الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 3 أدب الرحلات ـ رحلة محمود البدوى إلى الدنمرك فى عام 1981





كوبنهاجن
فى عيون محمود البدوى


سبحانك ربى وزعت الأرزاق .. ووزعت الخلق
فى شمال وجنـوب وشرق وغرب وأبقيت العقل
البشرى هو مصـباح الحياة ونورها وقلبها النابض
*****

خرج البدوى من المطار متأخرا عن سائر الركاب .. لسوء فهم حدث بينه وبين من كان ينتظره .. فقد انتظر خارج المطار وكان يتصور أنه ينتظره بالداخل .. وهو هابط من الطائرة .. ولما خرج جميع الركاب ويئس من كان ينتظره من وجوده معهم ترك له بطاقة فى الاستعلامات .. ومشى

واستقبل البدوى الباب الخارجى والثلج يتساقط والسماء شهباء والبرودة شديدة .. ووقف فى غير المكان المخصص للتاكسيات .. ومر أمامه تاكسى ثم تاكسى وهكذا .. وهو يشير اليها وهى لاتقف وتعجب ..

وأخذته الحيرة .. ولكن أنقذه من تعجبه وحيرته .. شخص أقبل نحوه مبتسما وسأله بالإنجليـزية
ـ السيد .. يريد .. سيارة ..؟
ـ نعم ..
ـ تفضل معى .. إن موقف السيارات هناك ..

وحمل حقائبه على الفور .. وتقدم أمامه .. إلى موقف السيارات .. وفى أول الصف كانت سيارته .. وأخبره باسم الفندق ..

وتحرك فى هوادة .. وكانت الشوارع خالية .. والثلج مازال يتساقط بغزارة .. والمنازل الدكناء تبدو صامتة وكأنها خالية من السكان .. وخيل إليه أنها تنظر فى تعجب إلى السائح الذى هبط هذه المدينة وسط البرد والثلوج ..

وكانت الإضاءة القوية تكشف سحر المدينة .. ونظافة شوارعها .. وتألق النظام الهندسى فى مبانيها .. فهى فى لون واحد وطوابق خمسة لاتزيد عليها إلا فيما ندر من بروج الشركات الكبيرة .. كناطحة السحاب لشركة " ساس " وهى تطل بمظهرها الحديث بيضاء لاشية فيها .

ويقول محمود البدوى بعد عودته من الرحلة التى قام بها فى بداية عام 1981 " كوبنهاجن هى مدينة الشعر والجمال والأمان " : ويستطرد قائلا :

إن مدينة " طوكيو " تزهو على العالم أجمع بحى " جنـزا " لجماله وتألقه وروعة تنسيقه والشاعرية الأخاذة فى كل مكان .. ولكن " كوبنهاجن " لعين الخبير البصير تزهو الآن على حى " جنـزا " وعلى كل ما فى العالم من أحياء جميلة .

إنك تدخل مدينة تتألق فى النهار والليل بالنظام والجمال والسكون .. تسير فى شوارعها رغم الثلج المتساقط فتحس بأنفاس الحياة الدافئة فى كل شبر وموقع .

الحياة تجرى فى الشوارع بالعربات والناس .. ولا تسمع حديثا لمتحدث ولا صوت نفير لسيارة .. ولا تسمع هذا قط أبدا .

وعلامات المرور تنفتح وتنغلق أتوماتيكيا .. ولاترى عسكريا واحدا للمرور يقف فى ناصية أو ميدان أو فى مفترق للطرق .

ولا مخالفة تقع من عربة أو إنسان فى أى مكان فى نهار أو ليل .. انضباط فطرى يجل عن الوصف ولا يوجد نظيره فى أى مكان فى الدنيا .

وقفت عشر دقائق تحت الثلج أرقب الناس والعربات .. كأنى جندى للمرور هبط عليهم من المريخ ! فلم أر مخالفة واحدة . . وخالفت أنا متعمدا لأرى موقف العربات منى .. فوجدتها تحترم جهلى وتقف حتى أعبر !

ورأيت عجوزا فى الليل البارد تقف دقيقة كاملة إلى أن تفتح أمامها الإشارة .. ولا رقيب عليها إن عبرت قبل الإضاءة الخضراء ولا حسيب . ولكنه التعود واحترام الذات وانطباع السلوك .. ولم تكن هناك عربات قط لاقادمة ولاراجعة .. ولكنها وقفت بحس غريزى وانضباط فى أعماق النفس تكون على مدى عمرها كله .. فكيف تخالف ؟ !

إن الأمم التى تفقد عنصر النظام تفقد بالتالى أهم مقومات حياتها .. إنها تموت فى بطء وتشيخ قبل الأوان .

ولم تكن هذه العجوز التى تسير فى الليل وحدها هى الوحيدة التى تتحرك فى الليل على هذه الصورة .. فهناك غيرها من الشابات يعبرن الطرقات تحت الأنوار فى نشاط وقوة .. وهناك فتاة جميلة تسير وحدها فى طرق معزولة .. فلا تسمع من شاب كلمة نابية توجه اليها .. أو لفظة حلوة .. أو مطاردة من صفيق أو مخنث أو شارد عقل .

إن الدول الأسكندنافية بلغت فى هذه الناحية أقصى درجات الرقى فى سلوكها الاجتماعى .

إن كلمات الغزل والمطاردة تسمعها وتراها فى البلاد الأوربية الواقعة فى حوض البحر الأبيض ولكنها تنعدم تماما فى الشمال .

وسكان كوبنهاجن يتميزون بالطيبة وحسن الخلق وأقصى درجات الذوق فى المعاملة .

ففى المطاعم والفنادق والعربات والقطارات .. لاتجد إلا الابتسامة المشرقة .. وعراقة الخلق ودماثة الطبع .

والمرأة الدانمركية تعمل فى كل مكان .. فى المتجر وفى عربات الأجرة الصغيرة والكبيرة وفى البنوك والمتاجر وفى الشركات ودور الحكومة وفى الجامعات والمدارس والمطاعم والفنادق وتزاول كل الأعمال وتتميـز بالنشاط والحيوية وطول القامة والجمال العديم النظير .

كانت المرأة الرومانية فى نظرى من قبل أجمل نساء العالم .. فلما رأيت الدانمركية تغير رأيى .. وقلت تبارك الله فى خلقه وفى معجزاته .. وفهمت معنى قوله تعالى " لقد خلقنا الانسان فى أحسن تقويم " .
==============================
وعاد
البدوى من رحلته وكتب قصتين استوحاهما من الدنمرك وهما :
* قصة " الإنسان " ونشرت بصحيفة مايو فى 1531982
* قصة " السماء لاتغفل أبدا " ونشرت فى صحيفة مايو 431985 " وقد نشرت قبل وفاته بعدة أشهر حيث توفى فى 12 فبراير 1986"
==============================


ليست هناك تعليقات: