الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

ص 5 أدب الرحلات ـ رحلة محمود البدوى إلى روسيا سنة 1973






محمود البدوى
فى بيت تشيكوف
روســــيا سنة 1973
ـــــــــــــــــ
اعداد : على عبد اللطيف
و ليلى محمود البدوى


سافر محمود البدوى إلى موسكو فى صميم الشتاء " فى العاشر من شهر يناير 1973 " فى رحلة ثقافية بصحبة الشاعرين محمود حسن اسماعيل وصلاح عبد الصبور والأديب حلمى مراد .

وفى قلبه فرحة ، وفى نفسه لهفة إلى زيارة مقر العباقرة العظام .. ديستوفسكى .. تولستوى .. جوركى .. تشيكوف .. جوجول .. يوشكين .. الكسندر كوبرين .. جارشن ..

هؤلاء القدامى الأفذاذ .. الذين ظلوا صامدين فى وجه كل أعاصير السياسة والتحول .. ولم يستطع أن يطمس نورهم لا قوى ولا ضعيف ..

وهؤلاء هم الذين علموا كتاب العالم أجمع كيف تكتب القصة والرواية .. وما من أحد من الأفذاذ إلا ودان لهم بالفضل ..

كتبوا للحياة ومن الحياة .. وعاشت قصصهم ما دامت الحياة تجرى فى شرايين الوجود ..

كانت لهفة البدوى وفرحته لا حد لها .. وهو يضع قدمه فى أرض المطار .. ونسى البرودة الشديدة .. والثلج الساقط .. والشىء الرهيب الذى يجز رقبتك كحد السيف القاطع إن لم تكن قد تلفعت وغطيت الرأس والعنق والأذنين بالصوف السميك ..نسى هذا كله لأنه بعد ساعات قليلة سيكون فى شارع غوركى ومنـزل تشيكوف ..

غوركى الذى علم نفسه وخرج من مدرسته وقلب الحياة كأعظم أستاذ وأعظم معلم ..

وتشيكوف الذى زار جزيرة سخالين .. ليكون قريبا جدا من نبض الحياة .. ونبض الواقع .. وليكون أنبغ كاتب قصة قصيرة فى هذا العالم ..

ونزل البدوى فى أكبر الفنادق بالمدينة .. وأصبح فى نظره مدينة عامرة فهو من تسعة طوابق .. وضخامته لاحد لها .. واسمه يطابق المقاطعة التى ينتمى اليها .. وأخذ الدور التاسع .. ليقع نظره فى سهولة على أنوار المدينة فى الليل .. وعلى الثلج الساقط .. وعلى الحركة فى الشارع .. حتى إذا حبسه البرد والثلج عن الخروج من الفندق .. يجد فى هذا المنظر المتجمع ما يأتنس به ويخفف عنه وحدته ..

وتجول فى شوارع موسكو الواسعة بحرية وانطلاق ، وأحس بالبهجة والراحة ، فلا زحام ولاشبه زحام حتى فى أشد ساعات العمل فى النهار ويحس وهو يمشى بين ربوعها كأنه يتحرك فى ضاحية قليلة السكان ، فموسكو أعظم مدينة روسية ، بل هى أجمل وأنظف مدينة فى أوربا ، وتحس مع التنافر فى مبانيها وعدم التناسق فى عماراتها ، أنها قامت لتكون هكذا من طراز نادر .

وفى الصباح المبكر .. والثلوج تتساقط إتجه البدوى فى نشاط إلى منـزل تشيكوف وكان منشرح الصدر لتحقق أمنية عزيزة عليه .

والبيت يقع فى شارع جانبى ضيق .. ودخل من بابه الصغير والثلج على العتبة إلى القاعة الخارجية وأرضها من الخشب ، فأحس بأنفاس تشيكوف العظيم وأقدامه فى هذه القاعة وهو يديرعينيه بنظرة إنسانية وخطوة متأنية .. ثم يدلف إلى حجرته الخاصة حيث يستقبل الزوار والمرضى ..

فقد كان يكتب على مائدة صغيرة فى غرفة الكشف على المرضى .. وفى هذه الغرفةكان ينام أيضا .. وقد ظل بيته فى موسكو محتفظا بكل دقائقه الصغيرة وطابعه .. كأن صاحبه لايزال حيا ويتنفس فيه ..

القلم الذى كان يكتب به روائعه كما يكتب به روشتات المرضى .. ظـل موضوعا فى مكانه من المكتب ..

وفى نهار طلعت شمسه .. توجه البدوى إلى مكتبـة كبيرة ليشترى صـورا " لتشيكوف " وراعه النظام والتنسيق ورخص أسعار الكتب والزحام الشديد فى المكتبة .

والإنسان الذى يجيد ثلاث لغات قد يعتز بنفسه ويعتز ، ولكنه عندما يذهب إلى روسيا يشعر بالنقص الشديد ، ويشعر أن الحياة العصرية تقتضيه بأن يجيد سبع لغات على الأقل ، والمرء يقف حائرا فى بهو الفندق وهو يسمع لغات كثيرة لايعرفها ولا يفهمها ويشعر بالأسف .. وقد تكون الأسبانية حيث عاش العرب وأوجدوا حضارة عظيمة .

وفى ليننجراد شاهد القصر الذى شيدته كاترينا الثانية ، ورأى فيه ما عملته ريشة الفنانين العظام فى كل عصور التاريخ من ميكائيل انجلو إلى بوكاسيو .

وزار مقابر الأدباء والفنانين العظام .. ديستوفسكى وتشايكوفسكى وزار بيت بوشكين .

وتجول فى متحف الأرميتاج ورأى فيه أجمل ما صنـعه الرسامون فى العـالم ، ولم يشبع من النظر الى اللوحات ، فكان مذهولا وهو واقف أمامها من روعة الفن وقدرة الإنسان على التعبير . ففى قاعاته عمل كامل لروفائيل وأكبر مجموعة فى العالم لرسوم رامبرانت وأجمل لوحاته وأشهرها " عودة الابن الضال" .
=================================
ذكريات محمود البدوى التى نشرها بمجلة الثقافة المصرية تحت عنوان " فى بيت تشيكوف " عدد مارس1974 وبعنوان " فى منـزل بوشكين "عدد أبريل 1974 و مقدمة كتاب قصص من روسيا لمحمود البدوى .. تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى .. دراسة الدكتور عبد الحميد إبراهيم .. الناشر مكتبة مصر 2003 "
================================


أحدثت هذه الزيارة فى داخل البدوى هزة عميقة ، وأثر أهلها فى عقله ووجدانه ، وتحركت مشاعره ، ووجد نفسه فى حالة من الانفعال ، ويزخر رأسه بمئات الأحداث الصغيرة والكبيرة ، فأخرج الورق والقلم ، وكتب أربع قصص نشرت بالمجلات المصرية وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من روسيا "

وهى مرتبة على النحو الآتى :

1 – قصة " القطار الأزرق " ونشرت فى أكتوبر 1973 بمجلة الثقافة .
2 – قصة " عودة الابن الضال " ونشرت فى 2941974 بمجلة روز اليوسف .
3 – قصة " الجعران " ونشرت فى يونيه 1974 بمجلة الثقافة .
4 – قصة " الرنين " ونشرت فى 341976 بمجلة الإذاعة والتليفزيون .
================================

محمود البدوى
فى
بيت تشيكوف ومنزل تولستوى



يقول محمود البدوى بعد عودته من الرحلة التى قام بها إلى روسيا فى يناير 1973 :

" فى الصباح المبكر .. والثلوج تتساقط إتجهنا فى نشاط إلى منـزل " تشيكوف " وكنت منشرح الصدر فقد تحققت لى أمنية عزيزة .

ان أعظم كتاب القصة القصيرة فى العالم أجمع .. كان يعيش فى منزل صغير من طابقين فى قلب موسكو .

البيت يقع فى شارع جانبى ضيق .. ودخلت من بابه الصغير .. والثلج على العتبة إلى القاعة الخارجية وأرضها من الخشب ، أحسست بأنفاس تشيكوف العظيم وأقدامه فى هذه القاعة وهو يديرعينيه بنظرة إنسانية وخطوة متأنية .. ثم يدلف إلى حجرته الخاصة حيث يستقبل الزوار والمرضى ..

انها حجرة صغيرة بها مكتب بسيط .. لاتزال عليه الأدوات التى كان يستعملها تشيكوف فى حياته ..

وفى داخل هذه توجد حجرة أصغر منها .. بها سرير فردى من الحديد العادى ظل فى مكانه كما وضعه صاحبه ..

ولبساطة السرير وما يبدو عليه من خشونه .. فكرت كيف ينام عليه ويشعر بالراحة مثل هذا العبقرى .

وفى الطابق الذى كان للأسرة .. صالة رحبه نوعا .. وحجرتان أكثر اتساعا .. والأرض خشبية والنوافذ ليست متسعة .. وزجاجها على حاله كما هو ..

والبيت وهو من طابقين أشبه ببيت رجل متوسط الحال عندنا .. بناه بعد أن ادخر من قوت يومه على مدى السنين ..

ان تشيكوف الإنسان كان يعيش فى بساطة مطلقة .

وفى الطابق الثانى ترى صورته فى جزيرة فى جزيرة سخالين ونماذج من خطه .. وفى محفظته الخاصة التى كان يضعها فى جيبه صورة صديقه المارد الطويل " تولستوى " ..

كما شاهدنا صورة كبيرة لتشيكوف مع مكسيم غوركى معلقة على الجدران وصورة أخرى مع ممثلى مسرحياته .. ومع تولستوى فى يالتا ..

والفراشة فى بيت تشيكوف وهى فوق السبعين .. استقبلتنا كأنها أمه التى ربته واحتضنته .. وكانت تتحدث عنه بطلاقة وثقافة ولا تخفى عليها خافية من حياته .

منزل تولستوى

ومن منزل تشيكوف البسيط .. انتقلنا إلى منزل تولستوى الفخم ذى الرياش والكراسى المطعمه والمائدة الحافلة بالأطعمه والتى حولها أحد عشر كرسيا ولا يزال عليها طاقم المائدة الفاخر بأطباقه الصينية المزخرفة وأكوابه وسكاكينه المسكوفية ..

وشممنا ونحن ندخل غرفة المائدة رائحة الطعام الشهى الذى كان يقدمه لضيوفه فى هذه الأطباق ..

وهذا الكاتب الواسع الثراء كان يعنى ببيته عنايه فائقة .. ويعنى بالنظام إلى حد يروعك ..

فهناك :
غرفة مخصصة للزوجه ..
وغرفة للأولاد ..
وغرفة لمربية الأولاد ..
وغرفة لمربى الأولاد ..
وغرفة لكبرى بناته ..
وغرفة لنومه هو ..
وغرفة للجلوس ..
وغرفه لمكتبه الفاخر ..

وشاهدنا المعطف من جلد الدب الذى كان يلبسه فى جولاته .. "

وكان من عادته أن يخرج فى الصباح المبكر من سلم صغير مسروق ليحتطب الخشب ويوزعه على 11 مدخنة فى البيت ، وحبه للجياد .. جعله يحتفظ لنفسه بصورة كبيرة له وهو يمتطى جوادا مطهما ..

================================

ليست هناك تعليقات: