من أخص طباعى .. ولكن بعد ساعة واحدة من وصولنا إلى هناك وجدت فيها من نبالة النفس ، وسماحة الخلق .. ما يجل عن الوصف .. وكان صلاح عبد الصبور من الكرم الحاتمى إلى الحد الذى جعلنى أسأله هل هو شرقاوى أو صعيدى ، فإذا هو يجمع بين الاثنين معا !!..

فقد غطى كرمه وتفتحه النفسى على الوفد الذى معه .. " وكنا نرى فى وجوه المسلمين فى تفليس السرور الذى شاهدوه فى أعيننا وقلوبنا .. ولما دخلنا المسجد فوق الربوة التى غطتها الثـلوج .. انزوى محمود حسن اسماعيل فى ركن وتوهجت عيناه .. وعند ئذ أدركت أن هاجسه الشعرى قد هبط وتملكه ..

وكان الأستاذ شاكر يقول لنا .. بعد شرب الشاى .. وصلتنى اليوم قصة من يحيى .. يقصد الأستاذ يحيى حقى .. ( وكان وقتها فى الخارج بالسلك السياسى ) .. وكان يحيى يبعث له بالبريد قصة .. لنشرها فى المجلة التى يختارها الأستاذ شاكر ..
ولا يزال يردد .. يحيى قال .. يحيى فعل ..

وكان الأستاذ شاكر معجبا بصديقه يحيى إلى الحد الذى يتصور معه المستمع أنه لايوجد كاتب فى مصر يكتب القصة مثل يحيى حقى ..

والأستاذ شاكر رهين كتبه وهو مثل الجاحظ لايبرح بيته إلا نادرا .. ولكنا لسبب لا نعرفه أصبحنا نتلاقى فى قهوة بور فؤاد ثم فى قهوة بشارع دوبريه ( تحولت الآن إلى متجر ) وكان يحيى حقى .. يجيىء فى الأجازات إلى هذه القهوة ..

وقد رأيته لأول مرة فألفيته وديعا رضيا قليل الكلام .. ولا أدرى كيف انطلق فى هذه الأيام وأصبح من خطباء الإذاعة ..!!

وفى القهوة انضم إلينا طبيب الأسنان الدكتور رمزى مفتاح والمرحوم غريب والشاعر أحمد فتحى مرسى .. ورفيقه فى زمالة الحقوق والشعر الشاعر إبراهيم طلعت .. كلما جاء من الإسكندرية لعمل فى القاهرة .

وكان الدكتور رمزى يحضر بعد انتهاء عمله فى العيادة .. وحديثنا يدور عن الكتب الجديدة .. وكان الكثير منها للعقاد والمازنى .. وكان الدكتور رمزى .. وغريب لا يحبان العقاد كشاعر وينتقصان منه .. وأنا وهلال وفتحى مرسى وطلعت .. ندافع عنه بحرارة ككاتب وشاعر من أفذاذنا ومفاخرنا .. وقال لى هلال .. " إن غريب يكره العقاد .. لأنه اشتغل فى جريدة فيها العقاد .. وكان العقاد السبب فى نقص أجره الشهرى .. فحملها له وظل يحملها " ..

وكان غريب هجاءً من طراز نادر .. كما كان السبب فى غلق الكثير من الصحف والمجلات أيام صدقى باشا والوفد .. وقد جر معه المرحوم هلال .. الذى كان موظفا فى مجلس الأمة .. وكان يكتب معه المقالات السياسية ويوقعها باسم مستعار ..

وكانت هذه المجلات تصادر جميعها .. ولا تعيش أكثر من أسبوع .. الصـاعقة .. الضحى .. وغيرهما كثير .. وفى مجلة من هذه المجلات كتب " جبان خسيس " .. تحت رسم للرسام رخا .. سبا قذرًا فى صدقى باشا .. وظهر العدد وفيه هذه السبة الوقحة وسجن بسببها رخا خمس سنوات ..

وإلى اليـوم لا يعرف رخا .. ولا صاحب المجلة .. ولا المحررون فيها .. ولا عمال الطباعة .. من الذى كتب هذه السبة اللعينة ..

وما أصاب رخا .. أصاب المرحـوم هلال ولكن بطريقة أخرى .. اخف من السجن .. فقد مر السكرتير العام للمجلس الذى يعمل فيه هلال ( والمجلس وقتها وفدى والحكومة وفدية ) .. مر فى صباح يوم على مكتب هلال ( بعد وشاية من زميل ) فوجده يكتب بداية لمقال سياسى عنوانه " تحت اللواء " .. فالتقط المقال بخفة الثعلب .. ونقل هلال من مجلس الأمة .. إلى كاتب قيودات فى أرشيف مديرية الجيزة .. وقد لاقى المسكين العذاب الأكبر من جراء هذا النقل .. وقد استغرقته فحولته عن الأدب مع أنه بدأ بداية طيبة وكان يمكن أن يكون له شأن لو استمر فى طريقه الأول ..

وتحت اللواء يعنى تحت العلم المصرى .. ولا أدرى الذى كتب فى سياق المقال ، وكان السبب فى العقاب ..!

ولم تكن هذه الحوادث درسًا ملموسًا لى لأبتعد عن السياسة وعن الكتابة فى هذه المجلات .. فأنا بطبعى وتكوينى الخلقى لا أحب السياسة ولا الأحزاب وأكرهها كره الأعمى للحفر فى الطريق .. ولا يمكن لإنسان يحب العزلة ليقرأ ويكتب أن يشترك مع الجماهير فى ضجيجها وصخبها .. على أى صورة من الصور .. وحب الوطن ومن خدمه بإخلاص وأمانة من رجالنا الأفذاذ عبر التاريخ كله .. سيظل محل الاحترام والتقديس ما دامت الحياة ..

وأبطالى مصريون خلص .. وما أشرت فى أية قصة من قصصى إلى شخصية وفدية أو سعدية أو خلافهما .. فالذى يجابه الاستعمار ويحـاربه أيام الاستعمار الإنجليزى هو مصرى خالص المصرية ..

وكان غريب الذى درس فى الأزهر .. متفقا فى المشارب والذوق الأدبى واختيار أروع القصص .. مع الدكتور رمزى الذى درس فى طب الأسنان بمصر .. وسافر كثيرا إلى لندن .. وليس فى هذا غرابة .. فالذوق السليم يأتى من الفطرة .. وبالسليقة ..

وكلما كان الإنسان عميق التفكير .. بعُد نظره وحسن اختياره ، ولهذا التوافق فى المشارب ، كان الاثنان لا يفترقان إلا نادرًا ، وكأنهما يلبسان ثوبا واحدًا .. وغريب مسلم .. ورمزى مسيحى .. ولكن الفنان الأصيل بطبعه .. لا يخطر على باله التعصب الدينى ولا يفكر فيه قط .. ولا يحسب حسابا لفارق الدين ..

أما المتعصب فساقط من المجموع .. ومحتقر من زمرة الأدباء وزمرة الشعراء والناس أجمعين ..

وكان غريب وهو المتزوج الوحيد فينا يولم لنا وليمة فى كل مولد نبوى .. بيته فى مساكن الشركة الواسعة بمصر الجديدة .. ولم يكن الأستاذ شاكر يحضر معنا هذه الوليمة .. لانشغاله بكتبه ومقالاته .. وكنا نجد الفرصة فى غيابه للاشادة بكتبه ومقالاته .. وأسلوبه الفذ المتفرد الذى أكتسبه من اطلاعه الواسع الدقيق فى كل ما كتبه بلغاء العرب .. وحرصه الشديد على اختيار الألفاظ وسلامة الجملة وبلاغة المعنى ..

وفجأة ودون تمهيد وجدت الأستاذ شاكر يحدثنى عن اصدار مجلة أدبية .. ولا أدرى متى نشأت فى رأسه هذه الفكرة واختمرت إلى حيز التنفيذ ..

والأستاذ شاكر إذا فكر فى شىء يندفع إليه بقوة .. عرفنى أنه قابل الأستاذ إسماعيل مظهر واتفق معه على معاودة إصدار مجلة " العصور " وبقوة الصاروخ وانطلاقه وجدته يجمع المقالات ويعد العدة لإصدار المجلة ..

وكنا نجتمع فى قهوة بورفؤاد .. وطلب منى قصة .. وكتابة القصة تستغرق منى وقتا طويلا قد يصل إلى شهر أو أقل أو أكثر .. حسب حالتى النفسية وتجاربى السابقة .. وهضم هذه التجارب والانفعال بها .. وخشيت ألا أستجيب لطلبه .. فأشعر بوخز ضمير شديد الوقع ..

ووفقنى الله فى كتابة قصة .. وقرأها وأنا جالس معه فى القهوة .. وتناقشنا فى بعض ألفاظها وهو دقيق للغاية فى سلامة التراكيب واختيار الألفاظ المناسبة للمعانى .. وقد تعلمت منه اختيار اللفظ الذى يرسم الصورة الذهنية الدقيقة فى رأس القارئ .. ويرسمها بوضوح دون غموض أو لبس ..

وفى الجلسات التالية .. جاء معه المرحوم سعيد العريان وكان الأستاذ شاكر قد اتفق على طبع المجلة فى مطبعة مجلة الإسلام وصاحبها أمين عبد الرحمن .. فانتقلنا إلى المطبعة بشارع محمد على ..

وكنت أشـعر بسعادة غامرة .. وأنا أشاهد دوران المطبعة عن قرب .. وخروج الملازم مطبوعة .. والأستاذ شاكر مستبشر ضاحك .. وسعيد العريان يبتسم فى وداعة واستبشار .. والسعادة بادية فى الجو كله على وجه الطابع والناشر وصاحب المجلة الجديدة ..

وكنا نحن الثلاثة نكتب فى مجلة الرسالة .. ولم نشعر قط بوخز الضمير فقد كان الجو الأدبى يتسع لعشرات المجلات الأدبية ..

ولكنا علمنـا أن أستاذنا الزيات تأثر .. وتضايق وخشى من المنافسة .. لأن العصور أخذت الكثير من كتاب الرسالة ..

وصدر العدد الأول من مجلة العصور فى عهدها الجديد ورئيس تحريرها الأستاذ شاكر .. صدر فى طباعة جميلة وإخراج أجمل ومقالات قيمة .. ونفد المطبوع جميعه وزادت فرحة الأستاذ شاكر فلم يكن يتوقع مثل هذا الانتصار .

وأخذ يعد العدة بكل طاقته للعدد الثانى .. وكان المرحوم سعيد العريان أكثرنا فرحا .. وكان هو الذى يراجع بروفات الطبع .. وقرأ قصتى وأبدى رأيه فيها .. وظلـت صلتى به قوية من وقتها إلى أن سافرت فى بعثة وزارة التربية .. كأديب .. إلى الهند والصين واليابان .. وكان هو فى ذلك الوقت وكيل وزارة التربيـة .. فوجدته يذكر الصلة القديمة بكل ما فيها من ود وصفاء .. وسر جدا لوجودى فى هذه البعثة .. وقد ذكرته بالخير كأديب عربى أصيل فى كل مكان حللت فيه ..

علمنا أن الزيات تضايق من صدور مجلة " العصور " ولم نكن نفكر فى هذا قط ولا نتوقعـه لأن الجمهور كان يقبل على قراءة المجلات الأدبية بشكل مثير ..

ولم يكن الأستاذ شاكر من طبعه التراجع .. فأقبل على إصدار العدد الثانى بالحماس الذى صدر به العدد الأول ، وفى نفس المطبعة ..
ونفد العدد الثانى كما نفد العدد الأول ..

والأستاذ شاكر طويل القامة فى نحافة .. حاد الصوت والنظرة ، فيه عنف العربى إذا أثير .. ولكنه مع صلابته يلقاك بالبشاشة والود .. وما لقيته إلا مبتسما .. وحتى بعد هذا الانقطاع الطويل .. عندما قابلته فى اتحاد الكتاب منذ سنتين .. وجدت فى قلبه وعينيه نفس الابتسامة ونفس الود القديم ..

والأستاذ شاكر كأديب من أعلامنا نفخر ونعتز به ، يكن لاثنين بالمودة الخالصة .. فؤاد صروف ويحيى حقى ..

وفؤاد صروف لأنه عالم وأديب .. وعندما تولى هو وشاكر اخراج النسخة العربية من مجلة المختار ، كان المختار فى عهدهما درة من الدرر التى تقرأ بالعربية لحسن الاختيار ودقة الترجمة ورصانتها والاحتفاظ بروح الكاتب الأجنبى وأسلوبه وفنه ..

ويحس القارىء بالفارق الكبير بين عهدهما وعهد من جاء بعدهما ..

ومع هذا فقد سمعت من الأستاذ شاكر .. أنه كان يتمنى ألا يسند إليه هذا العمل وأرجعت ذلك إلى وطنيته المشتعلة فى نفسه دوما ، ولكرهه الشديد للإنجليز المستعمرين لبلادنا وقتها .. ولأن بعض الأجانب الآخرين كانوا ذيولا لهم ..

أما يحيى حقى فيكن له بالمودة لأنه صديقه ويؤمن به ككاتب وأديب فى طليعة كتابنا ..

ولسبب لا أعرفه أنا ولا المرحوم سعيد العريان لم يصدر العدد الثالث من مجلة " العصور " ..

وكانت صدمة تلقيناها بالصبر والتأمل .. ككل الصدمات فى حياتنا ..

==================================
نشرت الذكريات فى مجــلة الثـقافة ـ السنة السـابعة ـ العـدد 78 ـ مارس 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

==================================

(7)
ذكريات مطوية
مجلة العروسة تعود من جديد
بقلم محمود البدوى


لا أدرى كيف وقع علينا الأخ " طلبة " الاسم مستعار .. ومن أى كوكب هبط .. وكان الأخ طلبه يعمل مندوبا للإعلانات فى الصحف المصرية وكان كثـير الحركة دؤوبا متنقلا يقع على فريسته من أول جولة .. وكنا فى مجلسنا فى مقهى بور فؤاد .. عندما جاءنا ذات مساء وقال لنا إن دار اللطائف قررت إعادة إصدار مجلة العروسة بعد إحتجابها الطويل وعهدت إليه هو أن يختار هيئة التحرير ..

وقد اختارنا وهو على يقين بأننا لن نرفض هذه الفرصة الذهبية .. فالمجلة معروفة فى السوق ورئيس تحريرها من أعلام الصحافة .. وعودتها محررة بأقلامنا ستكون إنتصارًا لنا ونحن فى بواكير الشباب ..

وكان رئيس التحرير معروفا جدا فى الوسط الصحفى .. فلم تكن هناك حاجة لرئيس تحرير جديد ..

وكان الأخ طلبة على صلة بواحد منا ويعرف مكاننا من المقهى الذى نجتمع فيه كل مساء .. ويعرف أننا جميعا من أدباء الشباب المشتعلين حماسة للكتابة والنشر .. وفينــا شـاعران .. فتحى مرسى .. وإبراهيم طلعت .. وأديبان .. هلال شتا وأنا ..

ووافقنا نحن الأربعة على العرض فى أول جلسة فى المقهى ولم نحدد الأجر .. ولكنا اشترطنا شرطا واحدا .. شرطا قاطعا وهو أن لا يتدخل أحد فى الدار مهما تكن صفته فى التحرير .. ووافقوا على ذلك ..

وفى مساء اليوم التالى إجتمعنا وذهبنا إلى الدار .. وكانت فى عمارة بباب اللوق بجوار محطة حلوان .. وصعدنا إلى مقر المجلة ..

وكان المقر جميـل التنسيق ونظيفـا والحجرات واسعة والمكاتب أنيقة ..

ولاحظنا لافتات بصيغة الأمر على الحوائط والأبواب .. لا تدخن فى المصعد .. لا تفتح باب المصعد أثناء حركتـه .. إضغط على الزر هكذا .. لا تشد السيفون بعد الساعة .. وكثير غير ذلك من الأوامر والمحظورات ..

ولما كان مقر المجلة نظيفا ومرتبا ورائع التنسيق فإن هذه اللافتات لم تضرنا فى شىء .. وإن أضحكتنا .. ولكن أثرها كان واضحًا وبارز النتيجة ، فدور الصحف التى دخلناها قبل هذه الدار كانت مثالاً للفوضى وسوء النظام .. فالمطبوعات ملقاة على الأرض ، والمكاتب يعلوها الغبار ، والنوافذ والأبواب فى غاية القذارة .. فلماذا نضحك على النظام ..؟

***

وبدأ العمل من جانبنا فى إخراج المجلة وتحريرها .. وكان عندهم فى الأرشيف مجموعة طيبة من الصور .. فأخذنا نختار ما يلائم العروسة .. وبرز التجـديد والابتـكار واضحين فى طريقة عرض الصور وفى التحرير ..

وكنا نشترى المجلات الأجنبية من القروش التى فى جيوبنا علاوة على المجلات التى عندهم وما أكثرها .. لنتخذ منها المثل .. ولنثبت وجودنا كمحررين مجددين نحمل الذوق الفطرى إلى التجويد والتطور ..

واخترنا الموضوعات السهلة وترجمنا الجيد السهل مما يهم المرأة فى زينتها وحياتها اليومية ..
وصدر العدد الأول .. وكان من الأعداد الجميلة ..

***

وكان العدد الثانى معدا .. ولكنا إشترطنا أن نتفق على الأجر وأن نقبض ثمن العدد الأول قبل صدور العدد الثانى .. وحدثنا الأخ " طلبة " بذلك ونحن فى مكاننا من المقهى .. ورأى الإصرار فى وجوهنا ، فغاب عنا يومين وفى اليوم الثالث دس فى يد أحدنا ظرفا مغلقا وشرب القهوة وخرج .. ولما بارح المقهى فتحنا الظرف وإذا بداخله ورقة واحدة بخمسين قرشا .. وبهتنا .. ولكنا ضحكنا بعد المفاجأة كثيرا ..

فقد خدعنا الملعون بنذالة ، وأخذنا نفكر فى تقسيم المبلغ .. ورأينا أن نعطيه لمن يدخن منا نحن الأربعة .. ولما أدركوا أننى سأصبح المظلوم الوحيد .. عدلوا عن ذلك وتعشينا بالمبلغ من كباب الحسين وشربنا الشاى الأخضر عند الفيشاوى ..

***

وافترقنا بعد العشاء .. ورأيت أن أذهب إلى بيتى ماشيا وأستمتع بقاهرة المعز الجميلة فى هدأة الليـل .. وكنت أسكن فى شارع قدرى بالسيدة زينب .. فرأيت أن أسير من الغورية إلى المغربلين ثم اخترق شـارع محمد على إلى الحلمية الجديدة .. ومنها إلى شارع قدرى ..

وكان رأسى يشتعل بقصة رأيت أن أكمل خطوطها فى رأسى قبل تسطيرها على الورق .. ويسهل على ذلك وأنا سائر وحدى ..

وفى الصباح بدأت فى كتابة القصة ، وكان الجو حارًا وبالغ الحد فى حرارته .. ومع ذلك واصلت الكتابة لأن القصة كانت تجربة قاسية فى عربة من عربات الموتى فى الليل والظلام والوحشة والكآبة ..

وكانت الكآبة تلفنى وأنا أكتب .. فحاولت التخلص منها بالكتابة ولهذا واصلت العمل حتى الساعة الثالثة بعد الظهر ..

وسمعت وأنا أكتب نقرا على الباب .. فتحركت إليـه .. وفتحتـه .. ووجدت عاشور عليش على الباب .. وكانت هـذه أول زيارة له .. واللقاء الثانى بيننا ..
ودخلنا إلى المكتب .. ووجدنى أكتب ..

فسألنى :
ـ قصة جديدة ..؟
ـ أجل ..
ـ وأنا جاى عاوز قصة ..

وفهمت من عاشور .. أن جريدة يومية كبرى .. تريد أن تخرج مجلة إسبوعية على غرار مجلة آخر ساعة .. وعهدت إليه مع صحفى آخر بجمع مواد هذه المجلة الجديدة وإخراجها ..

وسألته :
وما اسم هذه المجلة الجديدة ..؟
ـ كليوباترا ..
ـ ومتى ستصدر ..؟
ـ فى أول الشهر ..
ـ هكذا بسرعة ..
انتهى الأمر إلى هذا ..
وأنا لا أحب أن تقلد مجلة مجلة أخرى .. والمجلات التى خرجت لتقلد من قبلها .. لم تعش طويلا وماتت ..
وأعطيته بعد يومين القصة التى كنت أكتبها ..

وصدرت المجلة ونشرت القصة برسم جميل يعبر عنها .. ولكنى شعرت بغصة فى حلقى وأنا أقرأ الجزء الأخير منها .. فقد حدث خلط فى الجمع والتوضيب .. وتقدمت فقرات من القصة على فقرات ..

وأصبحت القصة فى نظرى غير مفهومة .. ولكن هذه الحساسية الشديدة نحو القصة لم يلاحظها سواى لأنى المؤلف .. أما القراء وحتى عاشور .. الذى اعتاد على مثل هذا الخلط .. لم يلاحظ شيئا ذا بال غير من صلب القصة ..

أما أنا فقد بقيت مرتاعًا إلى أن نشرت القصة على وجهها الصحيح فى كتاب " العربة الأخيرة " ..

وكنت بالإسكندرية يوم صدر العدد الأول من مجلة كليوباترا الذى نشرت فيه القصة ، وقابلت هناك مصادفة فى محطة الرمل المرحومين هلال وغريب .. ولم يلاحظا سرورى بالقصة ..

وقال غريب لهلال :
ـ محمود .. هكذا أبدا .. لا يدرك الجيد الذى يكتبه قط وقد يعجب بأقل القصص قدرا .. ولكن الجيد المميز لا يدركه أبدا .. ويظل فى وسواسه ..

وكان حقا ما يقول .. فما أعجبت بشىء كتبتـه قط .. وقد يأتى الإعجاب عرضا لفترة قصيرة ثم يذهب لأن القصة كتبت فى جو كنت أحبه .. أو أن أشخاص القصة لهم أثرهم فى نفسى ..

وتريحنى القصة بعد كتابتها ونشرها راحة نفسية مطلقة ، ثم ما يلبث أن يعاودنى القلق مما أحس فيها من قصور ونقص لم أدركه ساعة الكتابة وقبل النشر وأظل فى هذه الدوامة المعذبة أدور .. وأدور ..

وعاشور عليش خلية نشاط ليس لها من ضريب وهو يفتح لك الأبواب المغلقة ويعديك بحماسه ونشاطه .. وهو معروف فى وسطه الصحفى وبين أقرانه بأنه أستاذ الأساتذة فى " توضيب " الصفحة ووضع العناوين الملفتة للأنظار .. فنان أصيل ..

وقد اشتغل فى السوادى والزمان والمساء والجمهورية ..

وفى الزمـان كان معه عبد العزيز الدسوقى .. وعبد العزيز الدسوقى .. انسان نبيل الصفات .. وما شاهدته إلا باسما .. حتى فى أشد ساعاته انشغالا بالعمل .. باسما ومرحبا .. وهما خصلتان لا تجدهما إلا لمن تربى فى حضن الريف .. ونبع من عراقة وأصالة ..

فى الزمان عرفت عبد العزيز الدسوقى لأول مرة .. وظل مع نهجه وطبعه منذ عرفته .. يسعده أن يعطى أصدقاءه من كرمه وخيره ولا يأخذ ..

ولما رأيت بعـد ذلك بسنين أن أهديه مجموعة قصصية كان السبب فى نشرها ، لأنى بطبعى لا أتحرك لناشر .. وجدته قد رفع الإهداء دون أن أعلم .. وحال بينى وبين التعبير بالشكر عن كل ما غمرنى به من معروف ..

وفى جريدة الزمان كنت ألقاه هو وعاشور عليش .. وأشعر براحة كبرى مع أنى لم أتقاض طوال صدور الزمان مليما واحدا أجرا لقصة ..
ولكن كنت أحس بوجودى كأديب وكاتب قصة ..

وهما اللذان فتحا نفسى وقلبى للكتابة فى بكائر أيامى .. وما شعرت معهما إلا بالوفاق والتشجيع على مواصلة السير فى طريقى ..

وكان عاشور عليش بعد سكنه فى مصر الجديدة يسأل عن سبب انقطاعى كلما شعرت بالكآبة النفسية وتوقفت ، وما يزال بى حتى يجعلنى أتحرك من جديد ..

ولما قامت الثورة سنة 1952 كان عاشور عليش أول المتحمسين لها والمعجبين بها ، فألف كتابا سماه " القسم " كان طابعه وناشره ..

وخسر فيه الكثير .. ولكن حبه للثورة جعله ينسى الخسارة ..

وظل على نهجه وحماسته وقوة دفعه .. وكلما التقيت به دفعنى إلى الكتابة وأشعل فى قلبى الحماس والأمل إلى شىء جديد ..
وفى ضوء هذا الأمل نعيش ونكتب ..
=================================
نشرت فى مجلة الثقافة ـ العدد 83 ـ أغسطس 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================


(8)
ذكريات مطوية
أمين حسونة أول شهيد فى الحرب من الأدباء

بقلم محمود البدوى


التقيت بمحمود تيمور لأول مرة فى مقهى " رجينا " بشارع عماد الدين .. وهو المكان المختار للأدباء والفنانين وكان يجلس معه أمين حسونة وزكى طليمات .. وكنت أجلس مع صحبة من الأدباء الشبان فى زاوية من المقهى بالناحية الغربية ..

ومقهى " رجينا " يقع فى موقع جميل من الشارع على يمين المتجه إلى محطة مصر .. وقبل عمارات الخديو بخطوات قليلة .. وكان بديع التنسيق نظيفا تغطى موائده المفارش وتتخلل أركانه أصص الزهور ..

وكنا لا نتخلف عنه ليلة واحدة لجماله وطراوة هوائه وعلى الأخص فى الصيف فهو يستقبل الهواء من بحرى بسخاء ونعومة ..

وكانت الحركة الأدبية نشطة بل فى أوج نشاطها بما ينشر فى المجلات والصحف والكتب من فنون الأدب ..

***

وذات ليلة ونحن فى مجلسنا المعتاد بالمقهى .. رأيت إنسـانا أنيـق الملبس والمظهر يتحرك نحونا .. وقال طه عبد الباقى بسرور .. ينبهنا ..
ـ تيمور بك ..
ووقفنا وسلم علينا جميعا ..
وقال فى صوت هادئ واضح النبرات :
ـ أهنئك على كتابك " رجل " .. (وكنت قد أهديته له) ..
وأخص بالذكر قصة الأعمى .. أعجبتنى للغاية ..

وشكرناه ووقفنا بجانبه وكنا ثلاثة أكثر من دقيقتين نتحدث فى مجال الأدب .. ثم بارحنا ورجع إلى مكانه ..

وسألت طه فى استغراب :
ـ الرجل النبيل تحرك من مكانه بكل شهرته الأدبية ومكانته ليحيى شابا صغيرا .. ما أنبل هذا وأعظمه ..

فقال طه معقبا :
ـ الرجل العظيم هو أكثر الناس تواضعا .. ولو رجعت لسير العظماء فى التاريخ ما وجدت هذا يخل بمقدار شعره..

***

وكانت فرقة فاطمة رشدى تقيم حفلات نهارية كثيرة للطلبة بتذاكر رخيصـة .. فكنــا نذهـب إليهـا ونخـرج منهـا إلى المقهى مباشرة ..

وبعد قليل يقبل تيمور ومعه أمين حسونه .. وكان تيمور يطلع على كل جريدة ومجلة تصدر فى مصر والشام والمهجر العربى .. وكان المهجر فى ذلك الوقت يصدر مجلات وصحفا عربية متعددة .. وجميع هذه ترسل لتيمور على عنوانه المعروف للجميع والذى كان يثبته فى آخر صفحات كتبه ..

وكان تيمور يتصفح هذه المجلات وهو جالس فى مكانه من المقهى .. فإذا نهض تركها لمن يريد الاطلاع عليها من صحابه وجلسائه .. وكان أمين حسونه يتوق إلى معرفة أخبار المستشرقين وأحوالهم ودراستهم وله ولع شديد بهم .. فكان يتلهف على الاطلاع على ما فى تلك المجلات ..

وتيمور إنسان مهذب رقيق الاحساس ومجامل إلى أقصى درجات المجاملة ..

وكتبه تسيل سيولة وعذوبة وقد وصف الحياة فى المجتمع المصرى بروح الفنان الملهم .. وكان محمد تيمور الأخ الأصغر قصير العـمر قليـل الإنتـاج .. أمـا هو فقد امتد به الأجل وكتب الكثير ..

ويقول عنه د . سيد حامد النساج كمؤرخ أدبى متمكن قد يتخصص أن أسلوب تيمور تغير بعد دخوله المجمع اللغوى 1955 كعضو عامل .. وأصبح يعنى بانتقاء الألفاظ .. وبعض هذه الألفاظ كانت نافرة وأفسدت جو القصة ..

وكان تيمور يقيم مآدب فى محل الجمال بشارع عدلى .. حفلات شاى لتلاميذه ومحبيه .. وقد حضرت حفلة واحدة منها ..

كما كان كثير الإهداء لكتبه .. يهدى بمجرد التعارف مع الشخص ومعرفة ميوله الأدبية ..

والكتب المهداة لا تقرأ .. ولكنه لم ينقطع عن هذه العادة التى تأصلت فى نفسه ..

وندر أن كنت ألقـاه وحده فى الطريق حتى وهو يتجول فى الشوارع .. يترك عربته بجوار جروبى أو الجمال .. ثم يخرج ليتجول .. وكنت أجد فى صحبته دائما .. أمين حسونة .. ثم فوزى سليمان .. وأخيرا رستم كيلانى .. وأصبح رستم كيلانى من أشد المعجبين به ومن أقرب تلاميذه ومريديه ..

كما رافقه فوزى سليمان مدة طويلة فى جولاته الأدبية وسهراته فى المسارح ..

وكان تيمور الإنسان المؤدب المهذب الواسع الشهرة يجعل الكثيرين يستريحون إلى صحبته ..

وقد صاحبه أمين حسونة مدة طويلة .. وكان من أكثر الناس التصاقا به واعجابا بأدبه ..

وكان أمين حسونة موظفا فى مصلحـة السكك الحديدية ومسرورا بوظيفته فى هذه المصلحة لأنها تجعله يركب قطارات السكة الحديد فى أقطار أوربا جميعا مجانا .. ( كما كان يقول ) ..

وأمين حسونة يحب السفر وبسبب حبه للسفر لقى حتفه فى طائرة حربية .. وكان أول شهيد فى الحرب من الأدباء ..

ولقد لقيته مصادفة فى مركب يعبر البحر المتوسط وكان معه فوج سياحى يتجه إلى المجر .. عن طريق الدانوب .. فسر لذلك كثيرا وأننى مع الفوج ، ولكننى صححت له الوضع وقلت له أنى ماسافرت فى حياتى مع فوج من الأفواج قط .. وأنا أتحرك وحدى لأشاهد الناس عن قرب وأعيش معهم .. وليس لأشاهد المعالم والآثار .. وهى مقصد شركات السياحة فى الأعم الغالب .. وقال لى حسونة أنه سيحرص على مقابلة فرويد بالنمسا فى هذه الرحلة .. وكان فرويد فى قمة شهرته لنظرياته الجديدة عن السلوك الجنسى والأحلام مع دعاية مركزة من الصهيونية العالمية لكل ما هو يهودى .. وقد تصدى له أدلير وبونى فطمسا الكثير من نظرياته ..

وكان أمين حسونة يدخن " البيب " وندر أن تترك فمه ..

***

وعندما أنشئت جريدة الجمهورية .. وجدته ذات مساء .. جالسا فى الصــالة الكبـيرة المعــدة للمحررين وله مكتـب ، وفى فمه " البيب " .. وهكذا أصبح من محرريها ..

وكان له وله غريب بالمستشرقين ، وذات يوم طلب منى صورة .. وسألته :
ـ لمن ..؟
ـ للمستشرق المجرى جرمانوس ..
ـ وهل هو فى القاهرة الآن ..
ـ أبدا سأرسلها له بالبريد ..
وأعطيته صورة ونسيت الموضوع ..

ومرت سنوات .. والتقيت مصادفة بالأخ الكريم جبرائيل بقطر .. والذى ترجم لى عشرات القصص إلى الفرنسية .. وعلمت منه أنه مسافر إلى المجر .. فسألته :
ـ هل تستطيع مقابلة المستشرق المعروف جرمانوس ..؟
ـ أستطيع طبعا ..
ـ سمعت أنه ينوى عمل كتاب .. عبارة عن دراسة شاملة للأدب العربى .. فأرجو إن كان الكتاب قد صدر فعلا أن تأتينى بنسخة منه ..

***

وعاد .. جبرائيل بقطر من المجر وحمل لى نسخة من الكتاب فى أجمل طباعة .. وعليها توقيعات بالعربية من العقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين ومحمود تيمور وباكثير .. وتصفحت مافى الكتاب من صور ، فأنا لاأعرف المجرية .. ووجدت به صورا للعقاد وتوفيق الحكيم .. وطه حسين .. وعبد الغنى حسن .. وتيمور .. ونجيب محفوظ .. والسحار .. وباكثير .. وصورة لى أنا أيضا ..
ومن الغريب أننى لم أجد صورة لحسونة فى هذا الكتاب ..

ومات حسونة المسكين .. وكتم خبر موته ، لأنه مات فى طائرة حربية .. ثم تسرب الخبر كما تسرب الأخبار الميتة .. بعد أن تكون قد فقدت كل قيمة لمضمونها ..

وكان أديب الإسكندرية نقولا يوسف يحب حسونة حبا جما .. وعلى صلة وثيقة به وبأسرته .. ولا أدرى أوفاه حقه كصديق .. أم غفل عن ذلك وطواهما الزمن معا ..

=================================
نشرت فى مجــلة الثـقافة ـ العــدد 88 ـ ينــاير 1981 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================


(9)
ذكريات مطوية
محمود يوسف قمة الصفاء فى الإنسان
بقلم محمود البدوى

كان محمود يوسف يحرر عمودا انسانيا فى موضع ثابت من جريدة المصرى اسمه " شموع تحترق " وفى هذا العمود كان يفيض من انسانيته ، وما فى قلبه من ينابيع الخير على القراء .. وكانت الرسائل التى ترد إليه باكية وحزينة ودامية .. وقد احترقت شموع أصحابها ، ويحاول محمود يوسف بكل مشاعره ونبض قلبه ، أن يمسح عن هذه القلوب الباكية أحزانها ، ويرد لهذه الشموع المحترقة نور الحياة ..

وعندما انتقل محررا بجريدة " الشعب " نقل معه هذا العمود بكل مافيه من نبض الحياة ..

وكان عبد الرحمن الشرقاوى يشرف على الصفحة الأدبية فى هذه الجريدة الجديدة " الشعب " فطلب منى قصة .. وكنت أكتب فى ذلك الوقت وأنشر قصصا بصفة منتظمة فى مجلات دار أخبار اليوم " الجيل " ومعى الكاتب القصصى سعد مكاوى .. ولكن لم أستطع رد طلب عبد الرحمن لمكانته الأدبية وموضعه من قلبى ..

وكان سـعد مكاوى قد انتقل بدوره وأصبح محررا فى جريدة الشعب أيضا .. وبدأ العدد الأول من الجريدة بنشر قصة له .. ونشرت أنا قصة مثلها فى العدد الثانى .. وهكذا أخذت أنشر فى الشعب ..

ووسع عبد الرحمن الشرقاوى من دائرة الكتاب فى الصفحة الأدبية ، فأخذ ينشر فيها عبد الحليم عبد الله .. وسعد حامد وغيرهما ..

وفى جريدة الشعب التقيت بمحمود يوسف لأول مرة وقربنى منه الصفاء الذى وجدته فى معدنه .. وكلما مرت الأيام ازددت منه ألفة وصحبة ..

ونشرت فى الجريدة قصة ، أصف فيها البطلة فى موقف من مواقفها " بأنثى الأسد " .. فأهاج ذلك القارئات والمصونات منهن على الأخص ، فوجدت عاصفة وأنا داخل فى الجريدة .. وتلقانى محمود يوسف ومحمود حنفى ( منفذ الصفحة ) بابتسامة متألقة .. وطيبا خاطرى .. كما وجدا الامتعاض على وجهى من ذلك الهياج الذى لا مبرر له ..

وعلمت أن محمود حنفى " المسئول " دافع عن الكلمة بحرارة .. وطلب من المعترضات أن يأتين بكلمة بديلة تعبر عنها فى مثل دقتها ، فعجزن .. فالساقطة والمنحرفة والشهوانية .. كل هذه الكلمات لها معنى آخر .. لا تعبر عنه الكلمة التى نحن بصددها وما لازمها من وصف فى القصة ..

وفى أثنـاء هذه العاصفـة دخلـت علينـا شـابة اوربيـة اسمها " فرجينيا " .. وكانت تبحث فى الجريدة عن محمـود يوسف .. فدلوها على مكتبه .. وجاءت مفترة الثغر متألقة .. وكانت فى الثانية والعشرين من عمرها جميلة ومنطلقة على عادة الغالبية من الأوربيات فى مثل هذه السن ، وهذا العصر ..

وجلست " فرجينيا " تضحك مع محمود يوسف .. وكانت قد قابلته قبل ذلك مرارا فى دار الكتب .. لأنها تعد دراسة عن بعض الأدباء المصريين ووجدت فى دار الكتب خير عون لها ..

وحدثها محمود يوسف عنى .. ولم أكن أنا فى قائمة من تعد عنهم بحثها .. فصرفتها عنى بلطف .. وبعد ذلك بيومين وجدتها فى مكتب محمود يوسف .. وكانت الليلة من ليالى القاهرة الحارة ، فخرجنا نحن الثلاثة لنتعشى عشاء خفيفا فى مطعم بشارع " الفى " وطلبت هى زجاجة من البيرة .. وحاولت بكل إغراء الأنثى أن تعطى محمود يوسف نصف كوب .. ولكنه رفض بإصرار .. فرفعت " فرجينيا " الكوب إلى فمها .. وهى مبتئسة .. وعاش محمود يوسف تقيا نقيا مذ عرفته ولم يضع قطرة من الخمر فى فمه ..

ولما كانت " فرجينيا " تستعين به فى بحثها الأدبى ، فإنها كانت تلاقيه يوميا .. ثم انقطعت عنه فجأة وسأل عنها فى البنسيون الذى تنزل فيه فلم يجدها .. فتصور أنها معى .. وسألنى عنها .. فقلت له أنى ماقابلتها إلا معه .. وهى لاتعرف لى محل سكن .. وربما نسيت اسمى .. فأخذ كلامى بين مصدق ومكذب .. ولكنه ظل معى صافى النفس ودودا .. مع أن الدلائل كانت تحدثه بأنى قابلتها وأكتم خبر مقابلتها عنه ..

وفجأة ظهرت " فرجينيا " فى جو القاهرة .. وبدت مكتئبة وصامتة على خلاف طبعها المرح .. واستطاعت السيدة التى تنزل عندها أن تعرف سر اختفائها وسبب اكتئابها .. فقد سافرت " فرجينيا " إلى مرسى مطروح برفقة شاب أحبته وقضت معه عشرة أيام هناك .. ثم رحل عنها الشاب إلى فرنسا ..

وانتقل محمود يوسف من دار الكتب إلى المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية .. انتقل فى أول تكوينه .. وكان هو وزكى غنيم .. من الأعمدة الثابتة الأركان التى قام عليها المجلس ، فهما يعرفان كل خصائصـه ومقومات تكوينه ، ويرجع إليهما فى دقائق الأمور ..

كما أن محمود يوسف كان ركنا هاما وحيويا وافر النشاط دائب العمل فى لجنة القصة بالمجلس .. وابتدأ فيها كسكرتير لها .. وكانت فى أيامه فى أوج نشاطها .. وأثرها فى المحيط الأدبى ملموسا ..من حيث الكتاب الأول لشباب الأدباء والجوائز التى تمنح لهم ..

وهو مع زملائه فى العمل مثالا حيا للطيبة ونقاء النفس وطيب العشرة ولا أذكر أنه كانت هناك جفوة بينه وبين زميل ..

وفى الجوائز التشجيعية كان صوته هو الذى يميل الميزان ..

ولا أذكر فى حياتى الطويلة معه أن أحدا استطاع أن يثيره ، أو يعكر مزاجه الصافى .. وكان يلاقى الناس بالابتسامة والمحبة النابعين من القلب ..

وعندما كان يرشح نفسه لعضوية جمعية الأدباء أو نادى القصة أو اتحاد الكتاب ، يفوز فوزا ساحقا .. والجميع يستغربون هذا الفوز مع أنه لم يتحرك لبذل جهد انتخابى ، بل يظل من بعيد متواريا فى الظل يرقب المعركة ، وهو واثق من الانتصار لأنه يجمع حوله كل هذه القلوب ، ويحتويها بانسانيته الصافية وجهده فى معاونة الناس ..

ولا أذكر أن أحـدا طلب منه خدمة ولم يقطع النفس فى سبيل انجازها ..

لقد أثرفى نفسه العمود الذى كان يكتبه فى جريدة المصرى واستغرق تفرغه لخدمة الناس كل كيانه . وما رأيت أحدا تدمع عيناه ، ويصيب قلبه الوجـع ، لبلوى تصيب إنسان لايعرفه ، ولا تربطه به صلة ، مثل الذى كنت أراه فى عينى وقلب محمود يوسف ، وهو يتوجع ويتألم لما يصيب الناس من بلوى ..

وكنت كثيرا ما أراه مكتئبا مفجوعا .. وفى عينيه الحزن .. ثم أعرف أن سبب ذلك تصوره أنه آلم شخصا دون قصد منه ..

وبالرجوع لحقيقة الأمر أعرف أن هذا التصور وهم خالص ..! وأنه مابدرت منه أذية ، ولا شبهها لذلك الشخص ..
نفس شفافة نقية عاشت فى جو لم تخلق له ..

وكان محمود يوسف وثيق الصلة بثروت أباظه وبينهما حب وصداقة اشتدتا مع الأيام .. وكان ثروت كثير الدعابة له أثناء عملنا فى اللجان .. ولا يرد محمود يوسف على هذه الدعابة إلا باحمرار وجهه .. وأحيانا يجأر بصوته الجهورى .. ونسمع كلاما يغرقنا فى طوفان من الضحك ..

وكان ثروت يعتمد عليه اعتمادا كليا فى نادى القصة واتحاد الكتاب لأمانته فى عمله واتقانه له ..

وفى دار الكتب كنا نقرأ .. الأغانى .. وعيون الأخبار .. وتاج العروس .. وصبح الأعشى .. والمفضليات وأخبار النساء .. والعقد الفريد .. والبيان والتبيين .. والحيوان .. وأمالى القالى .. وأدب الدنيا والدين .. ومروج الذهب .. ومعجم الذهب .. ومعجم الأدباء .. وغير هذا .. وغير هذا ..

والعرب بعد زحفهم فى الأمصار واختلاطهم بالروم والفرس لم يتركوا شيئا لم يدونوه فى كتبهم .. فقد كتبوا عن الفلك والنجوم والنبات والحيوان .. كمـا كتبوا فى الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع .. وبدأ عصر التدوين الذهبى فى القرن الأول الهجرى .. ثم انسالت المعارف والعلوم كالبحر الزاخر فى كل فنون الحياة ..

وكان محمود يوسف يقول لى قد تعجب إن علمت أن أدق الخلجات النفسية والحسية ، فى العلاقة التى بين الرجل والمرأة دونها العرب فى كتبهم بدقة وعلم يجلان عن الوصف ..
وفى كلامه الصواب كله فلا جديد تحت الشمس ..

ومن هذه الذخيرة وهذا النبع المتدفق كان محمود يوسف يكتب " قال الفيلسوف " ..

وكان البرنامج فى الإذاعة جميلا .. وأخاذا وبليغ التعبير وحسن الصياغة .. وطيب الوقـع فى نفس كل مستمع مهما كانت درجة ثقافته ..

وقد استغرقت الإذاعة محمود يوسف فى أيامه الأخيرة فصرفته عن طبع وإعادة طبع الكثير من مؤلفاته ..

فلعل المجلس الذى عمل فيه وأفنى عصارة حياته .. لعله يتولى طبع هذه الكتب ..

كما أن من واجب الدولة التى خدمها باخلاص وأمانة أن ترعى السيدة أرملته .. وتوفر لها معاشا استثنائيا يليق بأرملة كاتب كبير وإنسان .. عاش حياته يخدم المستضعفين من الناس ..

شغل محمود يوسف فى أيامه الأخيرة بعلاج عينه التى ضعفت من كثرة القراءة والبحث فى المراجع ، وحددت له عملية جراحية فى عينيه يوم 12/1/1981

ولكن القضاء سبقه بعملية أخرى أراحته من كل العمليات التى يقوم بها البشر ..

=================================
نشرت فى مجلة الثقافة ـ السنة الثامنة ـ العدد 89 ـ فبراير 1981 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================

(10)
ذكريات مطوية
الشيخ صالح الأديب ودستويفسكى العظيم

بقلم محمود البدوى

كان الشيخ صالح أستاذنا فى اللغة العربية فى مدرسة أسيوط الابتدائية ، وكان هو الذى يعطينا حصة الدين .. وفى حصة اللغة كان شيئا عاديا ومألوفا كغيره من الأساتذة الذين يدرسون اللغة .. ولكنه كان فى حصة الدين شيئا آخر يختلف عن الآخرين ..

كان فى حصة الدين يقص علينا السير .. بأسلوب أخاذ فى استفاضة وتطويل .. وكنا ننصت إليه خاشعين لطريقته فى الشرح .. وهو يبسط ذراعيه ويضمها طبقا لمقتضى الحال ..

ومنه أخذنا نقرأ ونرجع فى شوق ولهفة إلى كل ما كان يشير إليه من هذه السير ..

***

وفى المدرسة السعيدية .. كانت توزع علينا .. ونحن فى الدرس .. وقد يكون درس هندسة .. الكتب الأدبية .. فى أجمل ثوب من الطباعة والتجليد .. مسرحـيات شـوقى .. أدب الدنيا والدين كليلة ودمنة .. المنتخب من أدب العرب .. قادة الفكر ..

وكان الشيخ شتا .. وهو شيخ مع لبسه البدلة .. يجعلنا ننتقد أساليب الكتاب المعاصرين .. وانتقدنا أسلوب طه حسين .. وأنه كثيرا ما يطيل حيث يتطلب الأمر الإيجاز ويكثر من المترادفات ويستعمل لفظة غليظ فى إسراف .. وتبسم الشيخ شتا .. وقال لنا إن لفظة غليظ موجودة فى القرآن " عذاب غليظ " فقلنا له إن الوصف فى القرآن هو أدق وأبلغ موضع .. ولكن الأمر يختلف مع طه حسين .. لذلك اللفظ ..

وكان الشيخ طموم يجعلنا .. نكثر من قراءة كليلة ودمنة حتى إننا من كثرة معاودتنا له حفظناه .. وما من كاتب فى الدنيا فى بلاغة ابن المقفع ..

وفى البكالوريا .. كانت مقررة علينا مسرحية بالإنجليزية .. نحـب حيـاة " إبراهام لنكولن " وقد وجدنا فيها ما حببنا إلى الرجل بصفاته العظيمة .. وأخذت أقارنه " بعمر ابن الخطاب " والقياس مع الفارق بالطبع .. فعمر قمة القيم فى المخلوقات البشرية بعد الأنبياء والرسل ..

ولكن خط حياتهما واحد .. عدل .. وصراحة .. ونظام .. وتقشف إلى درجة التصوف .. فى الحياة الخاصة .. ووقوف فى وجه الظلم .. واستضعاف الإنسان لأخيه الإنسان .. الفقير والضعيف عند عمر .. والعبيد فى الجنوب عند لنكولن ..

ثم موت كل منهما بالاغتيال .. خنجر هناك فى المسجد ورصاصة هنا فى المسرح ..

***

وفى دراسة قيمة عن الأسلوب بالجامعة المصرية فى أوائل مراحل تكوينها ، سألنا الأستاذ ولا داعى لذكر اسمه وقد نسيته .. لأنه كان يتملق طه حسـين .. وكان طه حسين وقتها عميدا لكلية الآداب بالجامعة ..

سألنـا الأستاذ بعد استعراضه لكلمة " بوفون " الخالدة .. " الأسلوب هو الكاتب " ..

سألنا عن أجمل الأساليب فى الكتاب المعاصرين .. وكانت الغالبية من الطلاب خارجة من معطف " المنفلوطى " وعباءة الزيات " فقلنا المنفلوطى والزيات .. والمازنى .. والعقاد .. وصادق الرافعى ..

وظهر على وجهه الامتعاض وهو يسأل :
ـ وطه حسين ..؟

فأجبنا .. بأننا لم نقرأ له بالدرجة التى تجعلنا نحكم على اسلوبه ..

وفى إجابتنا كل الصدق .. فقد كان المنفلوطى .. والزيات .. والمازنى .. والعقاد .. وصادق الرافعى .. هم بلغاء العصر فى نظرنا .. وأسلوبهم فى التعبير هو أجمل وأرق الأساليب ..

***

وبهذا التوهج والحب للكتاب والأدب .. انتقلنا من مرحلة الدراسة الابتدائية .. التى كانت المنبع لحب الكتاب إلى دار الكتب المصرية بباب الخلق .. لنتزود بالمعرفة وتتسع الآفاق فى البحث والدراسة ..

فما الذى حدث للكتاب .. سحابة مظلمة زحفت عليه وكادت تحجبه عن العيون .. وكيـف تعيش أمة من غير أدب .. ومن غير كتاب .. ان الكتاب هو الزاد الروحى للأمة .. وهو الرئة التى تتحرك وتتنفس فى حياتها .. فكيف نمنع أمة من التنفس ..

منذ سنوات طويلة .. وضعت قيود متحكمة على جلبه وتصديره .. كأنه سلعة ممنوعة .. وحجبت عنا وانفصلنا عن كل روائع الابداع فى الأدب والقصة والفكر الإنسانى ، وقد خففت القيود الآن ونرجو أن تزال نهائيا ..

وقد حاول " بدر الدين أبو غازى " وكان فى موضع يتيح له التصرف رفع بعض هذه القيود .. ولكنه لم يوفق مع كل حسه الأدبى وتعاطفه كفنان ، لأن الضغط الروتينى الفوقى كان مستحكما ..

وازدهر الكتاب .. وعم الأسواق فى عهد " عبد القادر حاتم " لأنه أديب وبحسه الأدبى كان يتصرف كإنسان ويعرف قيمة الكتاب بالنسبة لأمة ناهضة .. قد تعثرت كثيرا فى حياتها بسبب الاستعمار .. وتريد الآن أن تسترد مكانتها كأمة عريقة ذات حضارة ..

ولو استعرضت حياتنا وتاريخنا .. لوجدت باليقين أن الإنسان الذى له ميول أدبية .. هو الذى يتسم بالصفات الإنسانية التى تسيطر على حياته .. ولا يستطيع مهما حاول أن يتخلص منها .. ولأن " أنور السادات " أديب قبل أن يكون حاكما .. اتجه إلى الأرامل .. وإلى معاش السادات .. اتجه إلى المستضعفين الذين لاحول لهم ولا قوة .. والذين فرغوا من تعب الحياة ..

اتجه إلى ذلك بقلبه وبلمسته الإنسانية .. لأنه يعرف معنى التعب والجوع ..

وقد يقول قائل ان ذلك من عمل الأجهزة المختصة ، فأقول له وأين كانت هذه الأجهزة عندما كانت تخصم ربع المعاش المستحق لهؤلاء المساكين وتجعله من حق الدولة ..!!

كما يقول قائل .. ان المعاشات تزاد تلقائيا طبقا لجدول مرسوم فى كل الدول المتحضرة .. السويد والنرويج .. وانجلترا .. و .. و .. وأقول له لسنا كهذه الدول فى كثير من الأمور ..

وان السادات هو أول من فكر فى هؤلاء الناس .. وبحسه الأدبى ولمسته الانسانية نفذ فكرته ..

وبالأدباء والفنانين .. عاشت الأمم وانتصرت على كل مظاهر التخلف ..

والأدباء هم الذين مهدوا للثورات الاجتماعية فى كل عصور التاريخ .. ورفعوا الظلم والاضطهاد عن الإنسان ..

فقد مهد الأدباء وكتاب الرواية والقصة فى مصر ، وغالبيتهم من طبقة الشعب لثورة 1919 وثورة يوليو 1952 .. مهدوا لثورة 1919 بما واجهوا به الاستعمار الإنجليزى فى كتاباتهم وشخصيات أبطالهم ، وألهبوا الحماس وغرسوا بذور المقاومة والنضال حتى اندلعت ثورة 1919 ..

كما أنهم بما صوروه من تسلط الاقطاع وبؤس حال الفلاح فى القرية والعامل فى المدينة .. وما يتعرض له كل واحد منهما من تمزق وضياع نتيجة للفساد .. قد مهدوا السبيل .. وهيئوا النفوس لثورة 1952 ..

وفى فرنسا مهد " فولتير " و " روسو " و "سواهى " للثورة الفرنسية وغير هؤلاء وجه المجتمع الفرنسى ، وكان تأثيرهم على أوربا عامة .. وانتصروا لخير الإنسان ..

ودافع " سارتر " مع تذبذبه بين العرب واليهود .. دافع عن الاستعمار الفرنسى فى الجزائر .. وكتب " عارنا فى الجزائر " ..

وكان لما صوره " دكنز " من قذارة فى حوارى لندن وأزقتها .. وبؤس الصبيان فى الملاجىء .. والفقر والضنك والتشرد الذى يعيش فيه الفقراء من الإنجليز فى الاحياء المظلمة من هذه المدينة ..

كان لما صوره دكنز الاشارة التى انطلقت لتغير وجه الحياة فى لندن وانجلترا كلها تغييرا تاما جذريا ..

كما صور " د . هـ . لورنس " حال عمال المناجم ..

ودعا إلى العودة إلى الطبيعة .. وإلى الهواء الطلق والنور ..

كما دعا " روسو " .. قبله .. وهاجم الصناعة بعنف التى تقتل فى الانسان روحه كبشر .. وتحيله إلى آلة صماء فى يد من يدير المصنع ..!

وفى أمريكا عالج " فولكنر " و " ارسكين كالدويل " و " جون اشتينبك " بؤس السود فى الجنوب وتعصب البيض وما يحيق بالنساء السود من عذاب واغتصاب ..

وعالج " همنجواى " مآسى الحرب وما تجره على الإنسانية من ويلات واشترك فيها بلحمه ودمه ..

اشترك فى الحرب الأهلية فى أسبانيا .. وفى الحرب العالمية الثانية .. وطار إلى أفريقيا .. وصور عذاب الإنسان فى كل مكان ..
والمرأة عنده هى الضحية الأولى لكل دمار ..

كما مهد جوجول .. وتولستوى .. وتشيكوف .. وجارش .. وغوركى .. لتغيير وجه الحياة فى روسيا ..

وكان " تولستوى " عظيما فى كتبه وحياته ..

وتقدر رواية الحرب والسـلام من أعظم رواياته .. وكذلك .. البعث .. وأنا كارنينا .. وفى هذه الروايات يصل إلى أعماق النفس البشرية .. ويصور كل نوازعها الخيرة والشريرة ..

كما استخرج من الحرب روحها الهمجية .. ومن السلام أمنه وخيره ..

وعاش إلى آخر أيام حياته يفكر فى حال الفلاحين المساكين بقلب الفنان وروحه .. ثم وزع عليهم أملاكه الواسعة .. وهنا جاءت نهاية المأساة ..

ثم " دستويفسكى " ذلك الكاتب العملاق العظيم مؤلف الجريمة والعقاب .. والأخوة كارامازوف .. وبيت الموتى .. ولقد لقى العذاب فى حياته .. عذاب الصرع .. وعذاب حكم الاعدام .. وعذاب النفى إلى سيبيريا ..

وعذاب من عاشرهن من النساء .. المتقلبات الميول والأهواء ..

ولاحقه العذاب حتى بعد موته .. حاولوا وأد كتبه .. ومنعها عن القراء .. ثم شعروا بالخجل لما وجدوها أصبحت تترجم من الروسية وتقرأ فى جميع أنحاء العالم على نطاق مذهل ..

ودستويفسكى .. هو أول من اكتشف بحاستة السادسة وبصيرته ونظرته العميقة إلى داخل النفس البشرية .. أول من اكتشف أن المجرم يعـود إلى مكان الجريمة .. وهذه النظرية العلمية اكتشفها بعده العالم " لامبروزو " بعشرات السنين ..

ثم " تشيكوف " فى قصصه القصيرة .. الذى نفذ إلى أعماق النفس البشرية وتأثر به كتاب العالم أجمع فى واقعيته وتصويره لحياة الناس البسطاء الذين لايفكر فى مصيرهم أحد .. ولا فى عذابهم إنسان ..

ولقد ذهب إلى جزيرة " سخالين " وعاش فيها مدة طويلة لعصور ويشاهد حياة هؤلاء البسطاء التعساء عن قرب ويلمس جراحهم ..

وكان " مكسيم جوركى " القصاص العظيم فى الذروة من هؤلاء فى عبقريته وتأثيره على كتاب العالم أجمع ..

ولقد أثر هؤلاء الكتاب فى حياة الشعب الروسى ومهدوا لكل ثورة وتغيير اجتماعى ..
كما أثر غيرهم فى كل بقاع العالم ..

فالكتاب هو المصباح بعد كل ظلمة .. وهو النور الخالد والباقى على الزمن ..

ويجب أن يعود الكتاب فى مصر كما كان رخيصا وأنيقا ..
وذلك ليس بحلم بعيد المنال ..
====================================
نشرت فى مجلة الثقافة ـ السنة الثامنة ـ العدد 93 ـ يونية 1981 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2006
====================================
(11)
ذكريات مطوية
القلق النفسى والابداع
بقلم محمود البدوى

كان الممثل الألمانى أهيل جاننز .. يعيش فى دوره إلى درجة أذهلت العالم .. كان يتقمص الشخصية التى سيمثلها ويعيش فيها بكليته وجزئيته .. فى غدواتهـا وروحاتها وفى أكلها وشربها وفى نومها وصحوها .. وفى درجة صوتها فى النطق وأسلوبها فى التعبير .. وطريقة معاملاتها مع النـاس .. وفى كل حركـة تصدرها فى البيت وخارج البيت ..

وقد رأيت هذا الممثل يمثل دور سائق قطار بعد عذاب الأسر فى الحرب .. وقد انخلع عقله وحسه تماما من تعذيب الأسر .. ومع ذلك أجبروه على أن يسوق القطار .. لأن هذه كانت مهنته فى موطنه ..

وانقطع هذا الممثل الجبار الذى لم يأت قبله ولا بعده ممثل فى مثل عظمته .. انقطع عن التمثيل عندما خرجت السينما الناطقة .. وصرخت بصوتها .. انقطع لأن صوته لايتلاءم معهـا ، ويقلل من عظمته فى الأداء ..

وجاء بعده " جارى كوبر " وقد صمد هذا للسينما الناطقة وكان مذهلا ورائعا فى أدائه ولا تتصور قط وأنت تشاهده أنه يمثل .. وعندما طواه الردى ، رثاه وقيمه رئيس دولته " جون كنيدى " بكلمة بليغة نشرت فى مجلة أمريكية ، كلمة لم يكتب مثلها أديب .. أبرز فيها كل خصائص هذا الممثل كعبقرى عديم النظير ..

ويعيش الآن " مارلون براندو " فى القمة من هذه العبقرية بعد تمثيله فى " الأب الروحى " ..

وعندنا ممثلون كبار جدا ولايقلون عن هؤلاء فى الاتقان والتفوق ودرجة العبقرية .. وعلى رأسهم " محمود المليجى " ولكن الكثير من القصص التى يمثلون فيها تطمس عبقريتهم .. لحشوها بالافتعال والتفاهة وخطب الوعظ ..

وتظل الصورة الكئيبة عالقة بذهن المشـاهد أكثر من الصورة الجميلة ..

وما يحدث للممثل عندما يتقمص شخصية بطل الرواية .. أو أية شخصية ثانوية فيها .. يحدث للكاتب نفسه وهو يخلق هذه الشخصية ..

وأقول هذا لما يعانيه الكاتب من المشقة والتفرد والاستغراق .. وهو يخلق أبطال روايته .. فهو يعيش معهم ويسايرهم فى حياتهم .. كما يسايرونه ويستغرقون كل طاقته ..

وبعض القصص تجعلنى أعيش فى ذهول تام وغفلة عن كل ما حولى ، لصراعى مع هذه الشخصيات وخشيتى ألا تكون مطابقة للواقع الذى أعيش فيه وأكتب له ..

ومن العجب أننى عندما أتحرك فى شوارع القاهرة وأنا على هذه الحالة من الذهول أجد من يستوقفنى ويسألنى عن إسم شـارع أو متجر أو شركة هندسية ..

وأقول فى نفسى .. لماذا هذه الغباوة .. ألا تلاحظ ذهولى وتسأل غيرى أحسن لك ..؟ وبعضهم سألنى ذات مرة عن " باب البحر " فأشرت إليه وأنا مغتاظ إلى ناحية " روض الفرج " لأنه لا يوجد بحر إلا هناك ..! وأهل القاهرة يسمون النيل البحر ..

ومن العجب أننى كنت أسير فى " باب البحر " نفسه ولا أعرفه ..

ويكثر السؤال من النساء .. وهذا معقول لأنهن يتخيرن كبار السن دفعا عن الشبهة وعن عيون المارة المراقبة فى فضول ..

وسألتنى واحدة منهن عن سوق الخضار الذى فى العتبة .. وكنت فى ميدان الأوبرا ، فاضطررت أن أتحمل العذاب وأسير معها إلى السوق نفسه .. لأنها كانت ريفية جميـلة ومن السهل أن تقع فى يد قناص من أشرار الشوارع .. والقـلق وصراع النفس همـا اللذان يحركان الأديب ويدفعـانه إلى الابداع ..

والقلق هو الذى دفـع " جاك لندن " إلى الابداع .. فالطفولة البـائسة والتشرد وركوب البحار .. خلقت كل هذه الأعمال العظيمة ..

وعندما اغتنى وأصبح يعيش من ريع أملاكه فى " كاليفورنيا " وبنى له قصرا .. وكف عن التجوال وركوب البحار كف عن الكتابة ..

وكذلك الحال مع العبقرى " الفرد ادجار الن بو " .. فالقلق والمرض وطابع الكآبة .. جعلته يعيش فى دوامة من الصراع مع هذه الحياة .. ويصور بطريقة فذة كل ما فيها من غرائب ..

وكان يحب المرأة ومسرفا معها فى العذوبة .. ومع أن أمه " كانت ممثلة " هربت مع والده قبل الزواج وتزوجها بعد ذلك .. ولكنه لم يكتب سطرا واحدا يخدش حياة امرأة ..!

ولكن القلق .. قضى على " اسكار وايلد " والسجن قبره إلى الأبد .. لأنه عبقرى مرهف الحس .. وكان يعيش قبل السجن فى نعيم مقيم .. فلما سجن أحس بضآلة الحياة وضآلة من يكتب لهم .. وانتهى تماما ..

والقلق والسجن لم يقضيا على " العقاد " بل بدأت عبقرياته مع القلق .. عندما شرع فى كتابتها وهو فى السودان .. وكان فى قلق من وقوعه فى قبضة الألمان .. وكانوا قد دخلوا " العلمين " وأصبحوا على مشارف الإسكندرية ..

وبدأ " محمود تيمور " حياته الأدبية من " درب سعادة " ..

وكان المازنى مبالغا فى وصف حالة أسرته بعد وفاة أبيه .. ولكن قلقه كان نابعا من فيض نفسه وليس من عسر مادى ..

فقد عمل فى أول عهده بالوظيفة بعد تخرجه مدرسا .. وأجر المدرس كان طيبا ومع مستوى المعيشة فى ذلك الوقت من الزمان .. ثم صحفيا من كبار رجال الصحافة وأعلامها البارزين وما تقاضاه من راتب كان يغنيه بالطبع عن كل عسر مادى .. ولكن قلقه كما قلت كان نفسيا ..

وشوقى أعظم شعراء العرب بعد المتنبى .. فتح عينيه وهو فى المهد على الذهب يلمع ويترجرج أمامه ..

وظل يعيش فى نعيم ومع ذلك أبدع وحلق ..

ومرت سنوات النفى فطواها فى يسر .. وعـاد يتمرغ فى النعيـم كما كان .. فمن أين جاءه كل هذا الالهام المغرد فى وادى عبقر .. هل هو شىء نشز وخرج عن حلقة الابداع .. أم هو شىء ساد مع فطرة العبقرية ولكننا لا نعرفه .. لأننا لم نكن على قرب منه ..
=====================================
نشرت فى مجــلة الثقـافة ـ العــدد 96 ـ سبتــمبر 1981 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2006

=====================================
(12)
ذكريات مطوية
بقلم محمود البدوى

وقع فى يدى كتاب عن حياة دستويفسكى بمناسبة مرور مائة سنة على وفاته .. فقد توفى فى عام 1881 ..

والكتاب دورة نفسية عن حياة هذا الكاتب العظيم وارتباطها الوثيق بمؤلفاته ..

فمن قرأ المؤلفات ، قرأ حياة هذا الأديب الفذ .. دون الرجوع إلى أى مصدر آخر من مصادر المعرفة والتقصى ..

ومن العجيب أنه مع عزوف دستويفسكى عن كتابة الرسائل لانطوائه وفرديته .. فإن هذا الكتاب زاخر برسائل دستويفسكى الملتهبة إلى أخيه وزوجته وأصدقائه .. ثم إلى الامبراطور نفسه ، يلتمس منه العودة إلى " بطرسبرج " بعد نفيه ليعالج من مرضه كما يلتمس منه الأمر بوضع ابن زوجته " بول " فى كلية بطرسبرج على حساب الدولة ، وساءلت نفسى بعد قراءة الكتاب .. هل يستطيع كاتب عربى أن يكتب عن حياة مؤلف يعرفه بهذه الدقة والافاضة والصراحة ..؟

ولقد فقدنا منذ أشهر قليلة .. فوزى العنتيل ثم صـلاح عبد الصبور ..

فهل يستطيع أمين ريان أن يتناول حياة فوزى العنتيل فى كتاب .. وأمين ريان صديقه وألصق الناس به عن قرب ..

وهل يستطيع فتحى الابيارى الصديق الأوحد لصلاح عبـد الصبور .. أن يكتب عن هذا الشاعر الفنان بصدق واخلاص .. ويستوفى على الغاية من دقة البحث والسرد ..

هل يستطيع هذان الأديبان فعل ذلك ..؟! أم أن فى حياة الأديب الشرقى من الغموض طبقا لطبيعة المجتمع ، ما لا يمكن الافصاح عنه والغوص فيه ..

ولقد جاءت كاتبة أجنبية انبهرت بما كتبه أستاذنا يحيى حقى أثناء عمله فى منفلوط .. وأرادت أن تزور الموقع والمكان .. وتلتمس أنفاس الحياة فى منفلوط .. وترى وجوه الناس وتعرف كنههم ومشاعرهم .. فوقعت بزيارتها فى تخبط عجيب .. وعدم فهم لعمق الحياة المصرية .. وأخذت بالظواهر فى نظرة سريعة خاطفة .. كأنها عدسة كاميرا ..

ومن سوء الفهم أنها وصفت أسرة مصرية نزلت ضيفة عليها بالتخلف .. مع أنى كنت جارا لإنسان فاضل وكريم من هذه الأسرة فى شارع محمد رمزى بمصر الجديدة .. كنت جارا له لمدة عشر سنوات متصلة .. وكان هذا الجار مثالا للمروءة الصعيدية والكرم القبطى الأصيل ..

وكان الأخ الأكبر الذى وصفت السيدة الإنجليزية بيته فى منفلوط بالبخل والتخلف وما يشبه الفقر يجىء إلى زيارة أخيه فى مصر الجديدة فى عربة شفروليه فى وقت لم تكن فيه عربة واحدة فى الحى كله ..

***

وكثير من الأجانب الذين كتبوا عن حياة بعض رجال السياسة عندنا وقعوا فى هذا التخبط ، وأصبحت كتابتهم مضحكة .. فهم لا يفهمون عمق الحياة المصرية .. ولا يمكن أن يصلوا إلى جذورها ..

وتصبح كتبهم أشبه بالكتب التى تصدرها مكاتب الاستعلامات فى العالم .. مجرد دعاية رخيصة ليس فيها حقيقة واحدة ..

***

عندما فكر الناقد الفنان محمد قطب مع بعض من زملائه فى نادى القصة فى إخراج عدد من المجلة من مؤلفاتى .. توقف الصديق محمد قطب عند قصة القطار الأزرق طويلا ـ وكانت القصة قد نشرت فى العدد الأول من مجلة الثقافة ـ وربط محمد قطب بدهاء وبصيرة بينها وبين قصة الغجرى فى كتاب " الظرف المغلق " وكل واحدة منهما تكمل الأخرى وهما عن شخص واحد وبطل واحد ..

وأراد محمد قطب أن يجعل من القصتين صورة من حياتى .. ولقد ضحكت وسررت جدا لأن القصة أصبحت من الصدق والواقعية إلى الحد الذى يتصور كل من قرأها أنها حدثت فعلاً .. وهذا منتهى التوفيق للكاتب .. ومنتهى الإجادة الفنية ..

ونفس المشاعر أجدها عند الناقد المتخصص علاء الدين الوحيد .. وهذا الصديق يبذل جهدا صادقا فى البحث عن كتبى والكتابة عنها .. ولكنه يقف عند وقفة واحدة ويلف ويدور .. المرأة .. ويتصور أن كل امرأة فى القصة ، وكل أنثى هى واحدة ممن عرفت وعاشرت ..

وهذا التصور مرجعه بالطبع إلى الصدق فى التعبير .. وأنا لا أكتب من فراغ .. ولكن لو كنت أعرف كل هؤلاء النسوة .. فكيف أكتب ومتى أكتب ..؟

إن الأديب الحق يشعر دومًا بالحرمان ، ولو عاشر .. وعاش مع نساء هذا الكوكب .. ومن الحرمان ومن منبع الحرمان يكتب الأديب .. ولو ارتوى ما كتب قط .. لو ارتوى ما كتب سطرا واحدًا ..
تلك هى الحقيقة ..
=====================================
نشرت فى مجلة الثقافة ـ العدد 101 ـ فبراير 1982 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2006

=====================================



(13)
صورة قصصية
القهوة التركية فى فندق أوكرانيا
بقلم محمود البدوى

سافرت سنة 1973 فى بعثة ثقافية إلى تفليس .. بصحبة ثلاثة من كرام الصحاب .. شاعرين نابغين .. محمود حسن اسماعيل وصلاح عبد الصبور .. ثم الأديب الفنان صاحب كتابى حلمى مراد ..
وسافرنا فى شهر ديسمبر وانحصر تفكيرنا .. ونحن نسافر إلى روسيا فى زمهرير البرد والثلج ، وفى درجة حرارة 30 و 40 تحت الصفر .. انحصر تفكيرنا فى شىء واحـد .. القهوة .. فكلنا أصحاب أسفار ورحالة ، وسبق أن ذقنا الأمرين من القهوة السوداء فى ربوع أوربا ..
وهى القهوة التى لاطعم لها ولا مذاق فى حلوقنا ، واذا اجتمع مع سوء المذاق .. رداءة نوع البن كانت الطامة الكبرى .. وأصبحنا كأننا نشرب العلقم !..
وكان المرحوم محمود حسن اسماعيل .. مدمن قهوة مثلى وكذلك صلاح .. ولكنه أخف منـا وطأة .. أما حلمى مراد ، فهو شريب شـاى ، ولذلك خرج بمزاجه عن الصحبة ..
واتفقنا على أن أحمـل معى البن من " الكحكيين " والكنكة والسكر .. ويحمل محمود .. وصـلاح .. الجهاز الكهربى الصغير الذى سنصنع عليه القهوة ..
وحملنا هذه الأشـياء فعلا وحرصنا على وجودها قبل المعطف الثقيل ، والكوفية الصوف ، وغطاء الرأس المضفر ..
وهبطت بنا الطائرة فى موسكو .. والشمس طالعة ، ولكن البرد بكل ثقله كان يجز الرؤوس بضربة حادة وسريعة من العنق العارى كما يجز منجل الصاد .. وإذا كنت ريفيا مثلى ستعرف معنى هذا التعبير !..
وأنزلونا فى فندق أوكرانيا .. أجمل وأعرق الفنادق فى المدينة ..
وبعد الغداء .. وجلوسنا فى البهو الخارجى للطابق الذى نزلنا فيه .. فكرنا فى القهوة .. وأخرجت من حقيبتى الصغيرة .. الكنكة والبن والسكر .. أخرج محمود حسن اسماعيل الجهاز وكان كل واحد منا ينـزل فى غرفة بحمامها .. ولأن محمود حسن اسماعيل .. كان أكبرنا سنا .. فقد اخترنا أن نشرب القهوة فى غرفته ..
وعمرنا الكنكة .. وأمسكنا بالجهاز وحاولنا وضع الفيشة فى البريزة التى يوضع فيها جهاز الراديو فلم توافق حجمها كانت الفيشة أصغر ..
فذهبنا إلى الحمام فكان الأمر كذلك .. فرحنا إلى غرفة صلاح ثم غرفتى .. فإذا بالحال كما هو فالعدد الكهربائية كلها فى حجم واحد فى كل الغرف والحمامات ..
واستأنا كثيرا وبلغ بنا الضيق منتهاه .. وفكرنا فى تغيير " الفيشة " ونشترى واحدة أصغر من أى متجر يبيع هذه الأدوات ..
وكان المرافق بعربته لايزال موجودا فى الفندق فخرج معنا إلى الطريق .. ولكنا لم نصل إلى حل ورجعنا آسفين ..
ولكنا لم نيأس .. وبغير القهوة سيشل تفكيرنا تماما .. ويصيبنا الصداع المزمن ..
وسرح محمود حسن اسماعيل رحمه الله .. وراح فى الغيبوبة التى تنتابه عندما يأتيه هاجس الشعر ..
ثم برقت عيناه واحمرت .. وسألنا :
- معاكم كولونيا .. زجاجة كبيرة ..
- معنا ..
- وقطن ..؟
- من الأجزخانة .. هى داخل الفندق ..
وحملنا الكولونيا والقطن إلى الحمام وجهزت الكنكة .. وأنا أستغرب مما سيحدث ولا أفهم شيئا ..
ووقفنا أمام الحوض الصينى الكبير وغمر محمود حسن اسماعيل القطن بالكولونيـا .. وأشعل النار فى القطن الموضوع فى الحوض .. ووضع عليه الكنكة ..
وشربنا ثلاثتنا الذ قهوة وأحلاها مذاقا ..
ونظرنا مبهورين ..
قهوة تركيـة بوش ودسم .. تطيب للشاربين على النار المعطرة ..
وظل الحال كذلك طوال الأيام السبعة فى موسكو .. وقد أشعلنا كثيرا من القطن وأفرغنا الكثير من زجاجات الكولونيا ولكن مزاجنا كان صافيا ..
ومن الغريب أن الحوض الصينى لم يتأثر مطلقا بالنار .. على لمعانه الشديد وبياضه الناصع ..
وعندما ذهبنـا إلى ليننغراد كانت جعبتنا من البن والسكر قد فرغت ..
ولكن جارة فنلندية أشفقت على حالنا .. وسقتنا من يدها القهوة التركية الممزوجة بالشهد ..
====================================
نشرت فى مجلة عالم القصة ـ العدد التاسع ـ يوليو وأغسطس 1982 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2006

====================================