الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 5 قصص قصيرة من عالم الموظفين


الغزال فى المصيدة
قصة محمود البدوى


نزلت " سنية " من الترام تحمل صغيرها على صدرها .. وكانت شمس يوليو حامية والحر يلفح الوجوه .. وصعدت فى الشارع الطويل المؤدى إلى المستشفى وهى تحس بالتعب الشديد وبوخز الإبر فى عظامها ولحمها .. فقد أرهقها مرض ابنها ومزق أعصابها .. عالجته بكل الوصفات المعروفة دون نتيجة .. وأخيرا ذهبت به إلى " المستوصف " القريب من بيتها فأخبرها الطبيب بأنه مريض بالحمى ويجب نقله إلى المستشفى فورا ، وإلا ضاع بين يديها .. سمعـت هذا وطار قلبها شعاعا .. وحملته إلى المستشفى وهى تحبس عبراتها ..

ولأنه وحيـد وقطعة من كبدها وجاءت به بعد موت اثنين من ابنائها .. فقد تجمعت كالقوقعة واحتضنته وحرصت على أن يبقى لها .. ولا يموت كما مات من قبله .. وأن تزود عنه عاديات الأيام .. وكل الاعاصير التى تهب فجأة فى وجه الفقير .. وأن تكافح لتمرضه بكل ذات نفسها وكل ذرة فى جسمها ..

وكانت الشمس تتوسط كبد السماء ، ولم تجد " سنية " مكانا للظل فى الشارع ، وكان هناك صف من العربات التى تجرها الخيل واقفة فى بداية الشارع ، تنتظر النازلين من الترام ، لتهون عليهم مشقة الطريق إلى المستشفى ، أو إلى أى مكان آخــر فى هـذا الجـــو الشـديد الحـرارة ، ولكن " سنية " لم تكن ممن يركبن العربات ، فسارت وحدها فى الطريق الصاعد ، ولمحت عن بعد نسوة يتقدمنها فى ملاءات سوداء .. نساء يلبسن نفس زيها .. وفى مثل فقرها وبأيديهن الصرر ، ووراءهن أطفال يتدحرجون فى الشارع الساكن ..

وعندما مالت فى الطريق الرملى إلى اليسار ، سألت عن المستشفى بعد أن اختفى أثر النسوة .. فقد خشيت أن تتوه بعد أن تكشفت أمامها رمال الصحراء .. وتعددت البنايات الكبيرة ..

وعرفت المستشفى من عربات الطعام والفاكهة الواقفة بجانب السور والتى يحط عليها الذباب بكثرة .. ورأت سيارة من سيارات نقل الموتى قريبة من الباب الواسع .. ونساء فى سواد يولولون .. فانقبض قلبها لمنظر السيارة وحال النسوة ..

وكان الباب مفتوحا على مصراعيه لأنه يوم زيارة عامة .. فدخلت " سنية " مع الداخلين ..

ودلوها على غرفة الاستقبال .. وكشف الطبيب على الصبى .. وحملوه عنها إلى عنبر فيه غيره من الأطفال المرضى .. وكانوا فى حالة تعيسة .. وجوه شاحبة وعيون تبدو واسعة بعد أن هزل اللحم وبرزت العظام .. وقذارة فى الفراش وفى الأرض .. وأصاب " سنية " الذعر ولكن ماذا تفعل .. أرقدوا ابنها على حشية عليها مــلاءة قذرة تغير لونها من فرط ما سكب عليها وكان الذباب يتكاثر فى العنبر والجو خانقــا ..

وبقيت " سنية " جالسة على الأسفلت بجانب ابنها ملتصقة بالسرير ودافنة رأسها فى الملاءة القذرة التى تغطى الحشية .. كان الصبى جامد النظرات ، ساكن الجوارح .. ولكن على وجهه الرضا لأنه يحس بوجود أمه عن قرب ..

ووقفت ممرضة على رأس " سنية " وقالت لها :
ـ تعال يا ست ..
ـ إلى أين ..؟
ـ ستأخذين حقنة ..

ومشت وراء الممرضة فى الطرقات الطويلة .. وفى بناية فى حديقة المستشفى حقنها طبيب بحقنة ضد التيفود .. وخرجت من البناية لتعود إلى ابنها .. ورأت بابا مفتوحا فى غرفة قليلة الضوء .. غرفة ساكنة باردة فى هذا الحر .. فدخلت من الباب تنظر .. رأت جسم صبى ملقى فى حوض كأحواض السمك وعليه قطع الثلج .. وتقدمت لتنظر وقد أقشعر بدنها .. وأدركت أن الصبى ميت وهذه هى الثلاجة .. وحاولت أن تصرخ ولكن خانها صوتها .. وخرجت مهرولة إلى عنبر ابنها .. وهناك احتضنته .. ودفنت رأسها فى صدره ..

واستغرقت " سنية " فى وضعها ونسيت نفسها ثم استفاقت على صوت التمرجى يقول لها بغلظة :
ـ ميعاد الزيارة انتهى .. اتفضلى .. روحى ..
وسألته :
ـ أروح .. واترك الولد ..؟
ـ نعم .. هذا مستشفى .. وليس بيتا ..

وأحست بحرقة ، أحست بمن يخنقها ، تتركه لهم ليضعوه فى حوض وعليه الثلج كالذبيحة .. أبدا .. أبدا ولو قطعوها إلى قطعتين .. تتركه هكذا وهو بين الموت والحياة .. أبدا ..

أخرجوها من العنبر بالقوة .. ومن باب المستشفى .. ولكنها ظلت لاصقة بالسور ..

***

وعندما خيم الظلام على الصحراء وشمل السكون المنطقة .. اقتربت من الباب ودفعت خمسة قروش للبواب ودخلت متسللة كاللصة .. كانت تعرف مكانه رغم تعدد العنابر وكثرة الطرقات ..

ودخلت العنبر وهرولت إلى سرير ابنها وهى تدير عينيها فى الضوء الباهت بذعر ورجفة .. لم يكن هناك ممرض ولا ممرضة .. وكانت تسمع بكاء الأطفال فى العنبر فيرتجف قلبها .. واحتضنت ابنها وأحست بالحرارة الشديدة فى جسمه .. وكان الصبى يهذى وجسمه الصغير يرتعش وألصقت قلبها بقلبه .. وخيل اليها أنها لاتسمع ضربات القلب الصغير .. وألصقت خذها بخده وأخذت تبكى .. ابنها يموت ..

وخرجت من العنبر مهرولة تبحث عن طبيب لينقذ ابنها .. وظهر رجل فى رداء مصفر فى نهاية الطرقة .. فلما رآها أسرع نحوها وأمسك بها وقال بخشونة :
ـ كيف دخلت المستشفى فى مثل هذه الساعة ..؟
ـ ابنى يموت ..
ـ وما الذى جاء بك فى الليل .. وكيف دخلت ..؟
ـ من الباب .. ابنى يموت ..
ـ من الباب .. مستحيل .. تعالى .. نسأل البواب .. وليلته سوداء إن كان قد أدخلك ..

وأمسك بها من يدها بعنف وجرها إلى البواب .. وأنكر هذا أنه رأى حتى ظلها ..

وقال التمرجى وهو يحد النظر إلى وجهها :
ـ إذن فقد تسلقت السور لتسرقى .. ولا بد من تسليمك للبوليس ..
ـ سرقت ..!؟
ـ أجـل .. والعنبر ملآن بأشياء الحـكومة .. والمخزن مفتوح ..
وكل ليلة تسرق أغطية وبطاطين وآلات طهى .. ولا نعرف السارق .. وأخيرا وقعت ..
وأخذت تتوسل ..

ورأى لأول مرة جمالها الباهر وصباها .. وعينيها والثوب الأسـود والمنديل الأزرق يغطى الرأس ويزيد وجهها نضارة وتألقا ..
وبكت ..
ـ اعمل معروف .. أنا مسكينة والولد بيموت .. أليس عندك أولاد ..
ـ عندى ولكنى لا أتسلق السور فى الليل ..
ـ البواب .. كذاب .. حلفه .. لقد دخلت من الباب ..
ـ طيب .. تعـالى .. وفى الصباح سنسلمك للمعاون وهو يتصرف ..

وسحبها إلى غرفة فى حديقة المستشفى ..
ـ نامى هنا إلى الصباح ..
وأغلق عليها الباب ..

ظلـت متيقظة فى الظلام تنظر إلى السقف .. وهى ترتعش من الخـوف .. كانت قـد فوجئت بهـذا الاتهام الذى شل حركتها وإرادتها تماما .. ورقدت خائفة .. وبعد ساعة أحست به يدخل عليها ويرقد بجوارها ..

وقاومت بكل شبابها وأنشبت أظافرها فى لحمه .. ولكنه لم يتراجع واغتصبها وهو يسيل عرقا من فرط مقاومتها العنيفة ..

وفى الصباح لم يسلمها للمعاون وتركها تذهب إلى العنبر الذى فيه ولدها ..
ومضت أيام وهى فى داخل المستشفى بجانب ابنها ..

وجعلوها تغسـل بلاط العنـبر وطـرقات المستشـفى وتحـمل التراب والنفايات .. جعلوها تفعل كل هذه الأشياء لكى تبقى بجانب ابنها .. ومادام ليس معها نقود .. فقد كانت تدفع عرقها ..

كان كل همها أن يعيش الصبى .. ومادامت بجانبه ترعاه سيعيش ..

***
وظلت عشرين يوما فى المستشفى ..
وكانت تذهب إلى البيت خطفا ثم تعود جريا إلى المستشفى .. ونسيت زوجها الفران .. كان عمله كله فى الليل ، فإذا جاء فى الصباح عرف أنها فى المستشفى ونام .. كان يحب الولد وكان مطمئنا عليه مادامت أمه بجانبه ..

ظلت تكنس وتمسح البلاط وترضخ لكل ما تطلبه منها الممرضات وهى فى كل يوم خائفة أن يقدمها ذلك الرجل للبوليس كسارقة .. ومن السهل على مثله أن يلفق لها تهمة كبيرة .. كانت تخاف منه وكان هو يخاف منها أن تحدث الناس بفعلته .. تحكى القصة لطبيبة أو لممرضة وهذه تأخذها إلى مدير المستشفى ثم يصل الأمر إلى النيابة فى الحال ، كان يخاف منها أكثر مما تخاف منه .. وفى كل يوم كان يحب أن تبقى فى المستشفى وأن يراها بعينيه لأنها لو خرجت ستتحدث .. ولو تحدثت بما جرى لها سيحرضها الناس على إبلاغ البوليس ..

كان وجودها تحت سمعه وبصره يطمئنه .. كما أنها كانت تطمئن عنــدمـا تراه فى طـرقات المستشـفى ســاكنا جامــدا .. فتــدرك أنه نسى أمرها ..

وفى ظل هذا الخوف الرهيب المتبادل قضيا معا عشرين يوما يطوقهما سور المستشفى الكبير وهما فى عداء باطنى خفى قاتل ..
كان يكرهها وكانت تكرهه ..

كانت تكرهه لأنه سبب لها كل هذا الرعب .. وكان يكرهها لأنها قد تكون السبب فى فصله من عمله وتشريده فى الطرقات ..

***
فى الظهر .. مـر الطبيب وكشف على الطفل .. وسمح له بالخروج ..

وخرجت به " سنية " من باب المستشفى فى مثل الساعة التى دخلت فيها منذ ثلاثة أسابيع .. وكانت الشمس حامية والحرارة أشد ضراوة .. ومشت فى نفس الطريق الذى جاءت منه من قبل ..

كانت فى هـذه المـرة تنزل ولم تكن تصعد ، وكان المشى أكثر سهولة .. ولكنها كانت تشعر بالانقباض .. كان الصبى قد شفى تماما واسترد كامل صحته .. ولكن عافيته لم تشعرها قط بالفرحة .. كان هذا الصبى هو السبب فيما حل بها من بلاء ، لو كان معها نقود لمرضته فى البيت ونجت من هذا الوغد .. مرضته فى البيت بعيدا عن العيون .. ودون أن تخبر أحدا بنوع مرضه .. ولكنه مرض بحمى معدية .. ولا بد أن يشيع الخبر ويتسرب من أى شخص .. وكتمانه من المستحيل .. وسينقلونه إلى المستشفى رغم أنفها ..

إن ما حدث كان مقدرا لها والمحنة التى مرت بها لن تغفر لها خطيئتها قط .. كان يجب أن تستقتل ولو مزقها إربا وقطع أنفاسها ..

وقبل أن تخرج من الشارع الرئيسى مرت بجانبها سيارة صغيرة وأطل رأس رجل فى قميص مفتوح وأوقف السيارة وقال برقة :
ـ تعالى أوصلك .. يا سنية ..

وجفلت .. كيف عرف اسمها .. ثم تذكرت هذا الوجه .. أنها رأته فى المستشفى .. وكان دائما بشوشا طلق المحيا كما هو الآن .. فى أى عنبر رأته وفى أى مكان ..؟ لم تكن تدرى ..
وردت " سنية " بضعف :
ـ كتر خيرك .. قربنا من الترام ..
ـ اركبى من أجل الصغير .. الشمس حامية ..
ونظر إليها مرة أخرى نظرة كلها حنان ..
فقالت لنفسها :
ـ وماذا يضير .. وما الذى بقى لى بعد الذى جرى ..؟

وركبت فى المقعد الخلفى صامتة والغلام فى حجرها ..
وقال الطبيب وهو يسير بالسيارة متمهلا :
ـ ابنك .. استرد عافيته ..
فهمست :
ـ ليته .. مات ..
ولم يسمعها ..

وقال وهو ينظر إلى الطريق دون أن يدير رأسه إلى الخلف :
ـ لقد حقنتك حقنة التيفود .. بعد أن وضعنا الصبى فى العنبر .. وكنت لا تريدين أن تشمرى عن ذراعك .. أتذكرين ما حدث ..؟
وضحك .. وابتسمت ..
ـ أنا جاهلة .. يا بيه .. وهذه أول حقنة فى حياتى وكيف أشمر عن ذراعى أمام رجل ..؟

وتذكرت كل شىء لقد حقنها حقا .. وكان رقيقا مهذبا وإنسانا ولكنها كانت فى دوامة ، ومر هذا سريعا .. مرت هذه اللمحة الإنسانية سريعا وبقى الأثر المدمر .. الذى محا كل عاطفة أخرى تأتى من إنسان ..

لقد جرجروها ومزقوها بغلظتهم لأنها فقيرة .. واستغل الرجل النذل جمالها ليلطخه بالوحل .. النذل أرهبها ليوقعها فى الشرك .. نصب لها المصيدة الجبان .. النذل ..
وسمعت الطبيب الشاب يسألها :
ـ ساكنة فى أى جهة ..؟
وخجلت أن تقول فى الدراسة قريبا من المقابر ..
وقالت :
ـ قريبا من الحسين ..
ونظر إلى عينيها وكان يود أن يقول لها :
ـ أنت جميلة يا " سنية " ولم أر مثل جمالك قط فى أنثى .. وأنا سعيد بركوبك معى .. سعيد سعادة ليس لها من حدود ..

وقالت بعد أن اقتربت العربة من شريط الترام :
ـ سأنزل ..
ـ لا .. سأوصلك إلى بيتك ..
وصمتت وكانت الدموع فى عينيها وهى تحدق فيه ..
وهمست :
ـ أخيرا .. يجىء إنسان ..

وسألته وهى نازلة .. تضع طرف طرحتها على جسم الصبى ..
ـ ألا تريد شيئا .. يا دكتور ..؟
ـ أبدا .. شكرا ..
ـ أنظف لك البيت .. وأغسل ملابسك ..
ـ شكرا .. تسلم يدك ..

وظلت واقفة فى مكانها شاردة حتى بعد أن تحركت العربة واختفت عن نظرها ..


=================================
نشرت القصة بمجلة الثقافة فى العدد 46 ـ يوليو 1977وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى ..... و " قصص من القاهرة " ـ مكتبة مصر
=================================

المـأخـــوذ
قصة محمود البدوى


ممدوح .. وأمين .. قضيـا سنـين الدراسـة معـا .. كأحسـن الأصدقاء .. وتوظفا بعد تخرجهما فى سنة واحدة .. ممدوح فى شركة صناعية .. وأمين فى مصلحة من المصالح ..

ثم جاء وقت رأى فيه " ممدوح " أن يسافر إلى الخارج .. ليوسع من دائرة رزقه .. ويؤمن حياته المعيشية ومستقبله ..

وأفضى لصديقه أمين بذلك .. وحزن أمين لاعتزام زميله السفر وتألم لفراقه .. ولكنه رأى ألا يمنعه من أمر يعود عليه بالخير .. وألا يكون عقبة فى سبيل طموحه ..

وأخذ يرافق " ممدوح " فى جولاته الأخيرة وهو يعد العدة للسفر .. فى استخراج الجواز .. وصرف المكافأة من الشركة عن مدة خدمة ممدوح التى سبقت الاستقالة ..

وكان هذا المبلغ سيعين ممدوح فى أمور كثيرة تتعلق بالسفر .. وأعد الشيك فعلا ولكن مراقب الحسابات الذى يوقع توقيعا ثانيا على الشيك ويجعله صالحا للصرف .. لم يكن موجودا فى تلك الساعة ..

فقال " ممدوح " لزميله " عزت " موظف الشيكات :
ـ هل تستطيع يا أخى عزت أن تقدم لى خدمة كبيرة ..
ـ نعم .. أطلب ..
ـ تعطى الشيك غدا لأمين .. لأنى سأكون مشغولا فى الصباح باجراءات طويلة فى السفارة ..
ـ حاضر وإن شئت .. لا تتعب أنت ولا أمين .. وأنا أوصله البيت بنفسى ..
ـ لا داعى لتعبك .. وأنت فى زحمة العمل .. وأعطه لأمين ..
ـ حاضر .. من عينى الاثنين ..

وفى صباح اليوم التالى ذهب أمين إلى موظف الشيكات وأخذ الشيك .. ولما أراد أن يوقع بالاستلام على الدفتر المختص .. رفض عزت ..

وقال له :
عيب .. يا أستاذ أمين .. عيب ..

ووضع أمين الشيك فى جيبه وذهب إلى عمله فى المصلحة .. ثم اتجه إلى ممدوح فى بيته بعد خروجه من المصلحة ليعطيه الشيك ولكنه لم يجده فانتظره طويلا .. دون جدوى ..

ورأى أن من الأوفق أن يعود إليه مبكرا فى الصباح التالى ..

***

وفى صباح اليوم التالى وقبل أن يتوجه إلى مقر عمله .. أخذ طريقه إلى منزل صديقه ممدوح فى شارع الشيخ عبد الله بعابدين .. وطلع السلالم الحلزونية فى البيت العالى الطوابق ونقر على باب ممدوح فلم يرد عليه .. فتصور أنه خرج قبل الشمس ليذهب إلى شركة الطيران ليحجز تذكرة السفر أو شغل بشىء آخـر من لوازمه ..

ولقى وهو يهبط السلم جارة لصاحبه يعرفها من كثرة تردده على البيت فسألها عنه ..

فلقيته بوجه حزين صامت ثم سألته :
ـ هو أنت لاتعرف ..؟
ـ أعرف ماذا ..؟
ـ لقد مات صديقك .. أمس فى الليل ..
ـ مات ؟!
ـ نعم مات وأخذه أهله فى الفجر ..
ـ فى الفجر .. ؟
ـ نعم أخذوه ليدفنوه فى بلده .. أخذوه كأنه مريض فى سيارة .. ليتجنبوا الإجراءات المعقدة هنا .. نحو الموتى ..
ـ ومن الذى أعلمهم بموته فى مثل هذه الساعة من الليل ..
ـ جاره الأستاذ توفيق .. وجاءته نزوة القلب وهو معه لأجل الستر .. وبحث عنك الأستاذ توفيق أولا .. فلما لم يجدك ركب عربته وجاء بأهله سريعا .. والبلد قريبة .. وصعقهم الخبر وشل حركتهم .. ولكن الست " نجية " صاحبة البيت قالت لهم بهدوء .. وكانت أول من علم بالخبر وجرت إلى شقته ..

قالت لأكبرهم سنا ..
ـ أسرع يا حاج ولا وقت للدموع الآن .. وشيله من القاهرة الملآنة بزبائنة جهنم .. وأنتم غرباء عنها .. الحانوتى .. والطبيب .. وعربة الموتى .. والكل فى جشع رهيب للمال .. فلا يقدرون الظروف .. وبلدكم قريبة جدا نصف ساعة بالسيارة ..

ولما رأته جامد الملامح وفى سهوم .. قالت له :
ـ العربة جاهزة .. وابنى " طلعت " سيسوق .. ومعكم أيضا الأستاذ توفيق بعربته ..

وصعقت " أمين " المفاجأة .. وتأسى لصديقه واغرورقت عيناه بالدمع .. ولكن ماذا يجدى الأسى .. وتذكر الشيك الذى فى جيبه وكان قد نسيه فى دوامة ما سمعه .. وسريعا أحس بالضباب يغشى عقله ويطمسه .. وبالحيرة والتردد فلم يكن يدرى كيف يمضى .. ان أحسن سبيل هو أن يعيد الشيك إلى الشركة .. وهى صاحبة التصرف فى الموضوع .. والموظف هو موظفها .. والشيك صادر منها حتى مع انقطاع صلتها به باستقالته ..

ولكن الشيك أعطاه له الموظف بصفة ودية دون استلام وتسليم لأنه يثق فيه .. ويعرف مقدار ما بينه وبين ممدوح من صداقة .. فهل يوقع الموظف فى سين وجيم ..

عدل عن هذا الرأى كلية .. ورأى أن يتصرف بسرعة التصرف الطبيعى وهو أن يصرف الشيك ..

وظهره فعلا .. ووقف أمام شباك الصرف فى البنك .. وكان الطابور طويلا فى اليوم التالى من الشهر .. وسر من الزحام لأن الموظف لن يجد عنده الوقت للتعقيد ..

ولما جاء دوره القى الموظف نظرة سريعة على الشيك وقال له :
ـ اكتب العنوان ..
ـ مكتوب ..
ـ اكتبه ثانى ..
ـ حاضر ..

وتمالك نفسه وحد من ارتعاش يده .. وكتب .. وأخذ الثلاثة آلاف جنيه .. وظل فى صالة البنك يعدها ويعدها بتؤدة .. وكان قد قرأ خبرا عن لص من لصوص البنوك صرف شيكا بالتزوير .. ولما استلم المبلغ وكان كبيرا جدا .. أخذ يعده فى صالة البنك الواسعة بثبات وهدوء أعصاب .. ثلاث مرات .. فأراد هو أن يفعل مثله تماما ..

فراح وجاء فى بهو البنك بعد أن عد المبلغ ثلاث مرات .. وأخذته لسعة برد فى الشارع .. ولكنها سرته لأنها هدأت من توتر أعصابه .. ومن سح عرقه ..

وكانت الساعة قد بلغت العاشرة والنصف والشمس وراء الغمام ، والشوارع تعج بالمارة ، وبعض المتسولين والباعة الجوالة يتسقطون الهابطين من البنوك ..

ورأى أمين أن يذهب إلى عمله ويشغل نفسه به ..

وسأل الفراش :
ـ أسأل أحد ..؟
ـ أبدا .. والبيه المدير لم يأت بعد ..
وشغل بعمله اليومى حتى الساعة الثالثة بعد الظهر ، ثم أخذ يفكر فى مكان يضع فيه النقود .. وأخيرا استقر رأيه على أن يضعها فى بيته ..

وتغدى كما اتفق وذهب إلى بيته ونام إلى ما بعد العشاء وكان يتصور أن النوم سيريحه ، ولكنه بعد أن نهض من الفراش وجد القلق ينهش رأسه ..

وخرج ثم عاد وفى ذهنه تفكير حاسم بأن يذهب إلى بلدة صاحبه ويسلم أهله المبلغ ..

***

ولكن فى الصباح وجد سخف هذه الفكرة فى عالم الواقع ، فهو لايعرف أحدا من أهله ، وما حدثه ممدوح عن اسم واحد منهم قط ، ولو وجد أهله فعلا فإنهم كعادة الكثير من أهل الريف سيتصورون أنه حجز لنفسه من المبلغ .. والفلاحون لايثقون فى أهل المدن من فرط معاناتهم ، كلما احتكوا بهم فى معاملة ، فالثلاثة آلاف سيتصورونها خمسة وعشرة .. ويقع فى ورطة جديدة ..

وقع صراع هذه الخواطر فى نفسه ، ولكنه فى صباح الجمعة ركب قطار الركاب إلى المزغونة .. ثم ركب عربة أجرة إلى قرية المرحوم التى لاتبعد أكثر من فرسخين عن المحطة .. !

وكانت القرية ببيوتها السوداء ككل القرى المصرية يخيم عليها النخيل ، وتحوطها المزارع ، وتنبح فيها الكلاب ، وطرقاتها متربة والغبار بعد كل دابة تتحرك أو سيارة تمر ، يسد الأنوف ..

وكان الوقت يقترب من صلاة الجمعة وأهلها فى مسجد القرية المتطرف .. فدخل يصلى معهم .. ووجد أن عيونهم مع الخطيب ، ولكن رؤوسهم مشغولة بالزرع والضرع ، وضروب التموين والسماد والجمعية .. وبنك القرية والحساب والصرف ..

كانت صروف الحياة المعيشية تصرفهم عن كل كلام وعظة .. وكان الكلام الرتيب المعاد المكرر مئات المرات لايشد انتباههم ولا يفتح صدورهم وقلوبهم إلى شىء جديد ينفعهم ..

ولهذا لاتنفعهم صلاة .. ولاتفيدهم عظة .. وما فى داخل النفس هو المتسلط ..

وخرج من المسجد ، وركب القطار إلى القاهرة ، دون أن يسأل أحدا ..

خيل إليه أن ممدوح ليس من هذه القرية مع كثرة حديثه عنها فى أيامه الأخيرة ..

***

ولم يشعر بعد الرحلة إلى القرية بالتعب .. وكان من عادته إن يذهب فى يوم الجمعة إلى السينما .. ولكنه تغدى وذهب إلى البيت .. ونام إلى الساعة العاشرة ليلا .. وأراح النوم أعصابه ، ولكنه جعل الرؤية أمامه واضحة .. فقد وضع صديق له ثقته المطلقة فيه ، ولكنه خان هذه الثقة .. وخانها بخسة ، وطوق عنقه بحبل من مسد .. وأمامه الفرصة الآن ليفك هذا الحبل ، ويخلص عنقه ، ولابد أن يعاود السؤال عن أهل المرحوم ، فلا يمكن أن يكون مقطوعا من شجرة ..

ورأى أن أحسن سبيل هو أن يذهب إلى الشركة التى كان يعمل فيها ممدوح ، ومن ملف خدمته يعرف عنه كل ما يريد أن يعرفه ..

***

وقابل وهو فى الطرقة " عزت " موظف الشيكات الذى سلمه الشيك وأحس باضطراب شديد ، ولكنه تمالك نفسه ودخل معه إلى مكتبه ..

وقبل أن يستدير عزت ويجلس إلى مكتبه سأل :
ـ ممدوح سافر ..؟
ـ أجل ..

وسر أمين لأنه لايعرف أنه مات .. ولكن وجه عزت كان ينبىء عن شىء ، كان عليه طابع السخرية ، وظل ضاحكا ، وكل الأسارير تبدو ضاحكة بسخرية ، كأنه يعرف بواطن الأمور .. ويكتمها بدهاء ..
يعرف أن " أمين " كاذب مخاتل ..

وعاد عزت يسأل بهدوء ، وكان قد طلب من الفراش القهوة لضيفه :
ـ أول أمس ..
ـ أجل فى الليل ..
ـ وودعته ..؟
ـ نعم ..
ـ كان سعيد بيه .. يريد أن يودعه .. ولكنه انشغل بانعقاد مجلس الإدارة حتى منتصف الليل .. تصور .. اننا نشتغل كالفعلة .. وغيرنا فى راحة ونائم فى العسل ..
ـ ممدوح كل الناس تحبه ..
ـ هذا صحيح ..
ـ وما الذى عمله فى الشقة ..
ـ أظن أنه أبقاها لنفسه .. وكلف من يدفع له الإيجار .. هذا حسب ظنى .. لم يحدثنى عنها قط ..
ـ لم يحدثك وأنت صديقه الأوحد ..

طابع السخرية ظاهر من لفظة الأوحد هذه ، ولكن أمين بلعها ..

ـ أبدا .. والست صاحبة البيت ست طيبة .. ونادرة الطيبة .. وحتى لو لم يدفع الإيجار .. ستبقيها له .. كانت تعامله كإبن ..
ـ الطيبات للطيبين ..
ـ نعم ..

وجرى الحديث على هذا المنوال .. ولم يستطع أمين أن يوجه لعزت السؤال الذى جاء من أجله .. تغافل الموضوع ، ونهض كأنه جاء من أجل السلام ..

وشيعه موظف الشيكات حتى الباب الخارجى ..

***

وكانت الحركة فى الشارع شديدة .. تستوجب من " أمين " الحذر وإلا صدمته السيارات والعربات الصغيرة والكبيرة .. ولكنه كان ذاهلا وظل فى غير وعيه ..

وظل عقله يفكر فى موظف الشيكات ويحدث نفسه .. أنه الوحيد الذى يعرف أن شيك ممدوح أخذته أنا .. ولكن هل يعرف أننى صرفته .. إلى الآن لايعرف ..

ولكن نظرة السخرية التى على وجهه ، تحدث بأنه يعرف ، وكيف يعرف أن هذا تخريف .. أن المجرم يظل يدور حول نفسه إلى أن يقع فى الفخ ..

هذا هو طابع الجريمة وميزانها .. ولكنه لن يقع فى الفخ .. لن يقع ..

***

ووجد نفسه يدخل مطعما ومشربا صغيرا فى شارع عماد الدين ، اعتاد أن يتغدى فيه معظم أيام الأسبوع .. لأنه نظيف وهادىء .. ويعنى صاحبه بالطعام فيه وتنسيق موائده ..

وكانت تعمل فيه وقت الغداء فتاة واحدة تخدم على كل الموائد .. ويوجد غيرها عاملان فى الداخل للمطبخ ..

وجاءته الفتاة " فتحية " باسمة المحيا ضاحكة القلب وكانت تستأنس بحديثه .. وسألته :
ـ أين صاحبك ..؟
وكان ممدوح يرافقه كثيرا إلى هذا المكان ..

فقال لها وهو يرفع رأسه ويتأمل وقع الكلمة على محياها النضير ..
ـ مات ..
ـ مات .. أعوذ بالله ..
قالتها برجفة ، وقد امتقع وجهها ، كأن الموت لايمكن أن يحدث لشاب مثله ..

واستطرد أمين وفى عينيه الدمع :
ـ أجل مات .. كلمة بسيطة من ثلاثة أحرف ننطقها بكل بساطة .. أنهت حياة شاب .. حياة حافلة لشاب كان يتطلع للمستقبل بنضارة وأمل .. وقلب كله طموح .. ولكنه انطوى هذا كله بخفقة قلب .. سكت إلى الأبد ..

ظل الحزن يرف على وجه الفتاة .. ولم تستطع أن تنطق بكلمة ، وراحت وجاءت تعد له الطعام الذى اعتاد أن يأكله فى النهار ، وقد وجدت فجأة شيئا يسلبها ارادتها فى العمل كما يسلبها التفكير .. وذكرها موت الشاب الخاطف بأبيها .. فقد خطفه الموت كما خطف هذا الشاب ..

وسأل أمين وهو يأكل :
ـ أتأتين فى الليل ..؟
ـ أبدا .. فى الليل ينقلب المطعم إلى خمارة ..

وقال ليخفف عنها الحزن .. ويضحكها :
ـ وهى الآن إيه .. انها خمارة فى الليل والنهار ..

ودافعت بحرارة :
ـ فى النهار يأتى الناس الطيبون للغداء فقط .. أما فى الليل فهى خمارة ..
ـ ولكننى أحب أن أراها فى الليل .. وقد أضاءت كل قناديلها ..
ـ أضىء لك كل القناديل الآن .. ولكن لاتأت فى الليل ..
ـ كما تحبين .. أتعرفين اننى أجىء إلى هنا لأراك ..
ـ أعرف هذا ولا داعى لأن تقول ..
ـ الامتحان قرب ..
ـ بعد شهرين ..
ـ وإن شاء الله بعد النجاح ستوفقين إلى عمل آخر ..
نعم ما دمت معى ..

ومذ رآها منذ سنة ، وهو يفكر فى اخراجها من هذا المكان .. ولعن خالها الذى جاء بها إلى هنا .. لأنه يعرف صاحب المطعم ، واشترط عليه أن تعمل فى النهار فقط .. من الساعة الواحدة ظهرا إلى السادسة ..

ولكنه كان قاصر النظر .. فتحت الاغراء المادى .. الذى يعمل فى النهار سيعمل فى الليل ، وفى هذا الجو الموبوء يمكن أن يموت كل شىء لفتاة مسكينة مثلها ، ولها من جمالها مثل ما للعسل من جذب للذباب ..

والإنسان العاقل يطيش عقله تحت تأثير الخمر .. فما بالك بمن تطيش عقولهم من الشباب دون خمر ..

ومن يصور له عقله أنها مادامت تشتغل فى بار فهى لاترد يد طالب ..

وكان من عادته أن يجزل لها العطاء كبقشيش بعد كل وجبة .. ولكن فى هذه المرة رأى أن يعطيها مبلغا كبيرا ..

ونظرت إليه باستغراب ..
ـ ما هذا كله ..؟
ـ لتشترى لك فستانا .. هدية النجاح ..
ـ لم أنجح بعد ..
ـ ستنجحين ..

وحدقت فيه فرأت القلق فى عينيه لأول مرة .. رغم مظاهر الهدوء التى على ملامحه ..

وظلت الجنيهات فى يدها مفرودة ، وسألها :
ـ هل أجد فى بيتكم غرفة لى ..؟
ـ كل بيتنا لك .. ولكن هل تسكن فى الإمام ..؟
ـ طبعا أسكن ما دمت تسكنين فيه ..
ـ تتكلم بجد ..
ـ طبعا ..
ـ سأكلم ماما ..

وكانت قد حدثته كثيرا عن والدتها هذه .. كما كان من عادتها كلما سألها عن شىء يخصها تقول له :
ـ سأكلم ماما ..

وأحب ماما هذه من كثرة تردد اسمها على لسان ابنتها .. وتصورها جميلة مثل ابنتها ولاتزال شابة ، فالبنت صغيرة وهى أكبر خلفتها ولا تتجاوز العشرين عاما .. والأم فى الأحياء الشعبية تتزوج صغيرة جدا قبل سن الزواج بحيل يدخلونها على المأذون .. فهى ولاشك فى رونق شبابها ..

***

وسألها ذات يوم سؤالا مباشرا صاعقا :
ـ أمك تتزوج ..؟
ـ لماذا لا ..
ـ تتزوجنى ..
ـ لما أسألها ..

وسألها فى اليوم التالى :
ـ سألتيها ..؟
ـ نعم ..
ـ قالت إيه ..؟
ـ قالت لما أشوفه أولا
ـ ومتى سنذهب ..؟
ـ كما تحب .. نخرج من هنا معا .. لأريك البيت ..

***

وفى اليوم التالى سأل عن الأتوبيس الذى تركبه من بيتها إلى المطعم ، وكان يشفق عليها من الزحام ، ومن فظاعة الركاب وسوء تصرفهم .. وهو نفسه ما ركب اتوبيسا قط لافى ليل ولا نهار .. فكيف تركبه هذه المسكينة وسط هذه الطغمة من الوحوش .. فكر فى هذا بألم وحرارة .. ونسى أنها تعمل فى بار .. وخجل لبساطة تفكيره .. ولكنه شعر بأنه يحبها ويجب عليه كرجل أن يحيطها بسياج من المناعة إلى أن يخرجها من هذا البار ، ويجد لها العمل المناسب لدراستها ..

وقالت له مجيبة على سؤاله :
ـ اننى لا أجىء من البيت .. وإنما أجىء من المدرسة ..
ـ أين هى ..؟
ـ فى السيدة ..
ـ هذا جميل .. ومن السيدة لهنا .. تجدين الكثير المختلف من المواصلات ..
ـ أجل ..

ولاحظت أنه تعب .. ويبدو على وجهه الشحوب والارهاق .. وطلب زجاجة من الجعة .. وكانت تود أن تقول له :
ـ الجعة نفدت ..

لأنها لاتود أن يشرب بأية حال وفى كل الظروف .. لأن الجعة ستجر إلى البراندى .. ولكنها رأته ملتاعا ومأخوذا .. فجاءت بالزجاجة ووضعتها أمامه برفق وهى تتطلع إلى وجهه ، وتحاول أن تستشف سبب السرحان ..

وسألته لتوقظه من غفلته :
ـ هل أجىء لك بالغداء .. الآن ..
ـ قطعة من اللحم فقط .. ولا أريد شيئا آخر ..

ولم يكن على الموائد المعدة للطعام سواه .. وكان فى الداخل على منصة البار .. شاب ناحل يرتدى سروالا بنيا وقميصا فاتحا طويل الأكمام .. وكان يشرب " البراندى " بتذوق ويدير عينيه الحمراوين عن يمين وعن شمال .. من حين إلى حين .. ولا يخاطب أحدا .. ولا يخاطبه أحد .. كان صامتا يجتر أحزانه فى سكون .. وكان لايغير مجلسه ولا مكانه ولا عدد الكؤوس التى يشربها ..

وكان طول وجهه يتقلص ويتمدد حسب الأحوال المحيطة .. وتنفر عروق جبهته إذا فاجأه بائع جوال وهو فى استغراقه المطلق مع الكأس .. وهز من كينونة سكونه ..

وعند ئذ ينطلق الشرر من عينيه ويسب ويلعن مع رذاذ فمه :
ـ حرامية .. لصوص .. أوغاد ..

ويأخذ عامل البار فى تهدئته .. ويظل الأسى مرتسما على وجه الفتاة وشيئا أشبه بالخوف مما تتوقع حدوثه .. إلى أن ينسلخ الشارب من كرسيه ، ويأخذ طريقه إلى الخارج ..

وكان هذا المنظر المتكرر يوميا يشغل بال " أمين " ويجعله يفكر سريعا فى ايجاد عمل جديد للفتاة حتى وإن لم تنجح فى الدبلوم .. فكيف تعمل هذه المسكينة فى مثل هذا الجو .. اليوم سكير واحد .. وغدا عشرة .. واليوم بالنهار .. وغدا بالليل مع البلطجية والمتشردين والقوادين وسماسرة الشقق المفروشة ..

وقرر أن يفعل شيئا سريعا .. ولكن الهم كان يثقله ويمنعه من هذا التصرف السريع ..

فما كان يتصوره سهلا وعملا بطوليا وهو يصرف النقود من البنك ويعدها فى الصالة بثبات وتؤدة ثلاث مرات .. قد أصبح الآن خزيا وعارا أبديا يركبه إلى الأبد ..

فثلاثة آلاف جنيه تدخل فى جيب بواب منحرف فى حى من أحياء القاهرة فى مدة قليلة لاتعدو شهرا .. ويكسبها سمسار شقق مفروشة فى أسبوع .. وتاجر شنطة فى جولة واحدة ..

فهل كان هذا المبلغ كان يستحق منه كل هذا التمزق النفسى والخيانة لصديق العمر .. أية بشاعة عندما يوسوس الوسواس الخناس .. وأية نكبة تصيب الإنسان فى مقتل ، دون أن تطلق رصاصة أو يصوب خنجر ..

ثم هذا الموظف الذى أعطاه الشيك والذى ينظر إليه وعلى فمه السخرية ، هل هذا المأفون يعلم كل ما جرى بعد ذلك ، واننى صرفت المبلغ وأخذته لنفسى ..

ولكن كيف يعلم ؟ .. ولماذا هذا التصور .. وهذا الوسواس ، انها مجرد تصورات لأعصاب مريضة ، ونفس مأخوذة ..

هب أن هذا الموظف علم أن ممدوح مات .. فلماذا لايكون قد أخذ الشيك قبل موته وصرفه .. اذن فكون ممدوح مات لايغير من وجه المسألة .. ولا ينفى أنه أخذ مبلغه قبل موته ..

وكونه هو صرف المبلغ بتوقيعه على الشيك .. لاينفى أنه أعطاه لممدوح قبل موته بعد أن صرفه .. لأن ممدوح كان مشغولا إلى درجة كبيرة بالسفر .. وطلب منه صرف المبلغ فصرفه .. وأعطاه له فى نفس اليوم .. فى نفس يوم الصرف .. بل بعد ساعة واحدة ..

واستراح لكل هذه الخواطر اللولبية ..

ولكن شبح عزت موظف الشيكات عاد للظهور بعد اختفاء مؤقت وظل يطارده فى صحوه ونومه ..

وقرر أخيرا أن يتخلص منه .. ولكن كيف .. ؟ بسمه .. لا .. ان السم من عمل النساء .. بطعنه بخنجر .. لا .. إن الطعنة قد لاتميت .. يطلق عليه النار .. نعم فى عتمة الليل وهو طالع إلى بيته ..

ومع أن التفكير كان متسلسلا وسيريحه من شبح يطارده .. ولكنه ضحك فى أعماقه للجريمة الصغيرة التى تجر بكل سهولة وبساطة إلى الجريمة الكبيرة ..

***

فى اليوم الذى اشترى فيه المسدس ووضعه فى جيبه ، ذهب إلى المطعم فى الساعة الخامسة ليشاهد الفتاة قبل خروجها ورواحها ..

وكأنه يودعها لأنه لايعرف مصيره بعد هذه الليلة ..

ولاحظت تغيره وسهومه ، وبريق عينيه ، وانطفاءهما فى دوران ورجرجه متصلة ..

ووضعت أمامه بسرعة كوبا من الماء .. وساءلت نفسها :

ـ هل سكر فى الخارج .. ماذا جرى له ..؟

وقالت ببسمة حلوة لتحول عنه سيل خواطره التى استغرقته :
ـ ماما .. قالت لى .. لماذا لم يأت الأستاذ ..؟
ـ نعم ..
ـ وعاوزاك ..
ـ لكن أنا .. عاوزك انت .. مش ماما ..
ـ وأنا طوع أمرك ..

ولسعته الكلمة .. هل هى سهلة إلى هذا الحد مثلهن .. ثم عاد وقال لنفسه إن الفتاة بريئة ، وتقول هذا بلغة الحوار ..

وأمسك بيدها وشعرت بيده تعرق ..
ونكس رأسه ثم رفعها وقال بهدوء ..
ـ سأعطيك عنوان البيت يا فتحية .. قد أمرض أو أموت مثل ممدوح .. وأنا وحيد مثله .. وإذا مت فكل ما فى بيتى لك ..

فنظرت إليه باكية وساءلت نفسها ما الذى جرى له ليقول هذا كله ..

وكتب شيئا فى ورقة صغيرة وناوله لها .. فأخذتها لتطاوع تفكيره دون أن تنظر فيها ..
وهم بالخروج ..
فقالت له :
ـ لن أتركك تخرج وحدك وأنت على هذه الحالة من التعب .. سنذهب إلى بيتنا ..

ـ لا أستطيع أن أذهب إلى أمك وأنا على هذه الحالة ..
ـ نذهب إلى السينما .. والسينما ستريح أعصابك ..
ـ بشرط ألا يكون الفيلم مصريا .. فإنه سيزيدنى تعاسة وغما ..
وضحكت ، وقالت :
ـ حاضر ..

ودخلا فيلما جميلا ، وشعر لوجودها بقربه بالراحة والاطمئنان .. ولفترة طويلة ذهبت كل الهواجس عن رأسه .. ولم يعد يفكر فى مطاردة عزت ..

***

ولكن فى صباح اليوم التالى طارده عزت نفسه .. فقد لقيه مصادفة فى شارع طلعت حرب .. وكان يهرول فى مشيته .. وعلى فمه طابع السخرية ونفس الضحكة المطلية بالعلقم ..

وقال له :
ـ إلى أين .. تعال أوصلك ..

ولم ينتظر منه الجواب .. وهرول واختلط بالجمهور المتسكع فى الشارع .. وقال أمين وهو يحرق الارم بصوت مسموع :
ـ لولا اختلاطك بالجمهور لقتلتك فى عز الظهر .. والمسدس فى جيبى ..

وتحسس المسدس .. ولم يذهب إلى عمله .. وذهب إلى البيت ونام من غير غطاء ..

***

وفى الليل .. كان يروح ويجىء فى ظلام شارع " الأخشيد " بالروضة يرقب سيارة عزت .. وكمن له فى أحسن مكان اختاره لفعلته .. وكان الشارع ساكنا قليل الضوء .. والجو رطبا من قرب النيل وثقيلا .. والسماء كابية ..

وبعد ترقب وحذر .. جاءت سيارة عزت .. وابتعد أمين عن ضوئها .. وركنها عزت على رصيف الشارع كعادته ونزل .. وأغلق بابها .. وفى استدارته ليدخل بيته أطلق أمين النار .. ولم ير .. ولم يسمع بعد ذلك شيئا .. لأن المسدس كان كاتما للصوت والظلام يزداد بعد كل خطوة كثافة .. وأسرع خطوات معدودة .. ثم سار بتمهل حتى أحس بأنفاس النيل .. ورده هواء الليل البارد إلى صوابه .. وأخرج المسدس من جيبه وألقاة فى الماء بحركة سريعة عفوية ليتخلص من جسم الجريمة ..

وأخذ أول أتوبيس مر أمامه .. ونزل فى ميدان التحرير مع الركاب .. وقد شعر بأنه تحرر من شىء ثقيل ..

***

وفى الصباح الباكر .. جرى إلى بائع الجرائد .. وقرأ الصحف الثلاث .. فلم يجد عن فعلته خبرا .. وقال لنفسه ان الخبر لم يصل إلى الصحف بعد ..

وفى اليوم الثانى قرأ الصحف بنفس الاهتمام .. فلم يجد أثرا لما فعل .. وقرر أن يذهب فى النهار إلى شارع الأخشيد ..

فذهب وطالعه السكون المطلق من الشارع والمنطقة كلها .. وبحث عن أثر فراشة أو صوان فى الأرض مثل الذى يقام للجنائز .. فلم يجد شيئا يدل على ذلك ..

وخطر له أن يسأل البواب عن عزت ولكنه وجد فى سؤاله حماقة ..

وفى الأيام الثلاثة التى تلت الجريمة شعر بالهدوء .. وكان نشطا فى عمله ومرحا مع زملائه .. ولم يشعر بالندم لأنه قتل نفسا بغير ذنب ، وأدرك أن الإنسان فى حقيقته كذاب أشر حقا وفى دمه الشر .. وهو يطويه مرة ويظهره أخرى .. وفكر فيمن ولد عنده عنصر الجريمة من أسرته .. فلم يهتد إلى شىء ظاهر .. فجميعهم من الناس المسالمين الذين لايعتدون على أحد .. بل يعتدى عليهم ، ويعيشون فى استسلام تام للأقدار وصبر عجيب لتصاريف الحياة ..

ولماذا السرقة ..؟ هل أصابته العدوى ..؟ وهو الذى لم يكن فى حاجة لنقود ، ولم يتورط فى ورطة ..

ولماذا الجريمة .. انها مجرد أعصاب مريضة لإنسان فقد الاحساس بقيمة الحياة ونضارتها .. لعوامل نفسية مدمرة فى داخل نفسه تسلطت عليه بشكل رهيب ..

***

فى الساعة الثالثة والنصف تماما .. من بعد ظهر يوم الاثنين .. وفى شارع محمد فريد الزاخر بالمارة .. فى هذه الساعة المتحركة .. وضع " عزت يده على عاتق " أمين " ..

و قال بسرعة وهو يهرول :
ـ مروح .. تعال أوصلك ..
ولم ينتظر جوابه .. وهرول كعادته وغاب فى زحمة الناس ..
وأحس أمين بالدوار .. كانت المفاجأة فوق كل تقديراته وتوقعاته " فعزت " لم يصب ولم يجرح .. ولم يشعر حتى بأن أحدا أطلق عليه النار ..

وسقط أمين فى الشارع ، وأدخله بعض المارة فى أجزاخانة " يونيفرسال " وكانت على بعد خطوة .. ولما أفاق ورجع إلى نفسه .. ذهب إلى المطعم .. ووجد " فتحية " كأنها تنتظره .. وقرأت فى وجهه الموت والرعب فبكت ثم تماسكت ..

وتقلصت معدته .. وذهب وعاد إلى حوض الغسيل أكثر من مرة ..
ونفر العرق بغزارة من جبهته ويديه ..

وقال لها بصوت خافت :
ـ ابحثى لى عمن يرافقنى إلى البيت .. عبده .. أو أى أحد ..
ـ سأرافقك أنا ..
ـ اتعبك .. وأنت فى ساعة عمل ..
ـ محال أن أتركك وأنت على هذه الحالة ..

***

وفى شارع حسن الأكبر .. دخلا شقة صغيرة فى الطابق الثالث ..

وشعرت " فتحية " بالراحة بعد أن احتوتها الشقة وكانت تخشى من سقوطه منها فى الطريق ..

وقال لها بعد أن استراح على الكنبة :
ـ هذه الشقة دلنى عليها ممدوح .. وكان بها سيدة فرنسية تعطى دروسا فى الفرنسية للطلاب .. وغادرت البلاد ..
ـ ودفعت فيها خلوا ..؟
ـ يا ستى .. لقد سكنت فيها قبل أن يظهر الخلو فى سماء المساكن ..! تعجبك ..؟
ـ جدا .. وأنت ..؟
ـ هى لك أنت وأمك .. أنا ذاهب ذاهب ..
ـ إلى أين ..؟
ـ إلى جهنم ..!
وضحكت ..
ـ تضحكين .. اسمعى يا ستى .. من صديقك النبيل الصفات الذى تحبينه .. وتركت عملك الساعة من أجله ..

ممدوح هذا الذى دلنى على هذه الشقة .. كان صديق العمر .. ولقد سرقته ..
ـ سرقته ..؟
ـ نعم فى لحظة هوس سرقته ..

وأخذ يروى لها القصة من أولها .. إلى أن وضع عزت يده على عاتقه اليوم ..
وبكى بحرقة ..
وطوقت رأسه بذراعيها .. ثم احتضنته بحنان ..

وقالت بهدوء :
ـ ان خير سبيل لتعود إلى نفسك هو رد المبلغ لأصحابه ..
ـ لا أعرفهم ..
ـ تعرفهم ما دمت تعرف بلدة " ممدوح " والمسألة بسيطة ..
ـ ولكنى صرفت منه الكثير ..
ـ كم ..؟
ـ أكثر من ثلاثمائة وخمسين جنيها .. والمسدس بثلاثمائة وحده ..
ـ يعنى لم تصرف إلا ثمن المسدس تقريبا .. رده لمن اشتريته منه ..
ـ القيته فى النيل ..
ـ هذا خير أراده الله .. يمنع عنك التفكير فى الشر مرة أخرى وثمنه غرامة لك .. تحس بوجودها فى نفسك ..

واستطردت لتسرى عنه :
ـ ولكن مثلك يجب أن يشترك فى بطولة الرماية .. وهى على ما أذكر فى الصيف ..!!
ـ أنا معك .. انه هوس وعشاقه .. ولك الحق فى السخرية ..
ـ تشترى المسدس من أفاق .. ثم تضعه فى جيبك .. وتخرج به فى نفس الليلة لتقتل به إنسانا ..
الواقع أنك ستقتل نفسك أولا .. كيف تعيش وأنت الإنسان المتعلم المثقف بعد أن يرتد اليك عقلك .. ويشتغل ضميرك المعطل وتدرك جسامة فعلتك .. تعيش كالميت .. بل الميت أكثر منك راحة .. ويكون مصيرك الجنون المحتم ..
ـ ان عقلك أكبر من سنك .. اعطنى عقلك .. وخذى عقلى ..!

وابتسمت وقالت :
ـ ما زال عقلك فى أتم نضجه .. وقد انشغل ببراعة لتنجو من العقاب فاخترت الظلام .. والسكون .. والمسدس الذى لاصوت له .. ولكن غابت عنك أشياء .. غاب عنك أن هذا المسدس سيكون له صوت يصرخ فى أعماقك دوما ولا تحس به ..
لست مجرما ولم تخلق لتقتل نفسا بل لتحيى أنفسا ..
ـ هل تعلمت كل هذا من خروجك إلى الحياة .. وأنت صغيرة ..
ـ أبدا .. ليس من الشارع .. ولا من الاختلاط بالناس .. بل من والدى وعاش ليرسم لنا الخط المستقيم ويضرب الأمثال .. بعد كل خطوة .. ومات فقيرا وشريفا .. ككل الشرفاء .. والفقر هو الذى علمنى الحكمة وجعلنى أعمل وأنا صغيرة .. وأقرأ كل كتب والدى .. من العاشرة وأنا أقرأ بنهم .. وأتعلم من القراءة والحياة .. وسأظل فى التعليم حتى أكمل جميع مراحله ..
وسر أمين من طموحها وقوة ارادتها ..

وقال أمين وهو يشعر بالضعف :
ـ نسيت حتى أن أقدم لك كوبا من الشاى .. فى هذا البرد ..
ـ لا داعى لتعبك .. وسأخرج وأجىء بالمبلغ الناقص .. من ماما ..
ـ أبدا .. أبدا .. لا آخذ نقودا من نساء ..
ـ انها نقودك .. وهل نسيت كل ما أعطيته لى ..
ـ أنا أعطيتك ..؟
ـ نعم الكثير .. بالمئات .. ولماذا تنسى .. لقد كنت أعمل فى المطعم لأراك .. لأنك تأتى إليه فى معظم الأيام .. وكان يمكننى أن أغيره وأذهب إلى متجر .. أو مصنع .. أو إلى أى عمل آخر .. ولكنى اخترت المطعم بكل ما فيه من تعب ومظهر السوء .. لأضمن وجودك بقربى .. وخشيت أن غيرته أن أفقدك .. من اليوم الثالث لعملى تعلق قلبى بك بجنون ..
ـ أعرف هذا ..
ـ إذا عرفت هذا فكيف تتحول بهذه الصورة السريعة إلى انسان آخر ومختلف تماما .. عن الإنسان الذى أحبه .. لقد ولدت العشرة الطويلة أشياء كثيرة .. والنقود نقودك ..
ـ لا أقبل مليما واحدا .. حتى لو كان منك .. وسأحول مرتبى على البنك وآخذ سلفة ..
ـ وتنتظر اجراءات البنك الطويلة .. لا .. قطعة صغيرة من الذهب تجىء بالألوف .. والذهب الآن فى القمة .. والآن نم وفى الصباح سأكون أول من يوقظك ..

***

وجاءته فى الصباح وكانت فى أتم زينتها ونضارتها .. وأرته قطعة الذهب ..
وقالت له بسرعة كعادتها :
ـ ومتى تسافر .. إلى المزغونة .. سنبيع الذهب اليوم ..
وقبل يدها .. واخضلت عيناه بالدمع .. فأدركت حاله .. وجعلته ينفس عن كربته ..
وقال فى خفوت :
ـ سأذهب إلى عزت أولا .. وسنذهب بعربته فى يوم الجمعة المقبل .. وسنأخذ معنا الأستاذ طلعت .. لأنه يعرف أهل المرحوم .. فهو الذى حمل الجثة بعربته ..
ـ هذا أحسن .. وسنقول لهم أن سبب التأخير فى رد المبلغ هو السفر ..
ـ أنا لا أكذب ..!
ـ لا تكذب وتفكر فى القتل .. ألم أقل لك أنك إنسان طيب .. طاهر .. وانتابتك لحظة هوس .. كنت مأخوذا وأنت مسكين .. وأنا أحبك .. وأنت مأخوذ أكثر وأكثر ..
لأنه لاحول لك ولا قوة ..

وفى صباح الجمعة كانت " فتحية " أول من بكر بالحضور إلى شقة " أمين " ولاحظ أنها ترتدى ثوبا جميلا محتشما .. يتناسب مع من يزور أهل ميت .. وسر لبراعة تفكيرها ونضج عقلها ..

ثم جاء عزت بسيارته وعانقه أمين على الباب وبكت " فتحية " عندما رأت هذا العناق الذى طال وكان فيه كل الاعتراف وكل الغفران ..

أما طلعت فكان هو الذى يقود السيارة .. ويعرف الطريق جيدا ..

وتحركوا فى صمت أولا .. ثم حركت " فتحية " الألسنة الصامتة .. للكلام ..

وفاضوا فى كل الشئون .. وعندما جاء دور الإنسان ومن الذى يحرك سره فى دروب الحياة .. تحدثت " فتحية " باستفاضة عن الخيوط التى تحركنا ولا نراها قط .. وصمت الرجال الثلاثة .. ولكن الخيط كان يتحرك بجاموسة ثقيلة اعترضت طريق السيارة فجأة ..

وفرمل طلعت وقد لامس الجاموسة بخفة .. ولولا براعته الخارقة لقتلها ..

وتجمع الفلاحون من الغيطان كالجراد مع أنه لم يحدث ضرر لإنسان ولا حيوان ..

وسأل عزت :
ـ الجماعة دول .. حيموتونا ولا إيه .. فى عيونهم الشر ..
فرد أمين ضاحكا :
ـ اسكت .. طلعت .. حيتصرف وأنت عمرك ما تموت ..!
وضحكت فتحية ..

وعاد " طلعت " إلى السيارة بعد أن أنهى حديثه مع الفلاحين بلباقة وحسن تصرف ..

***

وعادت السيارة تشق الطريق بنفس السرعة .. وكانت فتحية تسمع صوت الموتور .. وكأنه موج البحر .. وضغطت بكتفها على أمين .. لتوقظه وكان فى شبه غفوة ..

================================
نشرت فى صحيفة مايو بالعددين 42 و 43 بتاريخى 16 و 23 نوفمبر 1981
================================

الجــواد
قصة محمود البدوى


نصر الدين قرية صغيرة هادئة على خط الصعيد ندر ان تقع فيها حوادث .. ولكن لموقعها الجغرافى ولأنها المعبر بين الضفة الشرقية .. والضفة الغربية للنهر .. وضعت فيها نقطة بوليس ..

ويحدث فى قليل من الحالات ان يفلت شقى خطير من يد السلطات ويعبر النهر .. ليركب القطار أو يغيب فى الجبل
فيصبح ضابط النقطة أمام عدو رهيب ..

ومع ان هذه الحوادث قليلة .. ونادرة .. الحدوث .. ولكنها تروع الناس الامنين المسالمين فى المنطقة وتشغلهم عن زراعتهم ومعاشهم ويخلصهم من شرها الفيضان ..

عندما تغمر المياه الحقول والغيطان .. وأوكار هؤلاء الأشقياء .. وتصبح السلسلة الفضية درعا لا ينفد منه إنسان ..

وكان عصام ضابط النقطة .. قد قضى سنوات كثيرة فى هذه المنطقة وعرف طباع أهلها واحبه الفلاحون لأنه يرعى شئونهم ويحرس زراعتهم ومواشيهم .. ويحفظ عليهم كرامتهم .. وكانوا يعاونونه فى القبض على الأشقياء .. وسحق الشر أينما كان .. ويدلونه على السارق .. وقاطع الطريق .. ولذلك عاشت النقطة مثالية ..

ولكن حدث فى يوم من شهر أكتوبر ان سرق تاجر من التجار وهو عائد من السوق فى وضح النهار .. وضرب بالرصاص على الجسر .. ومع ان الفلاحين شاهدوا الجانى ولكن احدا منهم لم يتقدم بالشهادة فى التحقيق .. فحزن الضابط لتغير حالهم ..

وكان بالنقطة قوة من العساكر .. تعتمد فى تنقلاتها ودورياتها على الخيل.. لأن الطريق الزراعية رديئة فى هذه المنطقة ولا تصلح لمرور السيارات.. كما ان الخيل كانت تعبر بهم القنوات والفجوات .. والأرض الموحلة .. وتشق بصدرها المزارع والحقول ..

وكان لعصام جواد عربى أصيل أسمه « سهيل » يحبه ويعتز به وينتقل به دائما فى دورياته فى الليل والنهار ..

وكان الجواد كريما .. وحاسته قوية .. فاذا أحس بالشر .. نشر أذنيه وسدد بصره وصهل ..

وكان عصام يعنى به عناية فائقة ويقدم له العلف بيديه .. ويشرف بنفسه على غسل جسمه بالماء والصابون ..
وتمشيط شعره .. حتى يبدو فى أجمل مظهر ..

***

وفى ليلة من ليالى ديسمبر .. كانت شلبية امرأة خفير الوابور فى العزبة تنفخ النار فى الموقد فشاهدت رجلا يقترب من كوخها .. وكان الرجل بادى التعب ويشكو من الجوع .. فأعطته من طعامها .. فأكل وجلس يصطلى بالنار ويستريح ..

ورأت وجهه فى ضوء النار .. وكان مستطيلا نابت الشعر .. وعيناه قويتان .. وكان قليل الكلام .. ويرتدى جلبابا اسمر وعلى كتفه بندقية قصيرة غطاها بكوفية .. وفى قدميه حذاء طويل كالذى يرتديه الرعاة ..

وبعد أن شرب الشاى .. وتحدث معها قليلا .. انصرف .. وتبعته ببصرها وهو يولى فى الظلام .. بجانب زراعة البرسيم ..

***

وبعد ثلاثة أيام عاد إليها نفس الرجل .. وكان كما رأته أول مرة .. وطلب أن تعطيه بعض الدخان .

فقالت له :
ــ أن عليان .. لا يدخن اطلاقا
ــ اشترى لى علبة سمسون .. وقدم لها قطعة فضية ..
ــ من أين .. بيننا وبين البلد مشى ساعة ..
ــ ألا توجد دكاكين .. فى هذا النخيل ..؟
ــ لا .. والباعة يمرون علينا فى الصباح راكبين الحمير .. ومعهم الدخان .. وكل شىء .. تعال فى الصباح .. انت من هذه البلاد ؟
ــ أننى من النجع ..
ــ نجع رشوان ..؟
ــ لا .. نجع آخر ..

وصمت .. ونظرت إليه طويلا .. ثم قالت :
ــ سأبحث لك عن سجاير فى « زريبة » منصور .

ورأها تذهب .. فلم يثنها عن رغبتها.. وعادت ومعها باكو من الدخان.. فأخذ يلفه .. ورأت أصابعه ناعمة .. وليست خشنة .. كأصابع الفلاحين ..
ــ لست بفلاح ..؟
ــ أجل ... وكيف عرفت ..؟
ــ أصابعك ناعمة .. لم تلمس الفأس ..!
ــ أنا تاجر مواشى ..
ــ وبكم تشترى هذه البقرة ..؟
ــ بأربعين جنيها .. ولأجلك .. بخمسين ..
ــ وتدفع نقدا ..
ــ فى الحال ..

وأراها رزمة من الأوراق المالية .. فابتسمت .. أخذت تحدق فيه أكثر واكثر .. وسألها .. وقد أشعل السيجارة الملفوفة وأحس بالراحة
ــ أين زوجك ..؟
ــ ذهب إلى السوق .. يبيع عجلة ..
ــ إذا عاد بها ساشتريها منكم ..
ــ أو تحسب اننى صدقتك .. انك لا تبيع ولا تشترى ..!
ــ كيف ؟
ــ أجل .. انك عاطل .. ولاعمل لك على الإطلاق .. ومثلك كثير يحملهم التيار .. ومصيرهم .. إلى الكلاب ..

فضحك .. وقال :
ــ أتقولين لى هذا الكلام .. لأنك أعطيتنى قليلا من الدخان ... خذيه ..
ــ لا ليس لهذا .. وإنما اقول لك هذا الكلام .. لأنك شاب .. وطالع على وجه الدنيا .. فلماذا تحمل البندقية .. وتدور بها .. أحمل الفأس وأعمل فى الحقل ..
ــ إنى غريب .. وكنت مريضا .. وأقيم فى هذا البستان إلى حين .. وأرجو أن تحملى لى فطيرة فى الصباح ..

ونظر إليها بطرفه
ــ أو تحسب أنك تخيفنى .. ببندقيتك ونظراتك .. لن أحمل لك شيئا والآن اغرب عن وجهى ..

وظل جالسا .. يضحك ..
ــ إذا رآك زوجى هنا سيقتلك .. لأنك شرير ..
ــ لم أسمع مثل هذا الكلام قط من إنسان .. وانا اقبله منك .. لأنك حلوة.. ولأنك ستحملين لى الفطيرة فى الصباح
ــ أذهب .. وإلا سلطت عليك الكلاب ..

فابتسم وذهب ..

***

وفى الصباح حملت شلبية الفطيرة إلى وكر « علام » .. وظلت تتردد عليه يوميا .. وعشقها وعشقته .. واحتجزها عنده ..
ولما ذهب زوجها ليبحث عنها قتله .

وعرف الناس الخبر ففزعوا وطارت نفوسهم رعبا .. واشتد بطش علام وارهابه . فخشيه الفلاحون .. وتركوه .. يعيث فسادا فى الأرض .. يسرق أموالهم ومحاصيلهم دون ان يجرؤ إنسان على الاقتراب منه ..

ووجد عصام نفسه وحيدا أمام شرير خطير .. تخلى عنه الأهالى جميعا .. ولكن هذا لم يثنه عن عزمه .. وأخذ يطارده بعنف .. وكان علام .. يفلت من الحصار .. ويغيب فى المزارع الكثيفة ..

وكان الفلاحون يتسترون عليه خوفا من بطشه .. وكانت عشيقته شلبية تمده بالمؤن فى وكره ..

وأخذ عصام يحاول بكل الطرق أن يزيل الخوف من نفوس الناس ويجعلهم يجابهون هذا الإرهاب بيد واحدة .. فلم يفلح وذهبت جهوده هباء ..

***

وحدث أن صحب الشيخ علىَََّ وكان من أهالى القرية المعروفين ، الضابط ذات ليلة فى جولة تفتيشية للبحث عن علام .. ورد علام على ذلك فى اليوم التالى أن ذهب إلى بيت الشيخ علىَّ فى الشمس الطالعة .. وأفرغ على بابه الرصاص ..

وشاهد الأهالى الثقوب فى الباب والرصاص الفارغ فى الأرض وعلام ينسحب فى هدوء والبندقية فى يده .

وقد جعل هذا الحادث الناس .. أكثر فزعا .. ورعبا .. وأخذت المديرية تمد « عصام » بالقوة .. والدوريات المستمرة .. للقبض على هذا المجرم ..

وكان عصام .. يعرف عن يقين . انه ليس فى حاجة إلى قوة من العساكر أو مدد لقتل علام .. وأنما فى حاجة إلى قتل الخوف أولا من نفوس الفلاحين .. لأنه أسوا ضروب الاجرام .. ومتى قتل الخوف .. تبدد الظلام .. وسحق علام .. وألف من طرازه .

وكان من قوة النقطة الجاويش بخيت وكان من أبرع العساكر فى ضرب النار .. كان جسورا شديد لقلب وكان عصام يعتمد عليه فى مطاردة علام ..

وجرح هذا الجاويش الجسور بعد معركة رهيبة بين رجال البوليس وبين الشقى .. ونقل إلى المستشفى وتألم عصام ولكنه لم ييأس قط ..

***

وضم الفلاحون المحاصيل .. وغمرت المياه الحقول .. فتنفس الناس الصعداء .. وانقطعت الحوادث وأشاع الأهالى أن علام أخذ عشيقته وذهب بها إلى الجبل .

وانتهى موسم الفيضان .. وخرج الفلاحون إلى الغيطان ..

وظهرت حركة ترقيات وتنقلات بين رجال البوليس .. وجاء دور عصام فى الترقية ورقى ونقل إلى البندر ..

وجاء ضابط اخر ليحل محله ..
وانتظره عصام على المحطة .. ولما خرج الضابط الجديد من القطار رآه عصام بصحبة زوجته .. وكانا شابين فى مقتبل العمر .. ويبدو انهما عروسان فى شهر العسل .

فتألم عصام لأنه لم يكن يقدر أن هذا الضابط الصغير متزوج .. ومتزوج حديثا .. ويجىء بها توا إلى الريف .. قبل العفش .. ليعيش وسط هذا الظلام .. وهذا الإجرام .
واستقبلهما مرحبا .. ولم يشعرهما بما دار فى نفسه من قلق ..

وأنزلهما فى بيته .. ونام هو فى النقطة ..

وفى الصباح أعد لهما الافطار .. ووجد الزوجة سافرة ومرحة .. وأكثر جمالا وفتنة مما كانت عليه فى المحطة ..

وخرج عصام مع منير الضابط الجديد ليعرفه بالناس ، ويطوف به فى القرى والعزب التابعة للنقطة ..

***
وجاء العفش .. وساعدهما عصام .. على إعداد البيت .. ونقل هو عفشه إلى البندر .. ولكنه ظل يتردد على النقطة كل يوم ليطمئن على الأحوال فيها ودخل الاسطبل ليشاهد « سهيل » فصهل الجواد .. عندما رأى صاحبه .. وربت عصام على كتفه وخرج وأبصر عفاف هانم . زوجة زميله خارجة من حديقة المنزل الصغيرة .

وسلم عليها .. وسألته :
ــ كنت عند الحصان ..؟
ــ طبعا .. كان لى نعم الرفيق .
ــ العساكر .. بتقول .. أنه من يوم ما مشيت .. ما بيكلش .. كنت بتعملوا إيه زيادة ..
ــ حاجة بسيطة .. خالص ..
ــ إيه هية ؟
ــ بعامله بحنان ..

وتضرجت وجنتاها ..
ــ من دلوقت .. ياعصام بيه .. حنعامله بحنان ..
ــ سأذكر هذا المعروف دائما وأرجو أن تكونى مسرورة هنا ..
ــ البلد باين عليها .. كويسة وهادية .. والناس طيبين بس ماتسبش منير لوحده .. أو تنساه وانت فى البندر ..
ــ مايكنش عندك أى شاغل ... أنا دائما معه .. ومن اليوم لن تكون هناك متاعب له اطلاقا ..
ــ فى القطر .. الناس كانت يتخوفنى من شقى خطير ..
ــ لن يعيش شيطان على هذه الأرض وانت هنا ..

ونظرت إليه بامتنان .. فاطرق وأحس باقدام زوجها فذهب إليه .. وظلا يتحدثان مدة وبقى عصام فى النقطة إلى قرب الغروب .. ثم خرج .. يودع العساكر جميعا ..
وسلم على « منير » .. وطلب البندقية التى استعارها من الشيخ هشام .. ليعيدها إليه .

وركب جواده « سهيل » وهو يقول لأحد العساكر :
ــ بدرى تركب أول قطر .. وتيجى علشان تأخذ الحصان من البندر ..

واستدار بالجواد .. وخرج .. ورأى « عفاف » فى نافذتها .. وهو يصعد بالجواد الجسر مشرقة وضاحكة .. فحياها بهزة من رأسه .. وانطلق وقبل أن يبلغ القنطرة .. بصر باثنين من العساكر .. خرجا بجوادين ليلحقابه وهما يسرعان فتوثب .. وأرجعهما .. وهو يقول .
ــ مفيش حد يروح معايا .. أبدا ..
ولما بعد انحرف بالجواد وسار فى طريق غير طريق البندر ..

***
وبعد ساعة .. سمع منير وهو جالس فى النقطة صوت الرصاص فنهض ، وسأل أحد العساكر :
ــ فيه إيه يا عبد الصبور ..؟
ــ دا مش عندنا .. يا حضرة الضابط .. دا فى البر الشرقى ..

فعاد إلى مكانه .. ولكنه سمع من جديد الرصاص يدمدم فى جهة قريبة .

وخرج مع العساكر على الخيل .. والرصاص يزار .. ويمزق سكون الليل ..

وعندما اقتربوا .. من مصدر النار .. كانت الطلقات قد خفتت ..

وبصروا أول شىء بالجواد .. وكان جالسا فوق فجوة على مؤخرته .. وناصبا صدره ومقدمه ليحمى به « عصام » .. من النار ..

ومع أن الرصاص اخترق كتفه ولكنه .. ظل ناصبا نصفه الأمامى .. حتى وصلوا إلى المكان ..

وعندما رآهم .. تمدد .. ووضع رأسه على الأرض .. وظل الدم ينزف منه ..

وكان عصام .. لا يزال ممسكا بالبندقية .. ووجهه يعبر عن الجهد الجبار.. الذى بذله .. حتى قضى على المجرم وأرداه ..

كانت اصابة عصام خفيفة .. فقد تلقى الجواد فى صدره كل الرصاص الذى كان يطلقه علام ..

وكانت هناك أمرأة لابسة السواد تسرع فى طريق المعدية .. وأخرى تقف فى نافذة .. بيتها تسأل عن حالة الجريح .. وتتذكر كل الكلمات التى قالها فى الصباح ..

================================
نشرت القصة بمجموعة قصص " الجمال الحزين " لمحمود البدوى فى عام 1962
=
===============================

القــــــاضى

قصة محمود البدوى

يشغل الأستاذ عبد العظيم مركز القاضى بمدينة القاهرة .. ولما كان سكنه فى الضاحية التى تقع فيها المحكمة التى يزاول فيها عمله ، فقد حرص على أن يخفى مركزه كقاض وهو يتعامل مع الجمهور .

ومع أن معظم البيوت قد خلت الآن من الشغالات وكل أنواع الخدم .. ولكن الأستاذ عبد العظيم رزقه الله بشغالة صغيرة جاءت مع زوجته مذ تزوج .. وظلت مقيمة لحسن معاملة الزوجة وللطابع الإنسانى فى الزوج القاضى نفسه .. فقد كان يريحها من الكثير من الأعمال .. ويشترى هو وزوجته معظم حاجات البيت .

وكان يركن عربته وهو راجع من عمله تحت العمارة التى يسكنها ويسعى بقدميه إلى شراء الفاكهة .. وكان تجارها فى صف واحد .. ويحملون نفس الطبع فى التعامل مع الزبون .. وكانت زوجته تبتاع هذه الأشياء من قبل .. فلما شكت له بأن بائعا منهم جذب من يدها كيس الفاكهة بغلظة وفظاعة وأخذ يبرطم لأنها ردته بلطف لغلوه فى الثمن .. منعها زوجها من وقتها أن تتعامل مع هؤلاء لأنه لا يحب أن يتدخل فى أمر من اختصاص البوليس .. وإذا كان البوليس غير موجود فى هذه الأمكنة فهو لايستطيع أن يوجده ..

والجمهور المتعامل مع هؤلاء التجار يعرف أنهم جميعا من قرية واحدة .. وقد احتكروا تجارة الفواكه واستغلوها بجهالة وجشع .. وأى شاب متخصص أو متعلم يفكر فى أن يزاول مثل هذا العمل يخنقونه فى شهر واحد بوسائلهم .

وعلى رأس هذه الجماعة رؤوسهم فى سوق روض الفرج .. وهم يستعملون طابع القوة فى معاملاتهم ويتحدون السلطة بجسارة .. فإذا سعر البطيخ أخفوه وكذلك البرتقال والعنب .. ويصبح المحل فى يوم وليلة يبيع المعلبات والبقالة .. ولا تدرى كيف انقلبت رخصة بائع الفاكهة فى ساعة واحدة إلى بقال .. وتاجر خردوات .. ولكنه استخفاف بكل القوانين والنظم .

***

وفى ظهر يوم لاحظ الأستاذ عبد العظيم وهو يركن العربة تحت العمارة .. وجود شابة تبيع البرتقال والموز والكمثرى .. تحت باكيه فى نفس الشارع .. فاشترى منها وهو مسرور لحسن معاملتها .. فهى لاتغلو فى السعر وتبيع أجود الأصناف وتتركه ينتقى ويختار .

وأصبح من ذلك الوقت يشترى منها .. وهو يعجب لحسن الصدف التى تسهل للناس الأمور .

ولاحظت البائعة .. أنه بعد أن يشترى يصعد إلى العمارة التى على يمينها مباشرة .

فسألته وهى تشير إلى العمارة :
ـ حضرتك ساكن هنا ..؟
ـ نعم .. فى الدور الخامس ..
ـ من اليـوم .. لاتتعـب يا بيـه .. وتحمـل أى شىء .. سأريحك أنا ..

وأصبحت تحمل طلباته إلى باب الشقة .. وعرفتها الست وسرت بها وأصبحت تكلفها بأشياء أخرى من متطلبات البيت .

***

وبعد ظهر يوم لم يجدها الأستاذ عبد العظيم فى مكانها .. كما أنها لم ترسل له راتب الفاكهة كعادتها .. وتصور أنها مريضة أو تركت عملها .. أو شغلت بعمل آخر ونسيها .

وبعد عشرة أيام رآها فى نفس المكان ومعها أقفاص الفاكهة .. وسر لعودتها .. وسألها :
ـ أين كنت ..؟
ـ طاردونى يا بيه .. وفى كل يوم لابد من الدفع .. والدفع من قوت العيال .. أنا بربى ثلاثة أيتام يا بيه .. واتحمل هذه المشقة بسببهم ..

وقال القاضى فى نفسه وهو يبتسم ويتألم لحديثها :
ـ هذه جريمة رشوة صريحة .. وأننى لا أستطيع أن أصدر حكما فيها ..
وسألها :
ـ ثم ما الذى حدث ..؟
ـ نصحنى بيه طيب مثل حضرتك .. أن أطلع رخصة .. وطلعت الرخصة .. والآن سأضع أصبعى فى عينه ..

وأشفق القاضى على بساطتها .. وسر لعودتها .. وكانت فى كل يوم تزداد أمامه طيبة وأمانة .. فوجوده أو غيابه لايغير من طريقتها فى المعاملة فهى دائما تختار أجود الأصناف .

وذات يوم قالت الست لزوجها وهى تبتسم كأنها ظفـرت بغنيمـة :
ـ اليوم سأزن الكيس الذى حملته البائعة ..
ووزنت ووجدته يفى ولا ينقص ويفيض بالكثير .. فقالت الست معقبة :
ـ هذه المرأة غريبة .. وسط هذه الجموع التى جبلت على الغش .. وتمادت فيه .. وما الذى جعل الناس تتمادى فى الغش على هذه الصورة ..
ورد زوجها :
ـ إنه التحول المادى الذى جرف كل شىء فى طريقه .. والعجلة إلى الكسب بأسرع الوسائل وأرخصها ..

وفكر القاضى فى نفسه ..
ـ وما الذى نعمله لنقطع هذا السيل المنهمر من الغش .. تضاعف العقوبة نجأر بالثواب والعقاب فى الآخرة .. لقد بح صوت الخطباء فى المساجد والكنائس ولا نتيجة ..

إن هذا يشبه الحملة إلى النظافة التى نشاهدها ونسمعها فى التليفزيون والراديو .. والتى أصبحت مضحكة ومدعاة إلى السخرية .. فبعد عشرات السنين من الفوضى .. والتسيب وسوء النظام نقول له الآن تنظم .. وتنظف .. وكفى ما كنت عليه من فوضى .

وكان الأستاذ عبد العظيم يسمع وهو يتحرك الشتائم البذيئة تخرج من الأفواه بسبب وبغير سبب .. وكان يسمع العراك .. ويرى سباق السيارات فى الشوارع إلى درجة جعلته يكره سيارته .. إنه يسمع بأذنيه الألفاظ التى يعاقب عليها القانون .. والتى تجر إلى السجن .. ويرى بعينيه فى كل خطوة يخطوها فى الشارع المخالفة التى تجر إلى العقوبة .. ولكنه لايستطيع إن يفعل شيئا .. إنه مقيد تماما لاحول له ولا قوة .

وكان من عادته إذا دخل المحكمة وهو ثائر الأعصاب مما رآه وسمعه فى الطريق .. أن يجلس نصف ساعة كاملة فى غرفة المداولة يشرب القهوة ويعاود هدوء نفسه .

***

وفى صباح يوم من أيام السبت دخل المحكمة صافى النفس .. ووجد أمامه عشرات القضايا .. أكثرها من المخالفات .. وكانت قاعة المحكمة الصغيرة غاصة بالجمهور ، فمع كل صاحب قضية الكثير من الأتباع .

ولكثرة القضايا فى ذلك اليوم ظل القاضى فى المحكمة حتى الساعة الرابعة مساء .

وبعد العصر قالت له زوجته وهى تقدم له طعام الغداء :
ـ فتحية .. جاءت لنا اليوم بموز ممتاز ..
ـ فتحية .. من هى فتحية ..؟
ـ البائعة التى تخدمنا منذ أكثر من سنة .. ألا تعرف اسمها ..؟
ـ والله ما عرفته .. وما سألتها قط .. فتحية .. فتحية ..
ورفع رأسه عن الطعام .. وتولاه السهوم ..
ـ مالك ..؟
ـ لقد مر اسم فتحية اليوم فى القضايا ..
ـ فتحية اسم متداول ..
ـ هذا صحيح ..
ـ ولكن ما نوع القضية ..؟
ـ مخالفة تسعيرة ..
ـ وحكمت عليها ..؟
ـ بالطبع .. الأوراق كاملة الاجراءات ..

قال القاضى هذا وهو يحاول أن يبعث السكينة إلى نفسه .. ولكن الشكوك ظلت تساوره ..

وظلت الزوجة قلقة فهى تعرف أن هذه البائعة مسكينة ولا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها ..

وقد تكون هى التى حكم عليها زوجها بالحبس والغرامة .. وجعلها الشك تنزل إلى الشارع لترى فتحية .. فوجدتها فى مكانها تبيع وبجانبها الأقفاص .. فتيقنت أنها ليست هى .. والتى صدر عليها الحكم هى أنثى غيرها .

***

وفى ظهر يوم وجد الناس فتحية البائعة .. واقفة وسط الشارع تصرخ كالمجنونة .. وبيدها ورقة ..

ـ حكموا علىّ بالحبس والغرامة .. وأنا لم أبع العنب .. خالفت التسعيرة فى العنب ياناس وما بعت العنب فى هذه السنة ولا هذا الموسم .. ماذا أفعل يا ناس يا مؤمنين ..؟

ـ زورى الحسين .. أقرئى فيهم الفاتحة فى الحسين ..
ـ أزور الحسين يا مساطيل .. يا تجار المخدرات .. يالمامة .. إنى أزور الحسين دائما .. هل هذا حل لمسكينة تربى ثلاثة يتامى .. لمن أتركهم يا مساطيل ..

وظلت المسكينة تولول وتصرخ فى جنون ..

***

ومر عليها واحد من الأفندية فتناول منها الورقة التى بيدها والتى كانت قد تسلمتها من المحضر فى صباح اليوم قبـــل أن تخرج من بيتها .. وقال لها الأفندى وقد عصره الألم ..
ـ يا ستى هذا حكم غيابى .. ويمكن المعارضة ..
ـ المعارضة .. الله يخليك .. ولا أحبس ..!
ـ أبدا بإذن الله لاحبس ولا غرامة ..

وتأمل الشاب وجهها كانت مليحة ووديعة تذيب قلب الجماد فى لوعتها ومحنتها ..

وقال لها برقة :
ـ وسأوصلك إلى محام .. يقوم بعمل كل شىء .. ولا يأخـذ أتعـابا .
ـ لا يأخذ أتعابا .. فى هذا الزمان .. الله ينصرك .. الله يخليك ..
ـ إن مكتبه قريب من هنا .. وسأكتب لك عنوانه فى ظهر هــذه الورقة .. والساعة السادسة مساء .. سأنتظر فى مكتبه ..

***

وفى الساعة السادسة وجدت هذا الأفندى فى انتظارها على الباب .. ودخل بها المكتب .. ورأت كاتب المحامى فى الصالة وحوله بعض أصحاب القضايا .

وجلست فتحية فى غرفة المحامى صامتة وطال جلوسها .. وكان الأفندى يقلب فى أوراق كثيرة أمامه ولما رفع رأسه سألته :
ـ أين المحامى ..؟
ـ أنا المحامى الذى حدثتك عنه .. يا ستى .. ولا تشغلى بالك ..
ـ الله يخليك ..
ـ وأنت .. ما بعت العنب ..
ـ أبدا يا بيه .. أبدا فى هذه السنة ..
ـ لفقوا لك قضية .. وما دمت لا تبيعين الأشياء المسعرة .. فقد وجدوها فى العنب ..
ـ أنا عارفه يا بيه .. ومن زمان يطاردنى .. ولكن كيف يحكم علىّ القاضى .. وأنا لم أذهب إلى المحكمة .. ولم يأخذ سؤالى ..
ـ القاضى أمامه الأوراق مستوفاة جميع الجراءات .. فلا بد من الحكم حضرت أو لم تحضرى .. وعبد العظيم بيه من أحسن القضاة عندنا ومشهور برقته وانسانيته ..

وسألت فتحية بسرعة لما سمعت اسم القاضى ..
ـ هو اسمه عبد العظيم بيه ..
ـ نعم ..
ـ إنى أخدمـه وأحمـل له الفاكهة إلى شقته .. فى عمارة الخشاب ..

فرد المحامى ليبعد عنها هذا الخاطر وإن كان على يقين أنه هو الذى تعنيه ..
ـ لابد انه تشابه فى الاسـماء .. وليس هو القاضى الذى تعرفينه ..

وقال المحامى لنفسه .. تقع هذه المسكينة فى الفخ الذى نصبوه لها .. وهناك مئات من التجار الجشعين يتاجرون فى قوت الشعب .. ويستغلونه بكل الطرق الشيطانية .. ويفلتون من قبضة القانون بوسائلهم الجهنمية .

***

ودون المحامى الشاب كل البيانات التى يعوزها للمعارضة .. وجعلها تعمل له توكيلا فى الشهر العقارى ودفع لها كل الرسوم واتخذ كل الاجراءات بسرعة .. ترك الكثير من القضايا إلى أجلها .. وتفرغ لهذه القضية .. كان وجه المرأة المسكينة التى تعول ثلاثة يتامى يتحرك أمامه فى كل خطوة .

وكان يعرف المآسى التى تحدث من الحكم الغيابى .. والوسائل الجهنمية التى يلجأ اليها أصحاب العمارات فى هذه الأيام لطرد السكان .. فالساكن فى الجيزة يعلنونه فى طنطا وفى قليوب .. ويوجدون له عنوانا مفتعلا ..

وكم تصدع رأسه من شر هذه الوسائل .. والتى يقع فى حبائلها غالبا السكان الذين يعملون فى الخارج والمسافرون لمدد طويلة .

***

ولما تحدد يوم الجلسة بكر فى الذهاب إلى مسكنها .. وكانت تشغل غرفتين فى بدروم .. وتلقته فى جلبابها الأسود والطرحة على رأسها .. وكأنها ترى ملاكا هبط عليها من السماء فى هذا العالم الذى تتحرك فيه الشياطين وتسيطر .

وقالت وهى خجلى :
ـ تفضل يا بيه ..
وقدمت له كرسيا .. فجلس حتى لا يجعلها تشعر بالخجل .. وظهر اليتامى أمامه فى لحظات سريعة لأن أمهم أغلقت عليهم الباب بسرعة .. وفكر فى مصيرهم بعد حبس أمهم ..

وقدمت الشاى فقال وهو يتناوله من يدها :
ـ جلسة المعارضة فى يوم الإثنين ..
ولاحظ الذعر على وجهها .. فأكمل
ـ وسأنتظرك على باب المحكمة قبل التاسعة صباحا .
وقالت وهى تبكى :
ـ سأذهب وأزور الحسين .. وأدعو لك يا بيه .. الله ينصرك .. الله يخليك ..

ولما خرجت وراءه إلى الطريق .. وركب سيارته وهى تبكى .. لم تكن تدرى أبكت لإنسانيته التى هزت مشاعرها .. أم لمصيرها الذى لم تكن تعرفه ولا تدرى ما يفعله بها القدر فى ذلك اليوم ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 2581984
=================================

ساعة المحطة
قصة محمود البدوى


كان عبد الغنى فراشا فى محطة .. متوسطة على شريط الصعيد ومنذ أربعين سنة وهو يعمل فى المحطات .. رأى الخط الحديدى يمتد أمامه ويزدوج .. ورأى أسلاك البرق .. ترفع على الأعمدة الخشبية وتهتز مع زئير الريح .. ورأى القاطرات الضخمة التى تتغذى بالفحم وتثير زوبعة من الدخان .. ثم رأى الديزل السريع الذى يمضى كالسهم من غير دخان ..

وكان عبد الغنى رغم كبر سنه يقوم بكل الأعمال .. حتى النوباتجية إلى الصباح .. فقد كان بادى الصحة لايشكو من أى علة ..

وكان للمحطة استراحة صغيرة .. وضعت فيها كنبة عتيقة ممزقة ومتسخة وثلاثة كراسى من القش علاها التراب ..

وكان لايدخل هذه الاستراحة أحد إلا السيدات اللواتى ينتظرن الاكسبريس فى ليالى الشتاء ..

ومكتب للتليفون والتلغراف .. تهزه الريح فى الشتاء ويتساقط من سقفه المطر .. ثم مخزن للعفش .. ولكن العفش كان يترك أبدا على الرصيف ..!

كانت القذارة فى كل مكان .. داخل المحطة .. وخارجها ..

وكان كل شىء يتحرك .. فى كآبة مملة .. الموظفون يتثاءبون فى الساعات الأولى من الصباح .. والخفراء والعمال والحمالون يعملون كأنهم مسخرون ..

كان الموظفون يشكون من جمهور الركاب ومن المصلحة ومن الغبار والذباب والحر اللافح فى الصيف .. ومن المطر والبرد والوحل فى الشتاء ومن الكآبة المظلمة التى تحيط بالمكان ..

وكانت لافتة المحطة منصوبة على عمود خشبى فى الشمال .. وطمس من اسمها حرفان تماما .. فأصبح يتعذر على أى إنسان أن يقرأها ..

وكانت هناك شجرة واحدة .. كان من الممكن لو ازدهرت أن تكون منبع الظل والجمال .. ولكن تركت للمقادير .. ولريح الخماسين .. ولم يكن هناك شىء مضبوط فى المحطة سوى الساعة .. وتحتها كان يجلس عبد الغنى .. ومنذ انشئت المحطة .. وعلق عبد الغنى بيده الساعة على واجهتها وهى تسـير بدقة .. كانت لاتتأخر ولا تتقدم ثانية واحدة .. كانت تسير بانتظام عجيب ..

وكان الناس يضبطون عليها ساعاتهم .. كأنها " بج بن " ..

وكانت هذه الساعة تتحرك وتحتها يتحرك عبد الغنى ينظر إليها .. ويقرع جرس القطار .. وينظر إليها .. ويفتح مكتب الناظر .. وينظر إليها .. ويتسلم الوردية من شعبان ..

وكان كل شىء حسنا فى نظر عبد الغنى .. كان قانعا بالحياة .. راضيا وكانت أمنيته العزيزة الباقية أن يزور الأسياد فى القاهرة ..

***

وذات مساء .. استدعاه الناظر وقال له :
ـ يا عم عبد الغنى .. مدتك .. قربت ..

ولم يفهم الرجل فقد كان بكامل صحته .. كأنه ابن العشرين .. وفتح فمه فى استغراب .. ومد رأسه يستوضح .. فقال الناظر :
ـ وصلنا جواب .. من المصلحة .. علشانك ..
ـ فيه ايه ..؟
ـ مدة خدمتك تنتهى فى أكتوبر ..

وكأنما سمع الرجل الحكم عليه بالاعدام .. فرغم الكآبة وقلة الأجر طوال هذه السنوات .. فإنه كان يعمل ويتحرك .. ويشعر بالأمان .. أما الآن .. فقد القى به بعيدا .. عن معترك الحياة ..

وأحس الرجل الذى كان يسير فى المحطة كابن العشرين .. أحس لأول مرة فى حياته بالشيخوخة الحقة تدب فى جسمه .. فسحب رجليه سحبا .. وجلس على دكة هناك .. بعيدا .. ينظر إلى المحطة الصغيرة التى عاش فيها .. أربعين سنة من عمره .. والتى أقامها على عاتقه .. أن كل الموظفين الذين جاءوا إليها وعاشوا فيها .. خدمهم باخلاص .. كان لهم نعم الأب .. الصغار والكبار منهم وكل شىء فى المحطة يتصل به ويمتزج .. الاكشاك .. وأسلاك البرق .. والمكاتب والتليفون .. وآلة التلغراف .. وحتى التراب .. فكيف يقطع هذا منه وينفصل عنه فى لحظة .. فى اكتوبر سيخلع بدلة المصلحة .. وماذا يلبس .. وفى أكتوبر سيتسلم المكافأة وماذا يفعل بها بعد أربعين سنة .. قضاها فى هذا القطاع الضيق من الحياة .. ماذا يفعل ..؟

واستدار بعنقه وهو جالس .. إلى الخلف .. شعر بشىء يحط على كتفيه .. وود لو يراه .. ويلمسه .. وتثاءب .. وأحس بالنعاس وشعر بثقل تام فى جسمه كله ..فاسترخى وراح فى دوامة من الهموم ..

ولما انتهى من عمله فى المحطة .. انحدر منها إلى بيته .. وفى الطريق وقف أمام دكان حمدان يشترى علبة سجائر .. وكان يود أن يقول له :
ـ استوفيت المدة .. يا حمدان .. الناظر .. قال لى كده ..

وعجب أهل بلدته لمنظره وهو يمشى متثاقلا .. حزينا .. حسبوه راجعا من جنازة ولده ..

وعندما دخل بيته ورأت زوجته الكآبة على وجهه ، سألته :
ـ مالك .. يا عبد الغنى .. قطعوا منك يوم ..؟
ـ قطعوا عيشى .. على طول ..
ـ كيف ..؟
وخنقتها العبرات ..
ـ استوفيت المدة ..

ولم تفهم نبوية شيئا .. ولكن بعد دقيقة فهمت .. وخيم الحزن على البيت وناما من غير عشاء ..

***

وفى اليوم التالى .. استيقظ عبد الغنى لأول مرة متأخرا .. وشعر بكآبة الحياة وثقلها .. وخرج من بيته إلى المحطة .. وكان يسمع صفير القطارات ودخانها .. وحركة السيمافورات .. وهو يشعر بغشاوة على بصره وسمعه ..

رأى كل شىء قد التف فى سواد .. ماتت فى نظره كل المباهج والمتع واسود وجه الأرض فى لحظة ..

وكان كل من فى المحطـة قـد عرف أن عبد الغنى سيحال إلى المعاش .. فتألموا لفراقه ، فقد كان يغمرهم جميعا بأبوته الكريمة ..

ورآه ذات ليلة أحد الموظفين يشترى شيئا من السوق لموظف التلغراف .. وابتدره عبد الغنى بقوله :
ـ سمعت يا فكرى أفندى .. أنا استوفيت المدة .. امبارح ندهلى الناظر .. وقال لى كده ..
وكانت عيناه .. تسبحان فى الدمع ..
ـ وما كلمتش حد ..؟
ـ مين ..؟
ـ الدكتور عرفان مسافر فى قطر تسعة هو والست بتعته .. اجرى كلمه .. يكلملك حسن بيه ..
ـ يعمل إيه ..؟
ـ يشوفلك حل .. يمدوا لك المدة .. يعينوك عتال ..!! أنت بصحتك ..
ـ مسافر فى تسعة ..؟
ـ أيوه .. الحق ..

***

وعندما صعد عبد الغنى جسر المحطة .. كان قطر تسعة يدخل كالزوبعة وكان الوصول إلى المحطة عدوا .. لايمكن أن يتم فى أقل من خمس دقائق .. والقطار .. يقف دقيقة واحدة .. ومع هذا فإن العجوز المسكين جرى بكل سرعته .. وكل قوته ..!!

وعندما دوى حذاؤه على أرض المحطة كان القطار قد تحرك .. ورمى مارجا من الدخان والنار ..

وصاح عبد الغنى .. وهو يجرى وراء آخر عربة :
ـ يا عرفان بيه .. شوفلى حكايتى فى مصر .. وحياة السيدة زينب ياعرفان بيه .. كلم حسن بيه وحياة أولادك حيرفتونى ..

وأخذ الرجل يزعق .. كالمجنون ويختلط صراخه .. مع الصفير .. وبعد أن غاب القطار فى جوف الليل عاد عبد الغنى يلهث على الرصيف ثم جلس تحت الساعة .. وكان التعب قد نال منه وقلبه يدق بشدة فقد بذل مجهودا عنيفا ..

وعندما دخل قطار نصف الليل المحطة خرج الناظر من حجرته يستقبله .. ورأى عبد الغنى من بعيد جالسا تحت الساعة وحيا الناظر الكمسارى والسائق .. ثم قال :
ـ دق الجرس .. يا عبد الغنى ..

ولكن الجرس لم يدق ، لأن عبد الغنى أصبح لايسمع أى صوت ..
وأشار الناظر بيده للسائق .. فتحرك القطار من غير صفير ..

***

كان كل من يراه يتصوره نائما .. وكان وجهه يتجه إلى السيمافور المفتوح .. على خط القاهرة .. وإلى هذا السيمافور كان ينظر من أربعين سنة وعلى وجهه الرضا والقناعة ..

وكانت الساعة قد توقفت على العاشرة والدقيقة الخمسين وهى اللحظة التى توقف فيها قلب الرجل .. توقفت تماما .. وهو شىء لم يحدث لها منذ تحركت عقاربها فى هذه المحطة ..
====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 30/4/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================












ليست هناك تعليقات: