الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 3 قصص من حرب اسرائيل 1956


القصص المنشورة
ـــــــــــــــــــــــــ
ـ عند البحيرة
ـ الجريح
ـ الإشارة
ـــــــــــ




عند البحيرة
قصة محمود البدوى

كانت المدبنة الباسلة تقاوم الغزو بقلب واحد .. فالرجال والنساء وحتى الأطفال .. كانوا يقاتلون ببسالة من شبر إلى شبر .. وكانت القنابل تسقط عليهم من السماء والأرض .. والنيران تندلع حولهم ومع ذلك لم يتخاذل منهم أحد ولم يتراجع ..

وظلت البيوت صامدة ومشرقة فى وهج الشمس .. ثم أخذت كرات من اللهب تسقط عليها .. وأخذت القذائف تدكها .. وبين الأطلال والرماد وقطع الأثاث المتناثرة كان الأهالى يتجمعون .. من جديد ويقيمون المتاريس .. ويطلقون النيران ..

واشتدت المعركة وانقلبت إلى جحيم .. فأخذ الناس يخرجون النساء والأطفال .. من المدينة ..

ولكن " زبيدة " بقيت فى بيتها .. ومن الصباح الباكر وهى تسمع الضرب .. يأتى من ناحية البحر وكان شديدا مروعا .. ولكنها كانت مطمئنة .. وتقول لكل من تراه سنسحق الأنذال ..

وكان زوجها قد حمل سلاحه وذهب إلى مطار " الجميل " ومنذ الأمس وهو يقاتل هناك .. وفى الصباح علمت أن المعركة انتقلـت إلى بور فؤاد .. وزوجها فى قلب الجبهة .. يقاتل مع الوحدات المدرعة ..

وفى آخر الليل .. عاد بعض الرجال .. ولكنه لم يعد .. فانتفض قلبها .. ولكنها لم تسأل عنه .. كانت تعرف أن المعركة مستمرة وأنه سيعود .. حاملا أنباء النصر ..

وكان الميكروفون يزعق فى الشارع .. والناس يتدافعون كالموج من جبهة إلى جبهة .. ودوى المدافع يصم الآذان ..

***

وكانت هناك طابية على الساحل .. ترسل بين الفينة والفينة .. قذيفة .. قذيفة واحدة .. ولكنها تدك الجبال .. وتجعل البحر يتحول إلى طوفان .. وكانت زبيدة كلما سمعت هذه الطلقة .. تفرح وتطمئن .. كانت تعرف أنه مادامت هذه الطابية تعمل .. فلن يجرؤ اسطول الأعداء على الاقتراب من الشاطىء ..

ولكن بعد غروب الشمس .. سكتت الطابية .. سكتت المدافع التى كانت تفرح قلبها وتشيع فيه الأمان .. فاعتصرها الألم .. وبعد ساعة .. سمعت بمقتل زوجها ..

***

وفى اليوم الثالث من المعركة سمعت زبيدة وهى فى صحن الدار الضرب يقترب من منزلها والمنازل التى بجوارها تنهار .. فتناولت ابنها الصغير على صدرها بسرعة ودفعت غلامها الثانى أمامها وجرت .. وعندما أصبحت فى وسط الشارع .. كان الغبار والسواد يحجبان الأبصار ..

ولما انقشعت عن بصرها الغشاوة .. لم تجد ابنها الذى كان بمشى بجوارها فجنت .. ودارت ببصرها فى المكان وجرت مقبلة مدبرة .. وكان الرصاص والقذائف واللهب يتساقط حولها كالمطر ..

وأخذ جدار من بيتها ينهار .. فصرخت ، فى تلك اللحظة .. برز شاب .. بجوارها ، وعرف أنها تركت ابنها فى الداخل .. فاندفع إلى داخل البيت كالقذيفة وغاب لحظات ، وكانت زبيدة فى خلالها واقفة فى مكانها متخشبة .. لاتطرف ..

وعندما خرج " ماهر " يحمل ابنها حيا على صدره .. كان التراب يلطخ قميصه والدم يسيل من وجهه .. وأدركت أنه تعرض للموت المحقق وهو يبحث عن الغلام .. وأسرع بها لتخرج من المكان ..

ولما خرجوا من المدينة .. كان الظلام يخيم .. واتخذوا الطريق إلى بحيرة " المنزلة " ..

***

ولما بلغوا الشاطىء .. كان الليل قد انتصف ، وعلموا أن الإنجليز احتلوا المدينة .. وحاصروها ..

وكان مع " ماهر " بعض الماء فى " زمزمية " فأعطاه للطفلين .. ونظرت إليه زبيدة صامتة ..

وقد قطـع الأنذال الماء عن المدينة .. وهى تبحث عن قطرة لطفليها ..

***

ووجدوا على شاطىء البحيرة جمعا غفيرا من الناس ينتظرون المراكب ، ولكن لم تكن هناك " فلوكة " واحدة ..

وجلس الناس صامتين ، وكان الضرب فى المدينة على أشده والطائرات تحلق فوقهم ..

***

وظل ماهر يبحث على الشاطىء ويرقب مراكب الصيد .. وكل شراع يخفق ..

وكان الأهالى متناثرين وكلما شاهدوا قاربا يقترب من البر .. اندفعوا نحوه بسرعة .. وأخذوه وأبحروا ..

ثم انقطعت القوارب لمدة ساعة .. فخشى ماهر على السيدة وطفليها من طائرات الأعداء ، ومشى على الساحل كما اتفق ، فلمح عن بعد زورقا يقترب فرجع إلى زبيدة ..

وكان الطفل الأكبر قد نام فحمله .. وحملت هى الأصغر .. وسارا نحو الزورق ..

وكانت زبيدة ترتدى ثوبا بسيطا .. الفستان الذى كانت تلبسه فى البيت منذ ساعات .. ولم يكن معها أى شىء آخر .. أذهلها الموقف حتى عن أخذ النقود .. فتركتها كلها فى الدولاب ..

وسألها وقد رآها لا تحمل حتى حقيبة اليد التى تحملها السيدات ..
ـ خرجت هكذا .. دون حقيبة ..
ـ ولا منديل .. أذهلنى الموقف عن كل شىء .. حتى النقود .. وهى أسـهل شىء يحمل .. تركتها فى الدولاب .. كلها .. كل ما نملك .. لقد طار عقلى .. وتصورت أن القنبلة سقطت على الطفلين ..
ـ لك عذرك .. والنقود فداك ..
ـ عندما تطورت الأحوال .. وعلمنا أن أسطولهم يقترب .. جمعت كل نقودنا .. وكل ما معى من جواهر .. ووضعتها فى علبة فى الدولاب .. ولكن نسيتها .. أنسانيها الموت ..
ـ فداك .. وكل هذه الأشياء تعوض .. مادمنا نعيش ونعمل ..
ـ ولكن أخشى أن تقع فى أيديهم غنيمة .. الأنذال .. ان لم يكن البيت قد سقط كله أو احترق .. سيأخذون كل شىء ..

ولما أصبحوا فى اتجاه الزورق جلسوا فى انتظاره ، وكان الصغير فى حجرها نائما .. ولا يدرى شيئا مما يدور حوله ، أمـا الطفل الآخر فقد خلع ماهر سترته .. وأرقده على نصفها ودثره بالنصف الآخر ..

ورآها وليس معها حتى شال تلقيه على كتفيها .. ونظرت إليه بعد أن خلع سترته .. وكان ممسكا بالبندقية .. ورأت وجهه باسما يتفجر بالحياة والأمل ..
وقالت هامسة :
ـ أتعبتك ..
ـ لاتقولى هذا .. الآن .. اننا فى حرب ..
ـ ولكننى عرضتك للموت ..
ـ إن لم أمت .. وأنا أدافع عنك .. وعن الأرض التى نقف عليها ونأكل منها .. فمتى أموت ..
ـ لست من أهل بور سعيد ..؟
ـ أنا من القاهرة .. وجئت بور سعيد فى مهمة قصيرة .. يوم الثلاثاء الماضى .. وبقيت وشهدت المعركة ..
ـ ولكنك مسلح ..؟
ـ انها بندقيـة .. شهيـد .. رأيته يسقط .. بعد أن أطلق آخر طلقة .. كان كأنه فرقة كاملة .. كان يتلقفهم من السماء والأرض .. كان قوة رهيبة .. ولما فرغ منه الرصاص .. سكت .. مثل هذا يموت دائما .. وهذا أسوأ ما فى المسألة ..

وتذكرت زوجها .. فدمعت عيناها .. ونكست رأسها ..

ورآها وحيدة مع طفليها .. ولم يسألها .. عن الرجل .. كان يعرف أن هناك كثيرات مثلها ذهب رجالهن إلى المعركة ..

وكانت تشعر معه بالأمان ، فمذ وقف بجانبها .. وأنقذ لها الطفل وهى تشعر بالأمان ..

رأت فيه شيئا جعلها تنسى هول المعركة .. وتنسى أنها فقدت زوجها منذ ساعات .. كان صامتا .. قليل الكلام .. ولكنه أشاع فى نفسها الدفء والسكينة .. ومع أنها لاتزال على الشاطىء .. ولم يقترب القارب .. وحولها المدافع تقصف والنيران تتأجج ، والأعداء يرمون القنابل على البحيرة .. ليغرقوا الزوارق بمن فيها .. ولكنها كانت تشعر بالأمان المطلق ..

ورأته بعد أن اقترب الزورق يقفز فى الماء ويخوض نحوه .. ومع أنه وجده محملا بالأكياس ولكنه جره .. إلى الشاطىء ، وقال له الملاح :
ـ اننى محمل .. ولا أستطيع أن آخذ أكثر من ثلاثة ..
ـ اننا أقل من ذلك ..
ورسا الزورق ..
ولكن بعد دقيقة .. جرت امرأتان .. ورجل عجوز ..
فأركبهم ماهر .. وقبل أن يبحروا ظهرت امرأة أخـرى وكانت تجرى وعلى رأسها متاعها .. وتصرخ مستنجدة :
وقال ماهر للملاح :
ـ هاتها ..
ولما ركبت .. كاد الزورق يغرق .. وظهرت الخطورة جلية لو أبحروا على هذه الحالة ..
وقال الملاح :
ـ لابد أن ينزل واحد ..
ونظر الناس بعضهم إلى بعض .. ولم يتحرك أحد .. وخيم الصمت والذهول ..
ثم وقف ماهر .. ووثب إلى الشاطىء ..
ونظرت إليه زبيدة وهو يقف وحيدا على الشاطىء فى الظلام والهول .. ولم تملك عبراتها ..

وبعد لحظات من ابحارهم .. حلقت فوق الزورق طائرة وأخذت تضربه .. بالمدافع .. ولكنها لم تصبه .. وعادت مرة ومرة .. وفى المرة الثالثة .. رأت زبيدة ماهر يصوب على الطائرة ويسقطها ..

***

ومر اسبوع .. وانتقلت فى خلاله زبيدة من المطرية .. إلى المنصورة لتقيم مع أختها .. وكانت فى كل صباح تنزل إلى الشارع لتسمع من الناس أخبار بور سعيد .. لقد فقدت زوجها فى المعركة .. وشاءت الأقدار أن تفقد رجلا آخر .. كان ذهنها مشغولا به لأنها تركته على الساحل حيا .. يتحرك ويقاتل .. الطائرات التى تحلق فوقه ..

كان ذهنها مشغولا به .. وكانت تود أن تعرف ما حدث ..

ثم سمعت ما جعلها تيأس كلية .. وتفقد كل أمل .. فبكت .. بكت على الرجل الغريب .. كما بكت من قبل على زوجها ..

***

ومر اسبوع آخر .. وفى صباح يوم من أيام الاثنين .. وكانت أختها قد خرجت بالأطفال إلى المنتزة فى " شجرة الدر " لأول مرة .. تريهم النهر وتجعلهم يلعبون فى الهواء والشمس .. سمعت " زبيدة " طرقا خفيفا على الباب .. ولما فتحت وجدت ماهر .. وكان كما تركته على ساحل البحيرة .. على كتفه البندقية وخزان الرصاص ولكن ذراعه اليمنى كانت مشدودة إلى عنقه .. وعليها الضمادات .. ولا تدرى كيف قاومت الرغبة العنيفة فى الارتماء على صدره .. واكتفت بالنظر إليه صامتة .. عجزت عن الكلام ..
وسمعته يقول :
ـ تعبت .. فى البحث عنك .. حتى وجدتك ..
ـ تفضل ..
وأصبحت كلها حركة ..
ـ تفضل .. وأشارت بيدها ..
ودخل ..
ـ كيف عرفت البيت .. هذا عجيب ..
ـ عرفته من سيدة فى المطرية .. بعد أن ذكرت لها عنوانك .. فى بور سعيد .. وأطلعتها على رسالة باسمك وجدتها فى بيتك ..
ـ رسالة وجدتها فى بيتى ..؟!
ـ أجل ..

ورأت ذراعه السليمة تتحرك ويده تخرج الرسالة وشيئا آخر من حمالة القماش المدلاة بجانبه .. وقدم هذا الشىء لها .. فنظرت إليه متعجبة .. انها العلبة التى حدثته عنها والتى تركتها .. فى الدولاب ووضعت فيها كل النقود والأشياء الثمينة ..
لقد دخل المدينة المحاصرة وقاتل وأتى بها ..
ونظرت إلى ذراعه الجريحة .. وسألت :
ـ أصبت ..؟
ـ أجل أصابنى الأنذال .. وأنا أقاتل على حدود المدينة .. ولكن سأبرأ قريبـا .. بعد اسبوع واحد .. سأنزع الضمادات وأذهب إلى هناك ..
ـ إلى الاسماعيلية ..؟
ـ لا إلى بور سعيد .. وسأقاتل .. حتى أطرد الخنازير .. وسنطهر المدينة الباسلة من رجسهم ..
ونظرت إليه فى اكبار ..
واستأنف حديثه :
ـ وسأبنى لك بيتا .. جديدا .. بالخرسانة هذه المرة .. حتى لا يسـقط .. وسنجعل الدولاب إلى داخل الحائط .. حتى لا تسرق النقود ..
وضحكت ..
ونهض ومد يده مسلما ..
ـ ذاهب .. هكذا .. سريعا ..
ـ أجل .. وسأعود ..

وهبطت معه السلم وودعته على الباب الخارجى .. ومضى فى الطريق الطويل على حـافة النهر بين الأشجار .. والشمس يسطع نورها .. ويملأ الآفاق ..

وسألتها أختها .. وكانت قد عادت بالأطفال .. ورأتها .. من بعيد وهى تودع الرجل ..
ـ تعرفينه ..؟
فلم تنبس " زبيدة " ..
وظل بصرها يتبع الرجل ..

وعندما حولت وجهها إلى أختها رأت هذه دمعة صافية قد وقفت حائرة .. على الخد ..

وصدحـت الموسيقى بعد لحظة فى الطريق .. ومر الشبان المسلحون .. وخوذاتهم وحرابهم .. تلمع فى الشمس .. واستقبلهم الناس بالهتاف والتصفيق ..

ووقفت زبيدة فى الصف تحيى الرجال الذاهبين إلى المعركة .. وتصورت ماهر هناك فى المقدمة يقاتل قتال الأبطال ليطرد الغزاة .. وكانت الصورة رائعة والشمس الطالعة والموسيقى الصادحة تزيدها روعة ..

====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 10/12/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " وفى مجموعة " قصص من القنال " ـ مكتبة مصر
====================================



شجاعة الرجال فى حرب 1956

الجــريح
قصة محمود البدوى


كان " عبد الغنى " .. خفير مزلقان على السكة الحديد فى الخط الشرقى وكان المزلقان يبعد عن مدينة الإسماعيلية ببضعة كيلو مترات .

وعندما بدأت الحرب فى القنال يوم 29 اكتوبر .. لم يتغير شىء فى حياة عبد الغنى وفى الكوخ الذى يعيش فيه بجانب الشريط الحديدى .. فقط كان يرى قوافل السيارات والدبابات تتجه إلى الميدان .. ولا تنقطع التحركات لحظة وكان يقوم بحياته اليومية الرتيبة .. دون ملل . فعندما يسمع رنين الجرس فى الكشك الخشبى الصغير يتحرك سريعا ويغلق الخط ..

***

ولم يكن فى هذا المكان المنعزل عن الحياة .. يستمع إلى الراديو أو يقرأ الصحف .. فغابت عنه كل تطورات المعركة .. ولكن جوارحه كلها كانت تحس بها .. كان يحس بها من تحركات الجنود فى الطريق ومن القطارات المحملة بالعتاد والدبابات والمدرعات .. التى تمر بجانبه .. ومن طائرات الأعداء .. التى تلقى القنابل فى كل مكان ..

وكان الدكتور " قاسم " الطبيب فى أحد مستشفيات المدينة .. يمر بالمزلقان كل صباح وهو ذاهب إلى المستشفى .. وفى المساء وهو عائد منه .. وكان عبد الغنى يعرفه من سنوات ويحادثه كلما مر بسيارته ويسأله عن أخبار الحرب ..

ولكن الطبيب انقطع عن المرور بالمزلقان فانشغل عبد الغنى وخشى أن يكون الطبيب الشاب قد أصيب برصاص الأعداء .. وأن تكون الحوادث قد تطورت وحملت معها الأنباء المحزنة .. فتألم .. وكانت طاقته العصبية تدفعه إلى الحركة وإلى سؤال كل عابر فى الطريق .

***

وفى المساء .. سمع ما كان يخشاه .. سمع من سائق لورى عبر المزلقان .. أن الأعداء سيضربون بطائراتهم الخطوط الحديدية .

فوثب " عبد الغنى " إلى السائق ليخنقه ثم رجع إلى نفسه فأفلته .. ووقف بعد أن ذهب الرجل وغاب بسيارته .. ينظر إلى ما حوله .. ويتساءل .. يضربون الخطوط الحديدية .. القضبان .. والفلنكات .. وأسلاك التليفون .. وأعمدة البرق .. والزلط والتراب الذى بين الشريط .. هذه الأشياء كلها قطعة من لحمه وجزء من دمه منذ ثلاثين عاما وهو خفير فى المصلحة .. وقد شربت رئتاه من دخان القطارات وامتزج عرقه بزيتها .. وانطبعت يده على حديد البوابة .. التى يفتحها ويغلقها مرات فى الساعة ..

فكيف يدمر الخط .. ويعطل هذا الشريان الذى يتدفق فى دمه .. كيف .. ثار دمه وتيقظت حواسه كلها .. وكان غير مسلح .. فحمل بندقية سريعة ولم يعد مسئولا عن المزلقان وحده .. بل أصبح حارسا للشريط كله ..

وفى اليوم السابق للهجوم الغادر على ميناء بور سعيد ، اشتد الضرب فى هـذه المنطقة وفى منطقة التـل الكبير والقصاصين .. وكانت المدافع المضادة تمزق طائرات الأعداء وتصليها بالنار الحامية.

وكان عبد الغنى يرى بعض هذه الطائرات تحلق قريبا منه .. ثم تفرغ حمولتها وتلوذ بالفرار ، فكمن على ربوة بجانب الشريط وأخذ يطلق عليها النـار بشدة .. حتى تصور كل من سمـع الضرب أن هناك فصيلة كاملة تقاتل هذه الطائرات .. وترد على عدوانها ..

أخذت بندقيته تزأر .. وحاصرته الطائرات وألقت حوله القنابل المتفجرة .. ومع هذا لم يكف عن القتال .. ظل يقاتل .. ويقاتل .. حتى أصابته الشظايا .. فجرح جرحا دفينا .. وسكتت بندقيته وغاب عن الوجود ..

***

وعندما فتح عينيه .. وجد الظلام يخيم ومد بصره .. إلى الشريط .. فلم يستطع أن يرى شيئا .. فتحامل على نفسه والدم ينـزف منه وزحف ببطء ومشقة .. على الرمال وبعد ثلاثين مترا وجد أثر القنابل ..

وجد حفرة عميقة بجانب الخط ثم شهد القضبان ملتوية وطارت الفلنكات ودعائم الكوبرى الصغير الذى يمر فوقه القطار فانتفض قلبه .. وارتعش ونظر إلى النجوم .. وقدر أن الساعة بلغت الثامنة مساء وأحس بمثل الخنجر يمزق ظهره .. لأن قطار الركاب سيمر بعد عشر دقائق وتصور عبد الغنى الكارثة .. عندما تنقلب العربات وتحترق .. فارتعش وصرخ .. وتذكر القطارات الطويلة .. التى تمر بالليل محملة بالمدافع والدبابات والمؤن وتصورها عندما تقترب من هذا المكان وتنقلب عرباتها وقدر ما يصيب الوطن من خسارة فعاد يزحف وهو يتصبب عرقا وينزف دما .. حتى وصل إلى الكشك ومد يده إلى سماعة التليفون فتناولها ولكنه لم يستطع أن ينتصب .. وسقط .. بالسماعة على الأرض .. وجن وعاد يصرخ عندما سمع جرس الإشـارات يدق منـذرا باقتراب القطار . . والسائق لايعرف ما حدث على الخط وما من شخص ينبهه .

وحاول عبد الغنى أن يزحف على بطنه .. فلم يستطع أن يتحرك مقدار شبر واحد ، ولكن يده عثرت على شىء فتقلصت عليه ، ونظر إلى الكوخ فوق رأسه وعيدان الحطب بجواره .. ولمعت فى رأسه فكرة ولكنه قرر خطورتها .. لأنه سيحترق مع الكوخ عندما تقترب منه النار ولا يستطيع أن يتحرك ويبتعد عنها .. وتردد لحظات والعرق يتصبب من جسمه المحموم ، ولكنه سمع صفير القطار .. فجن .. وتناول عود الثقاب من جيبه .. وأشعل عودا من الحطب .. ورماه على القش فأشتعل الكوخ .. ورأى النور يتوهج ويقلب كل شىء إلى نهار مبصر ..

وكان القطار يصفر .. ثم لم يعد يسمع صفيره .. وغاب عن الوجود.

***

وعندما فتح عينيه .. وجد نفسه فى مستشفى الزقازيق .. والدكتور قاسم بجواره .. وعرف أن الدكتور التقطه فى اللحظة الحاسمة وانتشله من النار وهو مار بسيارته ولما سأل عبد الغنى عن القطار الذى كان يصفر .. وعرف أنه توقف على ضوء النهار قبـل الكوبرى المحطم .. بسبعة أمتار !
================================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية 25/12/1956 وأعيد نشرها بمجموعة صقر الليل لمحمود البدوى 1971
================================



الإشــارة

قصة محمود البدوى

حدث فى ليلة من ليالى الخريف ـ وكنت فى طريقى إلى بيتى بضاحية مصر الجديدة ـ أن رأيت سيدة تقف حائرة على رأس الطريق وتسأل عن شارع دكرنس ، ولما كنت أعرف موقع الشارع ، وكانت السيدة أجنبية ولاتستطيع التفاهم مع من تصادفه إلا بمشقة ، لأنها تجهل اللغة الدارجة ، فقد أشفقت عليها ومشيت بجانبها أدلها على الطريق

ولما بلغنا المنزل الذى تقصده وقفت أترجم كلامها للبواب

ولم تجد الرجل الذى تسأل عنه وتحمل عنوانه ، وعلمنا من البواب أنه ترك الشقة منذ أكثر من سبعة أشهر .. إلى حيث لايعلم .

ورأيت وجه السيدة يصفر وارتعش فمها وهى تسمع هذا الخبر ، كأنها كانت تعلق كل آمالها على لقاء الرجل الذى ذهب ، وعدنا مرة أخرى إلى الطريق .. وكانت صامتة تجتر أحزانها ثم سألتنى عن فندق أو بنسيون يمكن أن تقضى فيه الليل ، وعرفتها أنه لاتوجد بنسيونات فى هذه المنطقة .. ولايوجد إلا فندق واحد فى الضاحية وأجره مرتفع والأحسن أن تذهب إلى المدينة .. وتلقت كلامى دون تعليق ..

ومشيت بجوارى مستسلمة إلى محطة المترو ..وهناك تحت الضوء استطعت أن أميز قسمات وجهها ..

وكانت رشيقة حلوة ترتدى رداء سنجابيا من قطعة واحدة .. ظاهر فيه البساطة والرخص ولكنها بدت فيه أكثر فتنة .. وكانت فى الرابعة والعشرين من عمرها .. ويبدو عليها أنها تشكو من حالة نفسية أو قلق متمكن ، ووضعت الحقيبة الصغيرة التى كانت تمسك بها على الرصيف واستدارت إلىّ بوجهها .. ورأيت ابتسامة خفيفة لاحت على شفتيها ..

وقالت برقة :
ـ الظاهر أننا سننتظر طويلا .. تفضل أنت ..
ـ سأبقى حتى تركبى ..

وبدت منها حركة بسيطة .. فاقتربت منى ولاحظت أنها ليست طويلة القامة بل أقرب إلى القصر وعودها أكثر لينا ورشاقة مما قدرت أولا .

وكنت أفكر وأنا واقف معها فى السبب الذى جعلنى أخصها بكل هذه العناية ، الأنها جميلة أم لأنها وحيدة وغريبة فى مكان يبعد عن بيتها ، أم لأنى كنت أود أن أمرن لسانى على لغة تصورت أنى قد نسيتها تماما .. الواقع أنه مع هذه الأشياء مجتمعة فانى كنت أشتاق إلى مرافقة أنثى ولو لجولة قصيرة .

ولما طال انتظارنا فى المحطة .. وكانت تنظر إلىّ من وقت لآخر .. كأنها تبحث عن حل لورطتها ..

عرضت عليها فى بساطة أن تقضى الليل فى بيتى وقبلت مسرورة .. كأنها كانت تنتظر هذا العرض منذ التقينا ولم تجد الرجل الذى كانت تقصده ، ومشينا فى خطى رتيبة إلى البيت .

وكنت أسكن فى الطابق السادس من عمارة حديثة البناء .. فى شقة صغيرة من ثلاث غرف مجاورة للصحراء مباشرة .. وقريبة من المطار .. وسرت السيدة منها ومن جمال الحى وهدوء الصحراء .. وسرت أكثر لما وجدتنى وحدى دون خادم أو أى انسان يشاركنى فى المعيشة .

واشتركنا معا فى اعداد العشاء وكان كل شىء فى الثلاجة .

وجلسنا نأكل .. وشعرت حقا بمتعة المؤانسة .. فقد كانت هيلين مع جمالها رقيقة الأنوثة ناعمة الصوت .. دافقة العواطف ..

وعادت إلى روحها المكتئبة بعض البهجة فتفتحت نفسها ، وأخذت تتحدث بطلاقة حتى أخذت بحلاوة حديثها .. وحتى قضينا وقتا طويلا على المائدة .. وبعد العشاء .. تركت لها غرفتى لتخلع بها ملابسها وتستريح من تعب السفر ..

وكنت أتوقع أنها تنام على التو ولكنها خرجت بعد دقائق وظلت تبحث عنى حتى وجدتنى فى الشرفة ..

فقلت لها :
ـ أتأخذين سيجارة ..؟
ـ لامانع .. وان كنت لاأدخن كمدمنة ..
ـ ردىء كالمعتاد ..
ـ أحس بحلقى كله يلتهب ..
ـ هذا أحسن .. لكى لاتضعى سيجارة فى فمك الجميل مرة أخرى ..
وابتسمت ..

وسألت بصوت أكثر نعومة :
ـ أتعيش هنا وحدك ..؟
ـ نعم ..
ـ ولا أحد معك ..؟
ـ لا أحد على الاطلاق ..
ـ ولكن الشقة كاملة .. لاينقصها شىء وغرفة النوم غرفة عروس ..؟
ـ لقد ورثتها عن زوجتى .. ماتت فى العام الماضى ..
ولاحظت الأسى على وجهى ..
ـ آسفة لأنى أثرت أشجانك ..
ـ أبدا .. لقد استراحت من عذاب طويل .. كانت مريضة بالسرطان ..
ـ لماذا لم تتزوج بعدها .. انك شـاب .. وأمامك الحياة كلها ..
ـ لقد مررت بتجربة قاسية .. ولا أحب أن تتكرر ..
ـ لقد فقدت زوجى .. كما فقدت زوجتك .. كان لى زوج ولم يكن شيئا فى عداد الرجال .. ولكن بعد أن مات أحسست بفجوة .. وبفراغ رهيب ..

وكنت أعرف شعور الأرملة الوحيدة .. عندما تجد نفسها مرة واحدة فى وجه العاصفة فقلت لها برقة :
ـ أعرف شعورك ..
ـ لم يكن أكثر من خيط .. رفيع .. واه .. ولكنه يربطنى بالحياة ويجعلنى أحس بجريانها حولى .. أما الآن فأنا أحس بالموات ..
وكنت أعرف معنى كلامها وأطرقت ..
وكانت تبدو كمن عانى كثيرا ومر بمرحلة قاسية ..
وسألتها ..
ـ وأنت الآن مثلى لاتفكرين فى الزواج مرة أخرى ..؟
فزمت شفتيها مع حركة من رأسها وقالت ..
ـ اننى الآن .. أبحث عن عمل وسأجده ..

واستأذنت لتذهب إلى الفراش وكنت أستطيع أن أذهب وراءها .. وأقضى الليل معها ولكنى ترفعت عن هذا العمل .. بسبب لا أعرفه بالضبط .. والإنسان لايستطيع فى كل وقت أن يوضح مشاعره وقد يكون لأننى شئت ألا أجعلها تشعر بأننى أتقاضى أجر راحتها فى بيتى .. أو أجعلها تحس بأنها سهلة المنال من أول لقاء ..

وفى الصباح استيقظت مبكرة .. وأعدت لنا الشاى .. وعندما ارتدت ملابسها وتزينت .. وتناولت حقيبتها .. واستعدت للخروج .. تفجرت عواطفها على الباب .. وأنا أمد اليها يدى مودعا ..

***

ومر عام كامل .. وفى ليلة من ليالى أكتوبر .. وكنا فى اليوم الثانى من المعركة بيننا وبين الإنجليز والفرنسيين فى القنال وكنت أتناول معطفى .. وبندقيتى .. وأتهيأ للخروج .. سمعت جرس الباب الخارجى يدق .. ولما فتحت الباب وجدت هيلين على العتبة .. وكانت تحمل حقيبة صغيرة ..
ودخلت مشرقة .. وبادرتها بقولى ..
ـ كيف اهتديت إلى البيت فى هذا الظلام ..؟
ـ انه منقوش فى ذاكرتى .. يا اسماعيل ولا يمكن أن أنسـاه .. وأنسى الليــلة التى قضيتها معك .. كان لابد أن أراك ..

وعجبت لأن اسمى ظل فى ذاكرتها بعد عام كامل .. وسألتها ..
ـ أرجو أن تطول اقامتك فى هذه المرة ..
ـ جئت لأقضى معك اسبوعا كاملا .. اننى فى أجازة .. ورأيت أن أقضيها معك لأنى أشعر بالسعادة والأمان ..
ـ من حسن حظى أن تفكرى فى المجىء إلىّ فى هذا الوقت .. لتؤنسينى ..
ـ رأيت الناس ينظرون إلىّ فى الشارع بقوة .. فقلت لنفسى لعلهم تصوروا أننى يهودية .. لأننى لا أضع الصليب على صدرى .. وخفت .. وجريت اليك ..
ـ حسنا ما فعلت .. ولكن الناس هنا .. لايؤذون أحدا .. فكونى آمنة ولا تتصورى هذه التصورات ..
ـ ولماذا هذه البندقية .. هل أنت ضابط ..؟
ـ اننى متطوع فى الحرس الوطنى .. وسأضطر لتركك الآن .. وسأجىء فى الفجر .
ـ وتتركنى وحدى فى هذا الظلام ..؟
ـ لاتخافى .. اننى فى الشارع لأحميك .. وإذا حدثت غارة فانزلى إلى الدور الأرضى .
ـ لن أبرح مكانى ..
ـ لماذا ..؟

ـ ان الناس إذا اجتمعوا فى مكان واحد يتسلط عليهم خوف واحد من عدو مشترك .. الموت .. ويصبح حديثهم كله عن حوادث الغارات .. وليس عندى أعصاب لهذا ..
ـ كما تشائين ..

وتركتها .. وفى الفجر .. لما عدت كانت نائمة .. وأشفقت عليها من الليلة العنيفة التى انقضت فقد استمرت الغارات طول الليل ..

وفى الصباح لما نهضت من الفراش .. فكرت فى أن أجىء لها بسيدة أعرفها لتؤنسها فى وحدتها ما دامت لاتحب النزول إلى الدور الأرضى فى وقت الغارات .. ولكنها رفضت .. وقالت لى أنها مستريحة .. وأنها تنام نوما عميقا ولا تحس بالغارات اطلاقا .. ولا داعى لأن أغير أى شىء من نظام حياتى من أجلها ، وذهبت لبعض شئونى ولما عدت إلى البيت فى العصر .. استأذنت لتتريض ساعة .. وكنت فى حاجة إلى النوم لأنى قضيت الليل ساهرا فتركتها تذهب وحدها وعادت قبل الظلام .. وأنا أستعد للخروج .. فقالت وهى داخلة ..
ـ الأحسن أن أسافر ..
ـ لماذا ..
ـ لأنك لاتمكث معى أكثر من دقيقة .. هل أنت نازل .. و ..

ولم أرد عليها .. والواقع أن كلمة السفر أزعجتنى فقد عادت إلىّ هيلين فى ظروف سيئة .. ولا مجال فيها للعواطف .. ولم أكن أمكث معها فى الليل الطويل .. أكثر من دقائق خاطفة ..

وأحسست فى أعماقى بأنى أحبها .. كما يحب الرجل المرأة بكل حواسه .. وكل قلبه .. ولكننى برغم قربها منى ووجودها فى بيتى كنت بعيدا عنها ..

لأنى كنت مشغولا بما هو أهم .. كنت مشغولا بوطنى .. الذى تحوم فوقه طائرات الأعداء .. وبالناس الذين أحبهم والذين فوجئوا بالعدوان الوحشى فهبوا جميعا لملاقاته ..

وكان الضرب شديدا على منطقة مصر الجديدة فى الليلة الفائتة .. فترك كثيرون من السكان مساكنهم وذهبوا إلى الريف .. أو إلى أقربائهم فى القاهرة .. وبقى فى العمارة التى أسكنها البواب .. وساكن واحد ..

وعرضت على هيلين أن تمضى يومين عند قريبة لى فى القاهرة حتى ينجلى الموقف .. فرفضت .. وقالت لى .. أنها ستظل بجوارى مهما تطورت الأحوال ..

وفى الليل اشتدت الغارات على المطارات .. وضرب المطار الذى بجوارنا .. فغضبت .. وان كنت أعرف أن الطائرات التى فيه عبارة عن هياكل خشبية .. ولكن تملكنى الغضب لأنهم ضربوا المطار ضربا مركزا يدل على علمهم الدقيق بموقعه ..

وفى الضحى .. أخذت طائرات الأعداء تقترب من الأرض وتضرب الأهالى .. بالمدافع الرشاشة .. وأصيب صبى صغير فى شارع " الأسود " برصاصة .. فسقط وكانت هيلين فى النافذة .. فجرت إليه ووضعته على صدرها .. حتى جاءت عربة الاسعاف ..

***

وظلت طول النهار حزينة تبكى .. وفى الليل .. لما رأتنى أشرع فى ارتداء ملابسى لأذهب إلى موقعى .. اقتربت منى وطوقتنى بذراعيها وغمرتنى بقبلاتها وهمست ..
ـ هل من الضرورى أن تذهب الليلة ؟ ان هناك كثيرين غيرك .. أبق معى ..
ـ هل أنت خائفة من شىء ..؟
ـ خائفة من الموت .. لأول مرة فى حياتى ..
ـ وليس فى استطاعتى أن أتخلف عن واجبى ..
ـ ذاهب إذن ..؟
ـ لابد من هذا ..
وارتمت على صدرى .. وأخذت تبكى ..

***

وكان الظلام رهيبا .. والبيوت تبدو كالجبال السوداء .. والأشجار كالأشباح وكانت الرجل تنقطع فى المنطقة من الغروب .. ولاتسمع إلا صوت صفارة الانذار وهمسات الجنود فى الخنادق القريبة .. وومضة سيجارة من حين إلى حين وقد يشق الظلام لسان طويل من الضوء .. وتظهر عربة من عربات السلاح وهى فى طريقها إلى خط النار ..

وكنت مكلفا بالمرور على ثلاثة شوارع رئيسية فى المنطقة .. ولمحت من بعيد عربة تتوقف .. قريبا من الصحراء .. وقدرت أنها تعطلت أو ضلت الطريق ، فاقتربت منها ووجدتها دبابة ضخمة ذاهبة إلى الميدان وعرفت السائق الطريق فدار دورتين ثم أخذ الشارع الرئيسى ومرت بعده قافلة من العربات والسيارات وهى تسرع إلى الميدان ..

وفى تلك اللحظة دوت صفارة الانذار وظللت فى مكانى لحظات ثم خرجت إلى الصحراء أنظر إلى بيتى من بعيد وكان غارقا فى الظلام وركزت بصرى فى نافذتنا الوحيدة التى تطل على الصحراء وكأننى أنظر إلى هيلين .. وتصورتها نائمة فى سريرى تحلم وشعرت بالشوق اليها وبهزة الانفعال .. وأدركت أننى أحببتها حبا عنيفا .. وأنها سيطرت على حواسى كلها ..

وسمعت صوت طائرات الأعداء فوقى فاستدرت وظهر لى ـ وأنا أستدير ـ نور انبعث لحظة من الوجهة الخلفية من السطح .. فركزت بصرى فرأيت بطارية ترسل أضواء .. إلى أعلا .. وبعد لحظات تأكدت أنها اشارات ضوئية .. ترسل إلى طائرات الأعداء ..

وفكرت سريعا فى الخائن الذى يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل .. وجاءنى الجواب فى الحال .. فقد كان هناك رجل أجنبى يسكن حجرة على السطح ولا شك أنه جاسوس ولمت نفسى لأنى غفلت عن تنبيه السلطات إليه ..

ورأيت أن أصعد إلى العمارة بنفسى دون أن أحدث أية ضجة .. وأقبض عليه وهو فى غفلة منى متلبسا بجرمه ..

وعندما دخلت من الباب كان البواب نائما .. وخلعت نعلى قبل أن أصل إلى السطح وكان أزيز الطائرات فوقى يصم الآذان ..

ولمحت شيئا فى دثار أسود .. يرتكز فى براعة وتخف على حافة السور ويرسل الأضواء .. الحمراء .. والزرقاء .. من شىء فى يده ..

واقتـربت الطـائرة منـا .. وألقـت قنبلة رهيبة على المطار ..

وجن جنونى فى هذه اللحظة وسددت بندقيتى إلى الشبح .. وأطلقت .. رصاصة واحدة ..

وسمعت صرخة مكتومة وهوى الجسم على الأرض ..

ولما اقتربت محاذرا وتبينت وجههه فى الظلام ذعرت .. لقد رأيت هيلين وفى يدها جهاز اشارة يرسل كل الأضواء فنـزعتـه منهـا ووضعته فى جيبى .. وغطيت جسمها بمعطفى ..

وأحسست بحركة على السلم .. فجريت نازلا لأصرف الصاعدين .. فى هدوء قبل أن يدرك انسان ما حدث ..

وكان علىّ أن أدفن عواطفى فى جوف الصحراء قبل أن تشرق الشمس ..
================================
نشرت القصة بمجلة الرسالة الجديدة 1/7/1958 وأعيد نشرها بمجموعة الجمال الحزين لمحمود البدوى
فى سنة 1962
================================





ليست هناك تعليقات: