الأربعاء، 27 ديسمبر، 2006

قصص قصيرة من عالم النساء ل محمود البدوى

القصص المنشورة
ــــــــــــــ
ـ الكهربائى
ـ الطاحونة
ـ الزلزال
ـ الجوهرة
ـ الجمال الحزين
ـــــــــــــــ
الكهـــربائى

قصة محمود البدوى

كان عندنا خادم صغير فى البيت اسمه حسن .. وكان عمله مقصورا على شراء الأشياء من السوق .. إذ لم يكن يصلح لشىء سوى هذا .. ولكن هذا العمل البسيط لم يكن يؤديه حتى على أسوأ وجه .. وليس ذلك لأنه كان يسرق .. فقد كان مثالا يحتذى فى الأمانة .. وإنما لأنه كان يخرج فى الساعة السابعة صباحا ليجىء بالافطار .. فلا يعود إلا قرب الظهر .. وكان سوء تصرفه هذا يقع على عاتق زوجتى المعذبة وحدها .. لأننى أتناول فنجانا من القهوة وأخرج إلى رياضة الصباح .. وأولادى يأخذون السندوتش ويذهبون إلى المدرسة .. وتبقى المسكينة وحدها ترقبه من الشرفة .. ولبها مستطار .. وتتحول بكليتها إلى عينين ترقبان أى شىء أسود يتحرك فى الطريق .. وكانت تحدث نفسها :

ـ أهو جاى .. بس لما يورينى وشه ..

وتهىء نفسها لتستقبله بالكف .. ولكن لايكون هو .. وتظل فى البيت تدور كالنحلة وتأكل نفسها من الغضب ..

وعندما يجىء تكون قد بردت كالثلج .. واستسلمت لليأس التام .. وتحولت عاطفتها من الغضب عليه إلى الخوف على مصيره .. وعندما يقرع الباب .. وتراه ممسكا بالسلة الفارغة كما خرج بها تسأله فى صوت خافت :

ـ كنت فين يا حسن ..؟
ـ الفلوس وقعت يا ست ..

وهو لايكذب فى هذا ففى سبع حالات من تسع يحدث له هذا .. ويحدث بترتيب ونظام ! كأحدث النظريات الفلكية !.

وكنت عندما أرى زوجتى فى البيت وهى تقفز من النافذة إلى الشرفة .. إلى الباب .. فى لهفة وقلق لاستقباله .. أقول لها :

ـ لاتشـغلى نفسـك به .. ولاداعى لأن تكلفيه بهذا المشوار ..
ـ أنا بس خايفة .. أحسن ياكله الترمواى .. مسكين .. يتيم ..

وهكذا تتحول عاطفتها من النقمة عليه إلى الشفقة به .. ولم أعجب فقد ورثت هذه الطباع الحميدة من والدها ..

***

ولم يكن حسن يفعل أى شىء غير مقبول فى السوق .. لأنه كان لايذهب إلى السوق على الاطلاق .. وانما يجد أى ولد فيجره إلى الحديقة العامة .. وهناك يجلسان تحت الشجرة .. ويضع السلة بجانبه ويخرج من جيبه حدوته من التى تباع بنصف القرش ويقرأ ويتحدث مع الغلام حتى ترتفع شمس الضحى ..

فقد كانت عنده لذة عارمة فى أن يقرأ هذه الحواديت ويقص ما فيها على الناس .. كان يتحدث إلى البواب .. والمكوجى .. وبائع الثلج .. والخبز .. والخضار .. ويعطل هؤلاء جميعا عن عملهم .. ورغم كل هذه المساوىء فإنه بقى فى بيتى .. لأن قطع اللقمة عن جائع يتيم .. أهون من قتل النفس ..

ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان .. فقد أصبحنا ذات يوم .. وإذا بحسن يطول نصف ذراع .. ثم أصبحت قامته تمتد ثلاث بوصات يوميا .. دون انقطاع .. وهذا الشىء مروع .. وأصبح ينحنى وهو داخل من الباب الخارجى .. ثم أصبح لايستطيع الدخول على الاطلاق .. وكنت أرى هذا الطول المفاجىء وأغرق فى الضحك وأتألم ..

ورأيت أن الحقه بعمل عند صديق لى يملك مصنع نسيج كعامل أو مخزنجى .. وقال لى الصديق .. ان حسن أفسد عمال المصنع جميعا . إذ أنهم يلتفون حوله .. ويأخذ هو يقص عليهم من أحاديثه .. حتى خلب البابهم .. وأخيرا اشتغل فراشا فى بنك من البنوك .. وانقطعت الشكوى منه .. ولكنه لم ينقطع عن زيارتنا إذ كان يزورنا بانتظام فى يوم الأحد وهو يوم راحته ..

***

وحدث أن تعطل الجرس الكهربائى فى البيت .. فقلت للخادمة أن تذهب وتجىء بالكهربائى الذى على ناصية الشارع فسمعتنى زوجتى وقالت :

ـ استنى يا بنت .. حسن جاى بكره ..

فسألت فى استغراب :
ـ حسن مين ..؟
ـ حسن بتاعنا ..
ـ حسن .. لكن ماعلاقته بالكهرباء ..
ـ دا بقى كهربائى مدهش ..

وقرأت على وجهى الانكار ..

فقالت :
ـ بكره حيصلح الجرس قدامك ..

وجاء حسن .. ونظر إلى الجرس ولم يكن فى حاجة إلى سلم .. وعالجه .. ودق .. كما عالج المكواة المتعطلة فكوت .. وعندما أصلح مفتاح الصوت للراديو .. آمنت ببراعته ..

***

وأصبح حسن هو الكهربائى الخاص بنا .. فكانت زوجتى تكلفه بأن يغير المصابيح ويركب " برايز " جانبية لكل حجرة .. كما ركب لمبة " سهارى " فى الصالة .. وفى المطبخ .. وفى كل اسبوع كنت أجد تغييرا .. فقد أصبحت العملية .. سهلة .. وأصبحت الدورة الكهربائية فى البيت هى شغل زوجتى الشاغل ..

وذات يوم جئنا بنجفة كريستال جديدة وركبناها فى الصالة .. ولكننى وجدت هذه النجفة منقولة فى اليوم التالى إلى غرفة الصالون .. وفهمت من زوجتىأنها رأت أن تنقلها إلى الصالون لتناسب الطقمم .. وتنقل نجفة الصالون إلى الصالة .. وعلمت طبعا أن الذى قام بهذه العملية هو حسن الكهربائى الخاص .. ولم أعر المسألة أهمية .. وإنما فكرت فى التطور الذى يحدث للإنسان .. فإن هذا الغلام البليد الخامل الثرثار .. قد تطور .. وأصبح كهربائيا ممتازا معتمدا على ذكائه فقط .. فهو لم يتعلم هذا الفن فى مدرسة ! ومن يدرى ربما يصبح أمرسن آخر .. او جراهام بل .. أو حتى استفنسون .. يجب ألا نيأس من صلاحية أى إنسان للحياة .. كنت أحاور نفسى بهذا ومثله وأنا جالس مع زوجتى وأطفالى وقد جمعتنا الشرفة فى الليلة التاسعة من رمضان .. عندما سمعنا دويا وانفجارا أعقبه ظلام تام فى البيت فقد سقطت النجفة التى ركبها حسن ولم يبق منها شىء .. وحمدت الله على أن الخادمة كانت بالرضيع فى المطبخ بعيدا عن مكان الانفجار ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة الجمهورية فى 361955 وأعيد نشرها فى مجموعة الأعرج فى الميناء 1958
=================================



الطاحونة
قصة محمود البدوى

زاد نشاطى وعملى فى الطاحونة بعد وفاة المرحوم ماهر ، فقد كنت أحب الرجل الذى وضع فى فمى لقمة العيش بعد الجوع والبطالة وأخلص لذكراه .. وأود أن تسير الحياة فى الطاحونة وخارجها كما كانت .. لأن أرملتـه نجيـة لاتستطيـع أن تفعل شيئا وحدها فى قرية " عامر " ولو جاءت برجل يعينها فسيأكل قوتها وقوت عيالها .. هذا ما قدرته ..

وكان المرحـوم ماهر قد اشترى هذه الطاحونة بعد عودته من بحرى .. عاد ومعه ألف جنيه .. ونجية .. وأشار عليه الناس الطيبون فى البلد بأن يشترى طاحونة عبد السميع .. وكانت متعطلة فاشتراها .. وأصلح الوابور وأدارها .. وجعلنى المحصل فيها وكاتب الحسابات بها لأنه لايعرف القراءة ..

وكانت الطاحونة بحجرين ولكنا كنا نكتفى باستعمال حجر واحد نطحن به الأذرة والقمح .. وأصبح الحجر الآخر شبه معطل ثم أصبح " يعاكس " عندما كنا نستعين به فى أيام الأعياد والمواسم .. وكانت هذه الطاحونة هى الوحيدة فى القرية وعملاؤها جميعا من النساء .. فمن هو الرجل فى القرية الذى يحمل مقطفا .. على رأسه ويذهب إلى وابور الطحين .. وكانت الطاحونة تدور على الأذرة .. فى معظم الأيام .. ولا يظهر القمح فى " القادوس " إلا فى الأعياد ..

وكان فى القرية ثلاثة بيوت غنية تأكل القمح طوال السنة .. ولكنها لم تكن تطحن عندنا .. كانت تطحن فى البندر .. لأن طحيننا " أسمر " وليس فى الوابور " منخل " ..

ولكن عندما وضعت القيود على المطاحن فى أيام الحرب الحالكة جاءوا إلينا .. وكنا نوقف طحن الأذرة .. لنطحن لهم القمح خالصا من كل خلط .. وكنت أسمع الفلاحات الواقفات فى الحوش .. يعلقن على هذا :
ـ استنى يا أختى .. للمغرب .. الوابور داير للذوات .. قمح .. ودقيق .. غريبة .. مين يفكر فى الفقرا.. يا حبيبتى مين ..
ـ هو دا وابور .. يسد بيت صحابه ..

وكانت تقول هذا شريفة كلما دخلت حوش الطاحونة .. وكانت طويلة مياسة وبيدها عصا من الجريد أطول منها ..

وكنت أسمع هذه الشتيمة مائة مرة حتى بعد أن مات ماهر وانسد البيت فعلا .. ولا أستطيع أن أتكلم .. لأننى اعتدت على هذه الشتائم ومثلها وأكثر منها .. ولم أكن أعرف لماذا يشتمن .. إذ أن شكواهن كانت عامة ولا تتناول شيئا بعينه ..

وكان عبد الموجود يرد على الشتائم ويعلو صوته على حجر الطاحونة ..

وفى هذه الدوامة وتحت ضجيج الآلات وزعيق النساء كنت أعمل وراء حاجز خشبى وأجلس إلى مكتب قديم .. وأقيد الايراد فى دفتر صغير يعلوه التراب والدقيق .. وكان الدقيق يعلو جلبابى ووجهى ..

وكان ماهر يعطينى .. خمسة جنيهات فى الشهر .. وكنت قانعا بهذا المرتب .. سعـيدا به .. لأننى أحسن من أخوتى الذين يعملون فى الحقول ..

وكان الوابور بجانب الجسر قريبا من " الموردة " .. كانت بنايته أول شىء يصادفك وأنت طالع من النيل .. ولهذا كان بعض الفلاحات من الجزر القريبة يحملن مقاطفهن ويجئن إلينا فى أيام السوق لأنهن يجدن اللنش فى هذا اليوم شغالا على خط واسع من منفلوط إلى أسيوط ..

وكنت أنا الذى سقط فى امتحان الابتدائية ثلاث مرات .. والذى ضرب معلم الحساب وفصل من جميع المدارس وضاع مستقبله .. أدير الطاحونة بعد أن مات صاحبها أحسن ادارة .. وأقوم بعمل ثلاثة رجال وعندما كنا نسهر كنت أريح أسطى الماكينة وعامل " القادوس " .. وكنت أعطى نجية فى أخر اليوم الإيراد .. أذهب إلى بيتها بنفسى .. كنت أضع القروش .. مع الفضة مع أوراق النقد الصغيرة .. أصر هذا كله فى منديل .. وأذهب إلى الدار .. أدفع الباب وأدخل إلى المجاز وأنا أقول :
ـ يا ساتر ..

إذ لم تكن نجية تظهر علىّ قط .. رغم أنها بحراوية من المنصورة ومن منطقة شجرة الدر .. وعندما جاء بها طاهر حجبها كلية عن الأنظار وكان الناس يتغنون بجمالها .. ولكننى لم أكن بعد عشرة دامت ستة أعوام قد رأيتها رأى العين .. أو وقع نظرى عليها وهى سافرة .. كان هذا والرجل حى .. وبعد موته حافظت على ذكراه .. فلم أرها قط .. وكنت أجلس فى المجاز ونظرى إلى الأرض ..

وتقف هى على درج السلم منزوية .. وأناولها المنديل بالنقود .. وفى الأسبوع الأول لوفاة المرحوم كانت بعد أن تتناول المنديل تنخرط فى البكاء .. وكنت أقدر ظروفها ..
ـ شدى حيلك .. يا ست .. لازم تشدى حيلك .. قدام الأولاد دا أمر ربنا ..

ولم أكن أسمع كلاما .. وإنما بكاء يستمر مدة .. وشهقة وشهقات ثم أرى منديلا صغيرا يجفف هذه الدموع ..

وكنت أرى وأنا جالس ذيل الثوب الأسود الطويل .. والقدم الصغيرة فى الشبشب .. ولكثرة ما تعودت أن أنكس رأسى وأنا فى بيتها .. لم أكن أغير هذا الوضع .. حتى وأنا أداعب ابنها عبد الفتاح ..

ثم تطور الحال بعد أن رغبت فى أن تعرف كل أحوال الطاحونة وأصبحت تجلس أمامى .. وهى ملثمة ومغطية رأسها بالطرحة ..

وكانت بعد وفاة المرحوم مباشرة ترغب فى أن تبيع الطاحونة وتذهب بأولادها إلى أهلها فى المنصورة ..
ولكنى كنت أعارضها .. وأقول لها :
ـ أن أولادها سيكونون غرباء هناك .. ويجب أن تبقى لتربى عبد الفتاح .. حتى يفتح بيت أبيه ..

وعندما رأت الطاحونة دائرة والإيراد لم ينقص وافقتنى .. وكان معظم القرويات المترددات على الطاحونة من الصبايا .. لأن العجوز لا تستطيع أن تحمل كيلتين وثلاث كيلات من الغلة على رأسها .. وكن يجلسن فى حوش الوابور بجانب مقاطفهن يتحدثن .. أو يصمتن .. والفلاحة بطبعها قليلة الكلام .. كثيرة العمل .. وقد تعلمت منهن فى جلستهن الطويلة الصبر ..

فمنهن من كانت تجلس فى انتظار دورها من السابعة صباحا .. إلى الثانية بعد الظهر .. دون أن تتذمر أو تأكل أو تشرب شيئا ..

وكانت عملية الطحن نفسها رغم ما فيها من مشقة وتعب ممتعة للغاية .. وكنت أنسى التراب .. وغبار الدقيق .. وصوت الحجر الدائر وهزات الخشب وزعيق النساء .. أنسى هذا كله لأننى أعمل وأدير وحدى الطاحونة بعد موت صاحبها ..

وكنت قد بلغت الخامسة والعشرين وأفكر فى الزواج ككل شاب فى القرية .. وكانت نعيمة بنت الريس جلال .. هى التى وقع عليها اختيارى لأن والدها مراكبى .. ويعمل مثلى بعيدا عن الغيط والفلاحة وأنا أفكر إذا ساعدتنى ظروف الحياة .. أن أقيم مطحنا فى المدينة .. ونعيمة ما دامت غير لاصقة بالأرض ستذهب معى حيث أذهب ..

هذا ما فكرت فيه وعملت له وأخذت أوفر ثلاثين جنيها لأعطيها لوالدها كمهر .. والرجل قادر على تجهيز بنته ..

وكان كل شىء فى الحياة والطاحونة يبلغنى هذا الهدف .. فالطاحونة زاد ايرادها اليومى بعد وفاة المرحوم ماهر ولم ينقص .. ورسخ قدم نجية فى البلد .. لتربى عبد الفتاح .. ليأخذ مكان والده .. وأصبحت تستشيرنى فى كل الأمور .. وكان عبد الحكيم الأخ الأكبر لماهر قد تقدم إليها ليتزوجها .. وقال لها أن غرضه تربية أولاد أخيه ولكنها رفضت ولم يكن رفضها لأنه متزوج وسيجعلها زوجة ثانية وانما لأنها كانت تعرف أن غرضه الأول هو الاستيلاء على الطاحونة التى جاهد ماهر وشقى فى الحياة حتى حصل عليها .. فكانت تعرف أن ماهر خرج من البلد منذ سنين فقيرا معدما ليجرى على معاشه .. وسافر فى مركب .. ولم يقبل على نفسه أن يقترض من أحد من أهله أجرة السكة الحديد .. كانت تعرف هذا ..
ـ ودلوقت جاى عبد الحكيم .. علشان يجوزنى .. لأ .. ومتخلهش يدخل الطاحونة ..

والواقع أنه لم يكن يدخل الطاحونة .. وزادت مسئوليتى وأعمالى وأصبحت نجية تثق في ثقة مطلقة ..

***

وكنت أجلس منكس الرأس فى " المجاز " كعادتى .. ولكننى لم أكن أرى قدميها .. والشبشب .. كما كنت أفعل فى أول عهدى بها .. وانما كنت أرى جسمها كله فى ردائه الأسود .. وطرحتها الخفيفة على رأسها .. لأنها غيرت مكانها وهبطت من بسطة السلم ثلاث درجات وأصبحت فى مواجهتى .. فلا يفصلنا جدار السلم الدائرى .. الآن .. وإنما يفصلنا شىء آخر .. شىء آخر غير مرئى لكلينا .. شىء مغيب فى التراب .. ولكن .. لم أكن حتى هذه اللحظة قد رأيت وجهها ..

وانما رأيت العينين فقط .. العينين الخضراوين .. من " البحر الصغير " .. أو من شجرة الدر .. فإن المراكبية فى بلدى كانوا يتحدثون كثيرا عن " البحر الصغير " ولا يعرفون شجرة الدر .. ثم حركة الشفتين من وراء الطرحة المطوية ولا أدرى لماذا تعلمت أن تتلثم كالصعيديات .. لاشك أنها كانت تحافظ على تقاليد المرحوم ..

***

وكان فى القرية قهوتان .. قهوة على الجسر قريبة من المسجد وقهوة فى الدرب .. ولكنى لم أكن أجلس فى الليل فى واحدة منهما .. لأنى لا أحب رائحة " الحسن كيف " ولا التمباك .. ولا أشرب الشاى الأسود .. وإنما كنت أخرج من الوابور .. وأذهب إلى الموردة .. وأجد فيها أربعة أو خمسة مراكب كبيرة من مراكب بلدنا .. رست فى الموردة ليزور ملاحوها أهلهم ثم يستأنفوا سيرهم إلى مصر .. أو إلى أسوان .. وكانت هـذه المراكب محملة بالقطن أو الغلة .. أو البلاليص إلى أقصاها .. وبينها وبين الماء مقدار خمسة قراريط ..

وكنت أنزل فى أقرب مركب .. وعند الدفة .. أغتسل من الدقيق والتراب .. أو أخلع ملابسى وأغطس .. فى الماء وأخرج لأنشف جسمى بيدى .. وأرتدى ملابسى .. وأصلى المغرب والعشاء .. وأجلس بعد ذلك أسمر مع الريس حمدان ومن معه من المراكبية وكنت أحبهم جميعا وأحب حياتهم فى النيل .. حتى أحس بالنوم .. وفى بعض الليالى كنت أنام بجوار الدفة إلى الصباح ..

ولا أدرى لماذا كنت أتصور وأنا جالس فى مؤخرة المركب .. أنه مبحر .. ونجية وأطفالها الثلاثة بجوارى ووضعنا فى المركب عفش البيت كله .. ولم ننس حتى الزير وأننا ذاهبون إلى مصر ..

ولا أدرى لمـاذا تصورت هـذا فى تلك اللحظة .. ولم أتصور أن بجوارى نعيمة .. مع أننى كنت أعمل بكل امكانياتى على الزواج من هذه الفتاة الطيبة .. وكانت أمها تعرف ذلك وان لم نقرأ الفاتحة ..

***

وفى ليلة من ليالى الصيف وكنت أجلس مع بعض المراكبية على ظهر المركب .. لمحنا مع شعاع القمر الأول شيئا أسود يقترب منا .. ثم يصطدم بالمركب .. وجذبه أحد الملاحين ووجدناها فتاة من القرية مخنوقة حديثا وبدأ بطنها ينتفخ ..

وأشاع أهل القرية أن زهرة خنقها أهلها فى وابور الطحين .. ثم ألقوا بجثتها فى الماء .. وأن روحها تسكن فى الوابور وتصرخ فيه كل ليلة من ظلم أهلها ووحشيتهم .. فقد أثبت الطبيب الشرعى أن الفتاة ماتت عذراء .. ومع أننى أغلق الوابور بالمفتاح .. والخفير يسهر عليه إلى الصباح .. فقد صدق أهل القرية هذه الاشاعة ..

وزادها توكيدا أن " بستم الوابور " انكسر بعد حادث الفتاة مباشرة وحملناه إلى الورشة وتعطل الوابور .. عشرة أيام كاملة .. ثم أصيب أسطى الوابور فى يده .. وسقط عبد الموجود من فوق الحاجز الخشبى بجوار " القادوس " وكادت أن تدق عنقه ..

وأخذ الناس ينسجون حول روح زهرة الأساطير .. حتى خاف أهل القرية جميعا .. أن يمروا بجوار الوابور فى الليل .. وحتى خاف الخفير .. نفسه .. وأبعد عن الوابور ..

وكنت أقاوم هذه الاشاعات بكل ما أملك من قوة وصبر .. ولحمنا " البستم " وعاد الوابور يتك .. ولكن الفلاحين لم يصدقوا أعينهم وتحول عنا نصف العملاء .. ذهبوا إلى القرى البعيدة .. وعندما تعطل الوابور مرة أخرى .. بقى القليل منهم ..

وكنت أكافح وحدى .. فقد تحطمت أعصاب كل من كان يعمل معى فى الوابور .. وصدقوا الاشاعة .. وسرت إلى أعماقهم .. وقل الايراد وأصبحنا لانحصل إلا على قروش قليلة فى اليوم .. وضاع كل ما كان موفرا لدى نجية فى الاصلاحات .. فقد كنا نحل بعض آلات الوابور كل أسبوع ونذهب بها إلى الورشة ولم يبق معها أى شىء .. وعجزت عن دفع أجرة الأسطى فذهب يوم الخميس يعود أهله .. ولم يعد .. فقررت أن أدير الماكينة بنفسى لأننى تعلمت من كثرة ملازمتى للأسطوات كيف تدور وكان أهم شىء عندى أن يرى الفلاحون " العادم " يخرج من الماسورة وأن يسمعوا صوت " الكرنك " وليس المهم أن يطحنوا .. وانمـا المهم أن يعرفوا أن الوابور دائر ولم يتعطل إلى الأبد ..

***

وكنت أذهب فى هذه الأيام الحالكة إلى بيت نجية .. كل مساء وقالت لى ذات ليلة :
ـ عاوزة أبيع الوابور ..
ـ ستخسرى كثير دلوقت .. تبيعيه بتراب الفلوس ..
ـ تعبت وما عدش فيه فايدة .. وابور منحوس عاوزة أوكل العيال مساكين ..

وكانت حالتها محزنة فتأثرت .. ووضعت يدى فى جيبى وأخرجت لها الثلاثين جنيها مهر نعيمة ..
ـ إيه دول ..؟
ـ علشان تصرفى على الوابور .. تشترى غاز وزيت .. وتدفعى منهم أجرة عبد الموجود .. وحسنين .. والباقى خليه معاكى ..
ـ أنت بقالك ثلاثة أشهر ماختش ولامليم ..
ـ معلهش بكرة آخد .. وتزيد أجرتى ..
ـ مش ممكن آخـد منك مليم .. كمان أحرمك .. من عرق جبينك ..
ـ إن مكونتيش حتخديهم دلوقت .. حاسيب البلد وأمشى من بكرة ..
ـ تمشى تروح فين .. أنا مقدرش أعيش من غيرك ساعة ..

وأسفرت عن وجهها فى تلك اللحظة .. جعلتها المحنة التى نزلت بنا والتى جمعتنا تسفر .. ورأيت وجهها أبيض مستطيلا نقى البشرة وشفتين رقيقتين ناعمتين يكتنز فيهما الدم .. وقالت وكأنها ترانى لأول مرة :
ـ يعنى انت كبرت وطولت يا عبد الله .. وبقيت راجل أمال مجوزتش ليه ..؟
ـ حجوز ..
ـ مين ..؟

ولا أدرى لماذا لم أقل لها نعيمة بنت الريس جلال .. والواقع أن نعيمة لم تكن فى ذهنى فى تلك اللحظة وإنما قلت :
ـ أى واحدة بنت حلال .. كل بنات البلد بنشوفهم فى الوابور ..
ـ أوعى تكون اتلميت على أم توحيدة .. بيقولوا محوشة قرشين وبتعرض نفسها على الرجالة ..
ـ ومين غيرها ينفعنا فى الأزمة دى ..
ـ أوعى أزعل منك ..

وجلست على السلم تعد النقود .. وكانت تعلونى بمقدار أربع درجات .. وأنا جالس القرفصاء .. ووجهى إلى الأرض .. وعندما رفعت رأسى .. رأيت ما يعلو القدم من الساق .. بمقدار شبر .. ولم تكن هناك دمالج ولا خلاخيل .. ورأيت طرف القميص الأزرق تحت ثوب الحداد ورأيت استدارة الجسم كله فى خط مائل .. فلم تكن نجية معتدلة فى جلستها ..

وشعرت بضربات قلبى كالمطرقة وأنا أسمع صوتها ولم يكن الصوت الذى ألفته .. كان يقطر عذوبة ورقة ..
ـ يعنى دول ثلاثين ..
ـ أيوة ..
ـ مهر الجواز .. وليه أحرمك منه ..
ـ دى فلوسك يا ستى ..
ـ أخـدهم علشـان ما تزعلش .. بس أوعى تتلم على أم توحيدة ..!

وكانت تبتسم وتنظر إلىّ بكل أنوثتها وكل فتنتها .. وشعرت فى تلك اللحظة .. بالفاصل الذى كان بينى وبينها قد انزاح ولم يعد له وجود ..

ومن تلك اللحظة استولت نجية على جسمى وعقلى ..

***

وكانت المحنة مستمرة .. ولم تتحسن أحوال الوابور .. كانت روح زهرة لا تزال مسيطرة على أهل القرية ..

وحدث أن تعاركت مع أحد الفلاحين وقد غاظنى أنه أخذ يروى أمامى أنه شـاهد روح زهرة فى الليل على شكل كلب مسعور .. يعوى .. انقلب إلى ذئب .. ثم إلى ضبع .. فضربت الرجل لأقطع لسانه عن هذا الكلام ..

وذهبنا إلى النقطة وحبسـنا معـا ثلاثة أيام .. وفى اليوم الرابع أخرجونى .. وعلمت من حسنين أن نجية ذهبت فى الليل إلى النقطة ليخرجنى الضابط وجننت وأنا أسمع منه هذا الكلام .. ولم أدر ما الذى ركبنى فى تلك الساعة فقد كنت فى حالة جنون تام .. ودفعت الباب برجلى ودخلت .. ولما أحست بى نزلت ..

وارتاعت لما رأته على وجهى من الغضب .. إذ تصورت أن الوابور انكسر ومصيبة جديدة حاقت بنا ..
وسألتها :
ـ رحت النقطة ..؟
ـ أيوه .. وكان معـايا الشيخ رفعت وكيل العمدة .. وعبد الفتاح ..
ـ وعلشان إيه تروحى .. ما عندناش نسـوان تخرج وتروح النقطة ..
ـ كان معايا الشيخ رفعت قلت لك ..
ـ دا عيب منك فضحت الراجل فى قبره ..
ـ أنت ملكش أمارة .. علىّ ..
وتطور الحديث .. فصفعتها .. ونسيت أننى أجير عندها ..

وجلست منزوية تبكى صامتة ولم تسبنى أو توجه إلىّ أى كلام .. وإنما أخذت تشهق ..

***

وكنت أنتظر بعد هذا أن تطردنى من عملى فى الطاحونة ولكن لم يحدث شىء مما توقعته .. وظللت أعمل وأكافح حتى تحسنت الأحوال ودار الوابور وتك .. وأخذ نساء القرية يعدن إلينا بالتدريج ثم كثرن حتى ضاق بهن حوش الوابور ..

وحدث أن تعطلت بعض وابورات الطحين فى القرى المجاورة .. فجاء أهلها إلينا .. وزاد العمل .. وتضخم ..
وأحدثنا تغييرا مطلقا فى العدد .. وتصميم الوابور ..

***

وكانت النار تشتعل فى قلبى وقلب نجية .. فتزوجتها لا لأطفىء هذه النار بل لأزيدها اشتعالا ..

وفى صباح ليلة الزفاف .. سمعت الحجر الثانى يدور فى الطاحونة فابتسمت .. وأدركت أننا دخلنا .. فى حياة جديدة ..

===============================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى 19/9/1955 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " الأعرج فى الميناء " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر ط 2006
===============================



الزلزال
قصة محمود البدوى

سمعت سعاد جرس الباب الخارجى يدق .. ومع أنها كانت جالسة قريبة من الباب .. لكنها لم تنهض إذ كانت تشعر بتراخ وكسل ونادت خادمتها وداد بصوت عال ففتحت هذه باب المطبخ وظهر صوت الوابور .. يغطى كل الأصوات ..

ـ مش سامعة الجرس ..؟
ـ أبدا ياستى ..

ودخلت هدى .. فاستقبلتها سعاد مرحبة .. وقالت هدى وهى تقبل سعاد فى وجنتيها :

ـ الف مبروك ..
ـ مرسى خالص ..

ـ قد إيه فرحت .. لما سمعت من فاطمة هانم .. لازم كده .. منقدرش نستغنى عن الراجل .. مهما كانت الظروف ..

ـ رأيك كده ..؟
ـ طبعا ومن الأول .. قلت لك لازم تجوزى يا سعاد .. حرام .. تضيعى شـبابك .. وجمـالك .. وترفضى عثمان بيـه لأنه كويس قوى ..

ـ آدينى ياستى قبلت ..
ـ وامتى حنفرح ..

ـ لما تفوت سنة على المرحوم .. قربنا ..
ـ نازلة معايا مصر .. أنا رايحه الصالون الأخضر .. حاشوفلى حتتين ..

ـ متأسفة خالص يا هدى .. النهاردة أول يوم فى المدرسة .. ولازم أستنى حلمى لما يرجع ..
ـ إحنا راجعين حالا ..

ـ ما أقدرش .. الصبح وديته المدرسة بنفسى .. وفضلت معاه فى الحوش .. أكتر من ساعة .. وبعد كده وقفت بره السور .. مدة كبيرة .. ولما دخل الفصل عيطت .. ولما جيت هنا قعدت جنب التليفون .. وكل ساعة أضرب للناظرة حاجة تكسف .. ؟
ـ معلهش علشان النهاردة أول يوم يخرج فيه من البيت .. وبعدين تعتادى على كده ..

ـ والعياط .. شىء يكسف .. !؟
ـ عينيك حلوة بالدموع ..

وضحكتا ..

وأخذت الصديقتان تتجاذبان الحديث حتى جاوزت الساعة العاشرة من الصباح فانصرفت هدى ..

وبقيت سعاد وحدها تنظر إلى الساعة وهى رائحة وذاهبة فى البيت وداخلة من حجرة إلى حجرة دون غرض ولأول مرة فى حياتها شعرت بالفراغ .. بالفراغ المعذب .. وبوحدة المرأة الحزينة التى فقدت زوجها .. وهى فى أول شبابها ..

فقد كان ابنها ينسيها هذا وينسيها بألاعيبه وبكائه وجريه فى البيت أنها أرملة وأنها وحيدة وأنها فقدت زوجها .. فقدت الرجل الذى كان يحيطها بذراعيه القويتين وقلبه الحنون .. أحست بالفراغ الكبير وانقبض صدرها وتألم وتحركت فى حجرات البيت ترتب بعض الأشياء الصغيرة .. ثم سمعت جرس الباب الخارجى يدق مرة أخرى .. وتناولت الثلج من البائع ووضعته فى الثلاجة .. ودخلت على خادمتها المطبخ ..

وكانت سعاد تعد من الصباح الباكر لطفلها طعاما شهيا .. وبعض الحلوى .. كانت تود أن تحتفل باليوم الأول لدخوله المدرسة ..

وفرغت من كل شىء وهى لاتزال تشعر بالوحشة وانقباض النفس .. وتحركت إلى التليفون .. وأدارت القرص .. فوجدت نمرة المدرسة مشغولة .. فعاودت الدق .. فسمعت انشغال الخط مرة أخرى .. فجلست مكتئبة على كنبة .. وفى يديها خيوط من الصوف تنسج بها " بلوفر " لابنها .. وأخذت تعمل وكانت يداها تتحركان حركة آلية دون وعى ودون حس .. وبعد قليل ألقت خيوط الصوف وعادت تدق للمدرسة .. وشعرت بالخجل يصعد إلى وجنتيها وهى تحادث الناظرة .. وتسأل عن ميعاد الانصراف للمرة الرابعة .. وقبل الميعاد بساعة ارتدت فستانها الأسود وخرجت مسرعة إلى المدرسة ..

وزاغت عيناها فى مئات الأطفال متناثرين كالزهور فى حوش المدرسة ولكن باصرتها تركزت فى دائرة زرقاء رسمت بها اسم حلمى على صدره ووجدته أخيرا .. فجرت إليه واستقبلته بين ذراعيها ..

وكان الغلام مسرورا بلقاء أمه .. وقد انفرجت أسارير نفسه عندما وجدها على الباب .. وعاد يشعر بعطف الأمومة يغمره ويشيع البهجة فى عالمه الصغير ..

***

وكان عثمان خطيب سعاد يشغل وظيفة رئيسية فى إحدى الشركات بالقاهرة ويعمل فى الشركة فى الصباح والمساء .. ومع ذلك .. ومع أن سعاد تسكن بعيدة عنه فقد كان يزورها فى بيتها يوميا منذ أعلنت خطوبتهما .. فقد بهره جمالها وسحره فتعلق بها وأصبح لايغيب عنها .. وكان يقضى معظم الوقت معها فى البيت لأنها كانت ترفض دعواته إلى السينما أو إلى أى نزهة فى الخارج .. فلا تزال تلبس السواد ولم ينصرم عام على وفاة زوجها .. كما أنها لاتحب أن تخرج وتترك الغلام وحده فى البيت .. وكان عثمان يستاء لرفضها الخروج معه .. ولكنه كان يلتمس لها العذر .. ويضطر إلى ملازمتها فى البيت والسهر معها .. وكان يراها أمامه جميلة رقيقة المشاعر عذبة الحديث .. تجمع كل مفاتن الأنثى .. ولكنه كان يستاء فى أعماقه لأن ظهوره فى جو حياتها لم يدخل السرور على قلبها .. ولم يعد إليها اشراق وجهها .. وكان يراها مشغولة باطعامه .. وراحته والذهاب به إلى الفراش .. وإذا ارتفعت حرارته نصف درجة .. شغلت بتمريضه والعناية به وتستدعى له أكثر من طبيب .. ولكن عثمان كان يحتمل هذا بصبر ويعرف أن الحياة ستغيرها بالتدريج .. وأنها ستصبح له وحده بعد أن يتملكها ..

***

وكان يجلس معها بعد العشاء فى الشرفة ويتمتعان بجو الخريف المنعش وبالهدوء فى هذه المنطقة وبالمنازل الجميلة الحديثة التى حول البيت .. وبالاضاءة الخافتة فى الشارع .. فإذا طلع عليهما القمر وغمرهما بضوئه وسحره تفتحت مشاعره للغزل .. فيناغيها .. ويناجيها ويمسك راحتها البضة بيده الملتهبة .. ويضغط عليها ويمسح على ذراعيها .. فإذا راح فى سكرة الحب .. واقترب منها ليمسح على شفتيها بشفتيه ويبرد النار التى تشتعل فى قلبه .. دفعته عنها برفق وهى تهمس :
ـ حلمى صاحى ..

وكان يتألم لهذا الرفض ويتعذب .. وصرخ من أعماقه وهى تمضى عنه إلى فراش الغلام ..
ـ جته موته ..
ولكنها لم تسمعه ..

***

وكان عثمان يمضى يوم راحته الاسبوعية فى بيت سعاد ويجىء مبكرا ويحاول ملاعبة الغلام ومداعبته .. ولكن عطفه لم يكن طبيعيا .. كان متكلفا .. كان مجاملة للأم .. ولكن سعاد لم تكن قد خبرت بعد طباع خطيبها أو وصلت إلى أعماقه ..

واقترب يوم الزفاف .. تحدد يوم الخميس الأول من الشهر التالى وكان الخطيبان فى فرحة وسعادة متصلة .. وكان عثمان بك يتعشى مع سعاد كل ليلة ويبقى فى بيتها إلى منتصف الليل ..

وذات ليلة تعشى حلمى ونام مبكرا .. وعندما جاء عثمان لم يره كما اعتاد ، وكانت سعاد فى هذه الليلة سعيدة .. وازينت وبدت فى ثوب من الساتان الوردى ، خلعت السواد وبدت كأجمل عروس رأتها العين ..

وكانا يتحدثان فى وفاق ومحبة .. وقررا الانتقال فى أول الشهر إلى شقة جديدة على كورنيش النيل لتكون العش الهنى ..

وبدا كل شىء ممتعا وسارا فى تلك الساعة .. وعندما ضمها إلى صدره ليقبلها لم تمانع أو تعتذر بوجود حلمى .. ولفرط السعادة التى غمرته وهو يعانقها نسى أن حلمى موجود فى البيت أصلا ..
ثم خطر فى ذهنه خاطر ..
لماذا لايدخل حلمى أية مدرسة داخلية ..
قرر أن يعرض عليها هذا الخاطر بعد الزواج ..

***

وجاء عثمان إلى بيت سعاد ذات صباح مبكرا يصحبها إلى السوق لشراء بعض الأشياء اللازمة لهما فى البيت الجديد .. وكان حلمى قد ذهب إلى المدرسة .. وفيما هما جالسان فى الصالة أحسا بهزة عنيفة فذعرا وارتجفا .. وعرفا أنه زلزال ..

وبعد أن مرت الهزة العصبية .. جرت الأم إلى التليفون تتحدث مع المدرسة فوجدت الخط مشغولا .. فظلت تتحرك فى البيت دون وعى وهى شاردة وقد ساورها القلق القاتل .

وبعد قليل سمعت من الجيران أن الزلزال أحدث ذعرا فى بعض المدارس ومات بسبب هذا أطفال .. فابيضت عيناها من الفزع وخرجت بملابس البيت تعدو إلى المدرسة ..

وكان من يراها وهى تجرى فى الشارع يتصور أنها جنت ، فقد كانت تجرى على شريط الترام ولا تحس بالسيارات المسرعة التى تكاد تدهسها .. ومع أنها مذ نزلت من البيت كانت تود أن تركب " تاكسى " .. ولكنها لم تركب ووجدت طاقتها العصبية تدفعها إلى الحركة والعدو .. وهى لاتحس بشىء مما حولها ، وبعد عشر دقائق رجعت إلى نفسها وركبت " تاكسى " إلى المدرسة ..

وبقى عثمان فى البيت لم يخرج وراء سعاد .. وكان يود أن يسأل الناس ليتحقق من أن الزلزال وقع فعلا فى المدرسة التى فيها حلمى بالذات .. وأن البناء انقض على الغلام وحده .. كان يود أن يتأكد من هذا وجعله هذا الخاطر سعيدا ومبتهجا وظهر البشر على وجهه ..

***

ودخلت عليه هدى لما علمت بذهاب سعاد إلى المدرسة .. وقالت له :
ـ كان لازم تروح معاها .. يا عثمان بك ..
ـ علشان إيه .. ؟
ـ وجودك يريح أعصابها ..
ـ دى طارت من غير ماتتكلم ..
ـ طبعا .. أم ..
ـ اضربى للمدرسة علشان نطمئن .. دى غابت .. باين مات ..
ـ حرام عليك .. تقول كده .. وتجيب سيرة الموت على لسانك دول أطفال ..
ـ بصراحـة .. مش حا أستريح أنا وســعاد ما دام الواد دا عايش ..
ـ ليه .. تقول كده ..

وكان وجهه يفيض بشرا للأمنية التى يتمناها فى تلك اللحظة .. ويرجو أن تكون قد تحققت ..
ـ تفتكر ولا قدر الله إن جرى حاجة .. حتتجوزك سعاد ..
ـ طبعا .. وتكون كلها لى ..
ـ لأ .. انت غلطان .. ودا تفكير حيوان مش انسان .. سعاد حتتجوزك علشان تربى الواد .. وتكون أب له .. قبل ما تكون جوز لها .. انت ما تعرفشى سعاد .. تتمنى الموت لابنها فى الساعة المشئومة دى .. حرام ..لازم تنزل حالا وراها .. وتخليها تحس بأنك راجل نبيل .. وانسان ..

وكانت سعاد قد دخلت البيت وبيدها حلمى .. وسمعت الحديث كله .. سمعت كل ما قاله عثمان .. ولكن عندما دخلت عليهما الغرفة لم تظهر ذلك .. كانت فرحتها بعودة ابنها تطغى على كل عواطفها ولم يستطع عثمان أن يخفى انقباضه لنجاة الغلام فاسود وجهه .. ثم فتح فمه دون أن ينطق بحرف .

ودخل حلمى الغرفة واحتضنته هدى .. وقبلته .. وأخذت المرأتان تتحدثان وتقصان ما وقع لهما ..

***

وكان عثمان جالسا فى صمت ووجهه أبيض .. وكانت سعاد تنظر اليه وهو جالس باحتقار شديد ومقت أشد وتود لو تطرده من بيتها ..

وأخذت هدى تضحك وتحاول أن تعيد البهجة إلى الخطيبين .. بكل ما تستطيع المرأة من حيل .. ولكن بعد أن خرجت هدى من البيت عاد الوجوم والصمت .. وتكشفت نفساهما .. وأصبح كل منهما يرى وجه صاحبه خالصا من كل قناع وزيف ..

***

وتحدث عثمان وردت عليه سعاد فى فتور .. ولما نهض ليخرج لم تستبقيه كعادتها للغداء .. بل فتحت له الباب على مصراعيه ..

وعلى بسطة السلم ألقت وراءه بشىء صغير .. سمع رنينه وانحنى والتقطه .. وعندما أدار رأسه إليها .. كانت فى تلك اللحظة قد أغلقت الباب فى وجهه بعنف ..
=================================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى 19121955 وأعيد نشرها بمجوعة الأعرج فى الميناء لمحمود البدوى 1958
=================================








الزلزال
قصة محمود البدوى

سمعت سعاد جرس الباب الخارجى يدق .. ومع أنها كانت جالسة قريبة من الباب .. لكنها لم تنهض إذ كانت تشعر بتراخ وكسل ونادت خادمتها وداد بصوت عال ففتحت هذه باب المطبخ وظهر صوت الوابور .. يغطى كل الأصوات ..

ـ مش سامعة الجرس ..؟
ـ أبدا ياستى ..

ودخلت هدى .. فاستقبلتها سعاد مرحبة .. وقالت هدى وهى تقبل سعاد فى وجنتيها :

ـ الف مبروك ..
ـ مرسى خالص ..

ـ قد إيه فرحت .. لما سمعت من فاطمة هانم .. لازم كده .. منقدرش نستغنى عن الراجل .. مهما كانت الظروف ..

ـ رأيك كده ..؟
ـ طبعا ومن الأول .. قلت لك لازم تجوزى يا سعاد .. حرام .. تضيعى شـبابك .. وجمـالك .. وترفضى عثمان بيـه لأنه كويس قوى ..

ـ آدينى ياستى قبلت ..
ـ وامتى حنفرح ..

ـ لما تفوت سنة على المرحوم .. قربنا ..
ـ نازلة معايا مصر .. أنا رايحه الصالون الأخضر .. حاشوفلى حتتين ..

ـ متأسفة خالص يا هدى .. النهاردة أول يوم فى المدرسة .. ولازم أستنى حلمى لما يرجع ..
ـ إحنا راجعين حالا ..

ـ ما أقدرش .. الصبح وديته المدرسة بنفسى .. وفضلت معاه فى الحوش .. أكتر من ساعة .. وبعد كده وقفت بره السور .. مدة كبيرة .. ولما دخل الفصل عيطت .. ولما جيت هنا قعدت جنب التليفون .. وكل ساعة أضرب للناظرة حاجة تكسف .. ؟
ـ معلهش علشان النهاردة أول يوم يخرج فيه من البيت .. وبعدين تعتادى على كده ..

ـ والعياط .. شىء يكسف .. !؟
ـ عينيك حلوة بالدموع ..

وضحكتا ..

وأخذت الصديقتان تتجاذبان الحديث حتى جاوزت الساعة العاشرة من الصباح فانصرفت هدى ..

وبقيت سعاد وحدها تنظر إلى الساعة وهى رائحة وذاهبة فى البيت وداخلة من حجرة إلى حجرة دون غرض ولأول مرة فى حياتها شعرت بالفراغ .. بالفراغ المعذب .. وبوحدة المرأة الحزينة التى فقدت زوجها .. وهى فى أول شبابها ..

فقد كان ابنها ينسيها هذا وينسيها بألاعيبه وبكائه وجريه فى البيت أنها أرملة وأنها وحيدة وأنها فقدت زوجها .. فقدت الرجل الذى كان يحيطها بذراعيه القويتين وقلبه الحنون .. أحست بالفراغ الكبير وانقبض صدرها وتألم وتحركت فى حجرات البيت ترتب بعض الأشياء الصغيرة .. ثم سمعت جرس الباب الخارجى يدق مرة أخرى .. وتناولت الثلج من البائع ووضعته فى الثلاجة .. ودخلت على خادمتها المطبخ ..

وكانت سعاد تعد من الصباح الباكر لطفلها طعاما شهيا .. وبعض الحلوى .. كانت تود أن تحتفل باليوم الأول لدخوله المدرسة ..

وفرغت من كل شىء وهى لاتزال تشعر بالوحشة وانقباض النفس .. وتحركت إلى التليفون .. وأدارت القرص .. فوجدت نمرة المدرسة مشغولة .. فعاودت الدق .. فسمعت انشغال الخط مرة أخرى .. فجلست مكتئبة على كنبة .. وفى يديها خيوط من الصوف تنسج بها " بلوفر " لابنها .. وأخذت تعمل وكانت يداها تتحركان حركة آلية دون وعى ودون حس .. وبعد قليل ألقت خيوط الصوف وعادت تدق للمدرسة .. وشعرت بالخجل يصعد إلى وجنتيها وهى تحادث الناظرة .. وتسأل عن ميعاد الانصراف للمرة الرابعة .. وقبل الميعاد بساعة ارتدت فستانها الأسود وخرجت مسرعة إلى المدرسة ..

وزاغت عيناها فى مئات الأطفال متناثرين كالزهور فى حوش المدرسة ولكن باصرتها تركزت فى دائرة زرقاء رسمت بها اسم حلمى على صدره ووجدته أخيرا .. فجرت إليه واستقبلته بين ذراعيها ..

وكان الغلام مسرورا بلقاء أمه .. وقد انفرجت أسارير نفسه عندما وجدها على الباب .. وعاد يشعر بعطف الأمومة يغمره ويشيع البهجة فى عالمه الصغير ..

***

وكان عثمان خطيب سعاد يشغل وظيفة رئيسية فى إحدى الشركات بالقاهرة ويعمل فى الشركة فى الصباح والمساء .. ومع ذلك .. ومع أن سعاد تسكن بعيدة عنه فقد كان يزورها فى بيتها يوميا منذ أعلنت خطوبتهما .. فقد بهره جمالها وسحره فتعلق بها وأصبح لايغيب عنها .. وكان يقضى معظم الوقت معها فى البيت لأنها كانت ترفض دعواته إلى السينما أو إلى أى نزهة فى الخارج .. فلا تزال تلبس السواد ولم ينصرم عام على وفاة زوجها .. كما أنها لاتحب أن تخرج وتترك الغلام وحده فى البيت .. وكان عثمان يستاء لرفضها الخروج معه .. ولكنه كان يلتمس لها العذر .. ويضطر إلى ملازمتها فى البيت والسهر معها .. وكان يراها أمامه جميلة رقيقة المشاعر عذبة الحديث .. تجمع كل مفاتن الأنثى .. ولكنه كان يستاء فى أعماقه لأن ظهوره فى جو حياتها لم يدخل السرور على قلبها .. ولم يعد إليها اشراق وجهها .. وكان يراها مشغولة باطعامه .. وراحته والذهاب به إلى الفراش .. وإذا ارتفعت حرارته نصف درجة .. شغلت بتمريضه والعناية به وتستدعى له أكثر من طبيب .. ولكن عثمان كان يحتمل هذا بصبر ويعرف أن الحياة ستغيرها بالتدريج .. وأنها ستصبح له وحده بعد أن يتملكها ..

***

وكان يجلس معها بعد العشاء فى الشرفة ويتمتعان بجو الخريف المنعش وبالهدوء فى هذه المنطقة وبالمنازل الجميلة الحديثة التى حول البيت .. وبالاضاءة الخافتة فى الشارع .. فإذا طلع عليهما القمر وغمرهما بضوئه وسحره تفتحت مشاعره للغزل .. فيناغيها .. ويناجيها ويمسك راحتها البضة بيده الملتهبة .. ويضغط عليها ويمسح على ذراعيها .. فإذا راح فى سكرة الحب .. واقترب منها ليمسح على شفتيها بشفتيه ويبرد النار التى تشتعل فى قلبه .. دفعته عنها برفق وهى تهمس :
ـ حلمى صاحى ..

وكان يتألم لهذا الرفض ويتعذب .. وصرخ من أعماقه وهى تمضى عنه إلى فراش الغلام ..
ـ جته موته ..
ولكنها لم تسمعه ..

***

وكان عثمان يمضى يوم راحته الاسبوعية فى بيت سعاد ويجىء مبكرا ويحاول ملاعبة الغلام ومداعبته .. ولكن عطفه لم يكن طبيعيا .. كان متكلفا .. كان مجاملة للأم .. ولكن سعاد لم تكن قد خبرت بعد طباع خطيبها أو وصلت إلى أعماقه ..

واقترب يوم الزفاف .. تحدد يوم الخميس الأول من الشهر التالى وكان الخطيبان فى فرحة وسعادة متصلة .. وكان عثمان بك يتعشى مع سعاد كل ليلة ويبقى فى بيتها إلى منتصف الليل ..

وذات ليلة تعشى حلمى ونام مبكرا .. وعندما جاء عثمان لم يره كما اعتاد ، وكانت سعاد فى هذه الليلة سعيدة .. وازينت وبدت فى ثوب من الساتان الوردى ، خلعت السواد وبدت كأجمل عروس رأتها العين ..

وكانا يتحدثان فى وفاق ومحبة .. وقررا الانتقال فى أول الشهر إلى شقة جديدة على كورنيش النيل لتكون العش الهنى ..

وبدا كل شىء ممتعا وسارا فى تلك الساعة .. وعندما ضمها إلى صدره ليقبلها لم تمانع أو تعتذر بوجود حلمى .. ولفرط السعادة التى غمرته وهو يعانقها نسى أن حلمى موجود فى البيت أصلا ..
ثم خطر فى ذهنه خاطر ..
لماذا لايدخل حلمى أية مدرسة داخلية ..
قرر أن يعرض عليها هذا الخاطر بعد الزواج ..

***

وجاء عثمان إلى بيت سعاد ذات صباح مبكرا يصحبها إلى السوق لشراء بعض الأشياء اللازمة لهما فى البيت الجديد .. وكان حلمى قد ذهب إلى المدرسة .. وفيما هما جالسان فى الصالة أحسا بهزة عنيفة فذعرا وارتجفا .. وعرفا أنه زلزال ..

وبعد أن مرت الهزة العصبية .. جرت الأم إلى التليفون تتحدث مع المدرسة فوجدت الخط مشغولا .. فظلت تتحرك فى البيت دون وعى وهى شاردة وقد ساورها القلق القاتل .

وبعد قليل سمعت من الجيران أن الزلزال أحدث ذعرا فى بعض المدارس ومات بسبب هذا أطفال .. فابيضت عيناها من الفزع وخرجت بملابس البيت تعدو إلى المدرسة ..

وكان من يراها وهى تجرى فى الشارع يتصور أنها جنت ، فقد كانت تجرى على شريط الترام ولا تحس بالسيارات المسرعة التى تكاد تدهسها .. ومع أنها مذ نزلت من البيت كانت تود أن تركب " تاكسى " .. ولكنها لم تركب ووجدت طاقتها العصبية تدفعها إلى الحركة والعدو .. وهى لاتحس بشىء مما حولها ، وبعد عشر دقائق رجعت إلى نفسها وركبت " تاكسى " إلى المدرسة ..

وبقى عثمان فى البيت لم يخرج وراء سعاد .. وكان يود أن يسأل الناس ليتحقق من أن الزلزال وقع فعلا فى المدرسة التى فيها حلمى بالذات .. وأن البناء انقض على الغلام وحده .. كان يود أن يتأكد من هذا وجعله هذا الخاطر سعيدا ومبتهجا وظهر البشر على وجهه ..

***

ودخلت عليه هدى لما علمت بذهاب سعاد إلى المدرسة .. وقالت له :
ـ كان لازم تروح معاها .. يا عثمان بك ..
ـ علشان إيه .. ؟
ـ وجودك يريح أعصابها ..
ـ دى طارت من غير ماتتكلم ..
ـ طبعا .. أم ..
ـ اضربى للمدرسة علشان نطمئن .. دى غابت .. باين مات ..
ـ حرام عليك .. تقول كده .. وتجيب سيرة الموت على لسانك دول أطفال ..
ـ بصراحـة .. مش حا أستريح أنا وســعاد ما دام الواد دا عايش ..
ـ ليه .. تقول كده ..

وكان وجهه يفيض بشرا للأمنية التى يتمناها فى تلك اللحظة .. ويرجو أن تكون قد تحققت ..
ـ تفتكر ولا قدر الله إن جرى حاجة .. حتتجوزك سعاد ..
ـ طبعا .. وتكون كلها لى ..
ـ لأ .. انت غلطان .. ودا تفكير حيوان مش انسان .. سعاد حتتجوزك علشان تربى الواد .. وتكون أب له .. قبل ما تكون جوز لها .. انت ما تعرفشى سعاد .. تتمنى الموت لابنها فى الساعة المشئومة دى .. حرام ..لازم تنزل حالا وراها .. وتخليها تحس بأنك راجل نبيل .. وانسان ..

وكانت سعاد قد دخلت البيت وبيدها حلمى .. وسمعت الحديث كله .. سمعت كل ما قاله عثمان .. ولكن عندما دخلت عليهما الغرفة لم تظهر ذلك .. كانت فرحتها بعودة ابنها تطغى على كل عواطفها ولم يستطع عثمان أن يخفى انقباضه لنجاة الغلام فاسود وجهه .. ثم فتح فمه دون أن ينطق بحرف .

ودخل حلمى الغرفة واحتضنته هدى .. وقبلته .. وأخذت المرأتان تتحدثان وتقصان ما وقع لهما ..

***

وكان عثمان جالسا فى صمت ووجهه أبيض .. وكانت سعاد تنظر اليه وهو جالس باحتقار شديد ومقت أشد وتود لو تطرده من بيتها ..

وأخذت هدى تضحك وتحاول أن تعيد البهجة إلى الخطيبين .. بكل ما تستطيع المرأة من حيل .. ولكن بعد أن خرجت هدى من البيت عاد الوجوم والصمت .. وتكشفت نفساهما .. وأصبح كل منهما يرى وجه صاحبه خالصا من كل قناع وزيف ..

***

وتحدث عثمان وردت عليه سعاد فى فتور .. ولما نهض ليخرج لم تستبقيه كعادتها للغداء .. بل فتحت له الباب على مصراعيه ..

وعلى بسطة السلم ألقت وراءه بشىء صغير .. سمع رنينه وانحنى والتقطه .. وعندما أدار رأسه إليها .. كانت فى تلك اللحظة قد أغلقت الباب فى وجهه بعنف ..
=================================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى 19121955 وأعيد نشرها بمجوعة الأعرج فى الميناء لمحمود البدوى 1958
=================================









الجـوهرة

قصة محمود البدوى

كان السيد إبراهيم شابا وسيما فى الثلاثين من عمره ومتزوجا حديثا من فتاة جميلة ومتعلمة مثله .. وكانا يقيمان فى القاهرة فى شقة أنيقة بحى قصر النيل قريبا من محل عمله .. فقد كان الزوج موظفا فى بنك الاتحاد التجارى .

فلما حل الصيف هذا العام بلهيبه أشفق على زوجته العروس الرقيقة من شدة الحرارة .. وطلب أجازة لمدة شهر .. وسافر بصحبتها إلى الإسكندرية .

وانقضى الأسبوع الأول من الإجازة فى متعة هنية .. والزوجان يتصوران من فرط السعادة أنهما رجعا إلى شهر العسل .. ثم جاءت برقية ذات ليلة .. تنبىء بمرض والد العروس وخطورة حالته ..

وجمعت الزوجة جواهرها فى حقيبة صغيرة .. وتركت كل شىء آخر فى الشقة المستأجرة .. وانطلقت مع زوجها تهرول إلى محطة سيدى جابر وهى تحس برجفة الخبر .. وتتوقع تطور الحالة وتقدر أنها ستصل بعد فوات الأوان .. وأنها لن ترى والدها وهو يموت ..

فتأثر الزوج وهرول إلى داخل المحطة .. ولكنه وجد قطار الديزل الأخير محجوزا كله .. ولا مكان حتى للوقوف .. فخرج مستاء ليخبر زوجته .. وفى تلك اللحظة تقدم إليه شخص ليدله على تاكسى مسافر إلى القاهرة فى الحال ..

ومشى إبراهيم مع زوجته دون تفكير وراء الدليل .. فقد كانا يودان السفر فورا بأية وسيلة .. وقادهما الدليل إلى مكان توجد به سيارة " تاكسى " خالية وكانت واقفة فى جانب من الطريق .. فركبا فى الحال ..

ـ الأجرة جنيه يا بيه ..

فقالت السيدة على الفور ..
ـ خذ ما تريد بشرط أن تتحرك حالا .. نحن فى عجلة ..

وفى اللحظة التى هم فيها السائق بالتحرك جاء راكبان آخران ودخلا فى جوف العربة ثم راكب ثالث .. وهكذا .. أصبح الركاب خمسة واتخذت العربة سبيلها فى الطريق الصحراوى وهى تنهب الأرض نهبا ..

***

وبعد أن خرجت السيارة من منطقة البحيرات واستوت فى قلب الصحراء .. نظر إبراهيم إلى وجوه الركاب لأول مرة وتفرس فى سحنتهم .. فلاحظ أن الراكب بجانبها فى المقعد الخلفى كئيب السحنة ويحمل وجه شرير .. وأن الراكبين الآخرين الجالسين فى المقعد الأمامى بجوار السائق من نفس الطينة .. ويلبسون جميعا بدلات من نسيج واحد ودون رباط عنق وأن الثلاثة يكونون عصابة تهرب المخدرات فى الليل أو تقطع على الناس الطريق .. وعجب كيف غفل عن هذا قبل أن تتحرك بهم السيارة .. ونظر إلى زوجته ليقرأ سوانح فكرها .. فى هذه اللحظة .. فرآها تحرك يدها على الحقيبة الصغيرة وتخفيها بثوبها وجسمها فى الجانب الأيسر بعيدا عن عيون الركاب ..

ولم يحدثها بشىء .. وأشعل سيجارة ليخفى انفعالات نفسه .. وكان فى كل لحظة ينظر فى الظلام إلى وجه الراكب الذى عن يمينه ليطبع صورته فى ذهنه .. حتى إذا حـدث شىء استطاع أن يصفه بدقة !!

وحاول كذلك أن يرى وجهى الراكبين الجالسين فى المقعد الأمامى بجانب السائق .. التقط الصورة بعدسة عينه كأنها فوتوغرافيا لاقطة .. مرة من الجانب الأيمن ومرة أخرى من الجانب الأيسر .. ومرة ثالثة من الخلف ..

وكانت أقفية الثلاثة واضحة .. إذا أضفنا السائق .. وكذلك شحمة آذانهم .. وكانت أذن الذى على يمين السائق كبيرة ومفرطحة كأذن الشامبانزى .. وكانت هناك ضربة بحد الموسى .. تحت الأذن مباشرة ملتئمة .. ثم تركت أثرا ظاهرا .. خط أسود محروق الجلد ..

وزاد هذا من خوف إبراهيم .. وجسم توقعه الشر ..

وكان الليل فاحما شديد السواد .. والصحراء تبدو رهيبة وصامتة وموحشة فى الظلام .. وسرى صمتها إلى الركاب جميعا .. فلم يتبادلوا كلمة واحدة ..

وكان إبراهيم من خلال السيجارة التى لم تبرح فمه يلقى بكلمة كالهمس فى أذن زوجته من حين إلى حين .. وكانت خائفة مثله وحزينة وزاد الحزن من خوفها ..

وكانت هذه أول مرة تركب فيها سيارة أجرة مع غرباء .. ومع غرباء فى الليل ومعها كل الجواهر التى تملكها .. تحمل ما يزيد ثمنه على الف من الجنيهات وتنطلق به فى الليل .. إنها مجنونة .. لماذا لم تترك الحقيبة هناك فى الإسكندرية .. فإن تسرق هناك .. خير من أن تسرق هنا فى الصحراء وتقتل هى ويقتل زوجها ..

وكان الرجال الأربعة يدخنون .. حتى السائق أشعلوا له سيجارة .. وهى وحدها جالسة صامتة .. لاتستطيع أن تفرج عن أعصابها بشىء ما ..

وكان الليل الشاحب يلف كل شىء فى شملته .. والريح تصفر .. وسمعت عواء كعواء الذئب .. يأتى من حين إلى حين مختلطا مذابا فى صوت الريح ..

وكانت الرمال ساكنة لاتحركها الريح أبدا .. وأعمدة التليفون تبدو صامتة وفى مثل حزنها تتلقى المصير فى الليل الشاحب ..

وفجأة أحسوا بضربة شديدة كأن شيئا سقط من محرك السيارة إلى الأرض وخف دوران المحرك ثم تعطل تماما ..

ونزل السائق ودار حول العربة ثم رفع غطاء المحرك .. وأخذ يعالجه على ضوء البطارية .. ونزل بعده الركاب الثلاثة وبقى إبراهيم وزوجته فى داخل العربة .. ونظر إبراهيم إلى الظلام حوله والسكون المخيم وأدرك أنهم اختاروا المكان المناسب لفعلتهم فشحب وجهه وتصبب من جسمه العرق ..

وشاهد الرجال الثلاثة يتحدثون فى جانب من الطريق فأدرك أنهم يتآمرون على التخلص منه هو .. فمال على أذن زوجته
ـ الأحسن أن نخرج من السيارة ..
فقالت له :
ـ أبدا .. لن أخـرج .. لو خرجـت سيرون الحقيبة .. ويسرقونها ..
ـ جلوسنا هنا خطر ..
ـ أبدا .. وأين نذهب على الرمال .. أبدا .. سأظل مع الحقيبة .. أخرج أنت ..

وبقى الزوج بجانبها .. وهو يشعر بالغيظ فقد كانت هذه أول مرة تخالفه فيها ولا تنـزل عند رأيه ..وعجب لأن تفكيرها كله محصور فى الجواهر .. ولا يخطر على بالها أى شىء آخر .. وأدرك الآن مسؤليتة كزوج لأول مرة .. فإنه مسئول عنها وعن حمايتها من كل ما تتعرض له قبل أن يحمى نفسه ..

وعرف أن عيون الرجالة الثلاثة الآن على زوجته الجميلة .. وأنها بجمالها فتنتهم .. ودبروا الأمر مع السائق .. ليقف فى جوف الصحراء لتكون لديهم الفرصة .. ولكنه سيخنقهم جميعا قبل أن تمتد يد إلى زوجته .. سيخنقهم جميعــا .. وأحس بنفسه يرتعش وهو جالس من فرط الانفعال ..

وسألته زوجته :
ـ مالك ؟
ـ لاشىء ..
ـ اطمئن .. الحقيبة لم يرها واحد منهم ..

وزادته غفلتها استياء ! .. وأخيرا مرت سيارة كبيرة فأشار إليها سائق التاكسى فتوقفت وتعاون السائقان على إصلاح المحرك ..

وأسرعت سيارة التاكسى إلى القاهرة دون أن تتوقف فى الاستراحة لتعوض مافات .. وكانت السيارة الكبيرة تسير وراءهم ولا تتقدم عليهم .. كأنها مستعدة لنجدتهم إذا حدث عطل آخر ..

وتنفس إبراهيــــم الصعداء لما اقتربوا من منطقة الأهرام ..

وفى ميدان الجيزة نزل الركاب الآخرون وبقى وحده مع زوجته ..

وسألته زوجته بصوت خافت :
ـ لاحظت عليك الاضطراب فى طريق الصحراء .. هل كنت تخاف على الجواهر ..
ـ لا .. لم أكن أفكر فيها قط ..
ـ وعلام الخـوف إذن ؟ لقد لاحظت ذلك على وجهك فلا تنكر ..
ـ كنت أخاف على جوهرة واحدة ..
ـ جوهرة واحدة ؟ ..
أجل جوهرة واحدة .. لاتعوض أبدا .. وأمسك بها الآن ..

وأمسك بيدها .. ففهمت أخيرا .. وابتسمت .. وضغطت على يد زوجها .. وهى تشعر بفرحة غامرة ..
=================================
نشرت القصة فى مجلة الجيل المصرية فى 27111961 وأعيد نشرها بمجموعة عذراء ووحش 1963 لمحمود البدوى
=================================




الجمال الحزين
قصة محمود البدوى

ذهبت إلى الإسكندرية فى شهر أكتوبر الماضى .. وأخذت معى مفتاح بيت عمى عبد اللطيف فى حى مصطفى باشا وقد اعتدت أن أقضى فى هذا البيت الشهر الأخير من الصيف وحدى لأريح نفسى وأعصابى بعد العمل الشاق .. على مدار السنة ..

وبلغت المنزل بسيارتى فى الساعة التاسعة مساء .. ووجدت النور الكهربى مقطوعا والتراب يغطى الأرض كأنه بساط .. ومع ذلك قررت أن أنام فى البيت مهما كانت الظروف لأنى أكره الفنادق والبنسيونات فى هذه المدينه ورأيت أن أستعين بشمعة لأهيئ لنفسى فراشا فى أى مكان ..

وقرعت باب ( مدام مارى ) صاحبة الفيلا الملاصقة لبيت عمى وكانت من معارفى .. ولم تفتح هى الباب .. ووجدت بدلها سيدة متوسطة العمر مصرية الملامح والنظرات ..

وسألت عن المدام فقالت لى بأنها باعت الفيلا وسافرت إلى بلادها منذ ثلاثة أشهر .. واعتذرت لإزعاجها .. وعرفتها بشخصى .. وبالنور المقطوع .. فجرت إلى الداخل وعادت تحمل مصباحا صغيرا .. وشكرتها ..

ودخلت البيت لأنام .. وفى الصباح أعدت إليها المصباح وأنا أكرر الشكر .. وجئت بمن نظف البيت وأعانتنى السيدة نعمات بخادمتها لتخرج الفراش إلى الشمس وتقدم لى ما أحتاج إليه .. شكرتها وأنا أشعر بالخجل .. فلما قالت أن زوجة عمى عبد اللطيف هى أعز صديقة لها .. تركت الأمور تجرى ..

ونمت فى الليلة التالية مستريحا ومرت الأيام .. وأصبحت أرى الجارة نعمات فى حديقة منزلها الصغير أو فى المطبخ .. أو فى شرفة البيت الخارجية.. وكانت شفتاها تنفرجان عن ابتسامة خفيفة عندما ترانى .. وكان وجهها صامتا وحزينا .. ورأيت والدتها وكانت سيدة مسنة وشعرها أبيض كفروة الخروف الأبيض .. وكانت لاتتحرك إلا قليلا .. ثم الخادمة نجية .. وهذه هى الأسرة التى حلت مكان مدام مارى .. فى هذه الفيلا الجميلة ..

وكانت نعمات .. تخرج من الفيلا فى الصباح الباكر .. حاملة حقيبة صغيرة.. وعرفت أنها مدرسة فى مدرسة أجنبية فى الرمل .. وأنها أرملة .. ومات زوجها الشاب فى حادثة مروعة فأدركت سر حزنها ..

وكنت أحييها كلما وقع عليها نظرى فى الصباح بايماءة من رأسى .. ثم أصبحت أحييها بيدى ولسانى .. إذا تصادف وخرجنا إلى الشارع فى وقت واحد لنبتاع صحف الصباح من الغلام المقطوع الساق الجالس على الناصية ..

وكنت أقف وأتحدث معها قليلا .. إذا وجدتها عرضا فى الطريق .. أو فى محطة الرمل .. وكنت أرى فى عينيها النظرة المتجاوبة .. وبريق المودة .. وكنت صادق الرغبة فى توثيق الصلة بها .. فقد شعرت عندما التقيت بها لأول مرة بميل إليها وشفقة على جمالها الحزين ..

وكنت ألاحظ أن لا أحد يختلط بها وهى من جانبها لاتختلط بإنسان فى الطريق .. أو فى البيت .. فهى تعيش وحدها كالمنبوذة ..

وكانت تقطع الطريق من المدرسة إلى البيت وحدها .. وتسير دون رفيق .. صامتة تجتر أحزانها ..

وكان وجودها فى مدرسة أجنبية قد جعلها متحررة .. وكان من يراها وهى تسير بسرعة فى الشارع .. أو راكبة أو نازلة من الترام .. يتصور أنها أجنبية ..

ولكننى لم اشاهدها على البحر فى يوم الأحد وهو يوم العطلة عندها .. ولا فى ملهى أو كازينو على الشاطئ .. وإنما وجدتها ساعة الغروب واقفة عند محطة الأوتوبيس فى رشدى باشا وبيدها كتاب ..

فلما بصرت بى مرت على شفتيها ابتسامة .. وظهر السرور فى عينيها .. فتقدمت إليها ووقفت بجانبها .. وسألتها :
ـ أنازلة الإسكندرية ..؟
ـ نعم .. لأشترى شيئا .. من محطة الرمل وارجع بالترام ..
ـ أتسمحين بأن نجلس لحظات فى ماى فير .. وأوصلك بالسيارة .. ؟
ـ شكرا .. فى وقت آخر .. وأنت ترى أن ملابسى لا تناسب ..
ـ لابد أن يتغلب الطبع والعادات الشرقية .. برغم أنك فى مدرسة أجنبية ..
ـ أننى لم أفكر فى هذا .. وأنت مخطىء .. فاعذرنى .. وسنتقابل فى وقت آخر .. واتركه للظروف ..
ولم أقل لها شيئا .. وتناولت يدها الرخصة وأركبتها الأتوبيس ..

ووجدتها بعد ذلك بيومين سائرة فى طريق الحرية ولم تشعر بى إلا وأنا واقف بجوارها بسيارتى .. وسلمت عليها .. ونزلت من السيارة .. لأدعوها للركوب معى ..

فقالت :
ـ اننى معتادة أن أتمشى لأتريض .. وهذا أحسن لصحتى .. ثم أنا لا أركب سيارة ملاكى ..
ـ لا تجعلينى أسىء الظن بالمرأة المصرية .. وأتيقن أنه مهما يكن علمها وثقافتها ستظل جارية .. من رواسب القرون ..
ـ أنك لا تفهم .. يا سيد كمال .. لا تفهم اطلاقا ..
ـ أنك تخشين الناس .. ؟
ـ لا .. إن هذا ما دار بخلدى قط ..
ـ ماذا إذن .. ؟
فصمتت ثم قالت فى صوت خافت وصوتها يرتعش ..
ـ إنه مات فى حادث سيارة .. وكنت راكبة بجواره ..

ونظرت إلى بوجه صامت وعينين ساكنتين .. بدأ يسبح فيهما الدمع .. ولعنت نفسى على حماقتى .. فقد أثرت أشجانها .. وسحبتها من يدها وأركبتها السيارة .. وبدلا من أن أذهب إلى البيت ملت إلى شارع البحر .. وبعد أن تريضنا قليلا .. دخلنا كازينو يشرف على البحر ..

وجلسنا إلى مائدة قرب الخليج ... وطلبت لها عصير التفاح .. فأسرعت تقول :
ـ لا .. أننى سأشرب بيرة ستاوت ..
فطلبت لها زجاجة صغيرة .. ولنفسى كوبا من عصير الليمون ..

فقالت :
ـ وأنت ألا تشرب .. ؟
ـ أشعر بالخجل وأنا أقول لا ..
ـ لا تشرب .. ؟
ـ أجل ..
ـ هذا غريب من شاب فى هذا العصر ..
ـ إن الإنسان يشرب الخمر لأنه تعس ولأنه يهرب من الحياة .. وأنا أواجهها الآن بكل أعصابى ..
ـ أولم تشرب الخمر قط .. ؟
ـ شربتها حتى أرتويت .. وحتى تيقنت من قتلها لروح الإنسان .. وجسده .. إن الإنسان مخلوق عظيم .. أبدع وأجمل الكائنات .. فلماذا نقتله ... ونلوث روحه ..؟
ـ إن كلامك هذا لا يمنعنى من قتل نفسى .. أولا تدخن .. ؟
وكانت قد أشلعت سيجارة ..
ـ لا أدخن .. لأننى لا أقلد .. وأنت قلدت صاحباتك ..
ـ إن زوجى كان يدخن .. اعطانى أول سيجارة ..

وشعرت فى أعماقى بالاستياء .. لأنها تحدثنى فى أول لقاء لنا عن المرحوم زوجها .. ولكننى عذرتها .. إذ لابد أن يكون حبه قد تمكن من نفسها .. ولم تستطع الفكاك من أسره بعد .. ونظرت إليها وهى تدخن .. كأنها غانية فى ملهى .. وتشرب الخمر كأنها راقصة تفرغ أحزانها فى الكأس .. ولم أسألها عن شىء .. يحرك أشجانها .. وكنت أحدثها أحاديث مختلفة .. وأطرى دماثتها وجمالها ولين طباعها .. وكانت تنظر إلىَّ نظرات لينة متكسرة .. وتقول لى بعينها .. إننى أشكرك وأننى أستريح إليك .. واطمئن إلى مودتك ..

وقالت :
ـ أتسمح بأن أشرب .. زجاجة أخرى على حسابى ..
وطلبت لها الزجاجة .. وقلت :
ـ وهل أنت بخيلة إلى هذا الحد .. ؟
ـ لا .. وإنما تكفى الزجاجة الأولى .. وبعد قليل سأعشيك ..
ـ أتعشينى .. ؟ إن هذا لا يحدث حتى من فتاة أمريكية ..
ـ ولكننى أنا المصرية سأعشيك ..
ـ وأنا قبلت الدعوة .. بكل سرور ..
ـ شكرا ..
ـ هل أنت مستريحة إلى عملك فى المدرسة .. أم ترينه مرهقا .. ؟
ـ أننى أسعى إلى الارهاق .. لكى لا أجد الفراغ الذى أخلو فيه .. إلى نفسى .. إن نفسى تعذبنى ..
ـ لماذا تنظرين للحياة هكذا .. بمثل هذا المنظار الأسود .. ؟ إن كل السيدات يموت أزواجهن .. ولا يقتلن أنفسهن حسرات مثلك .. إن الأيام كفيلة بمسح أحزان البشر ..

فقالت بمرارة :
ـ ولكنه ليس بزوج واحد .. أنهم ثلاثة .. ماتوا جميعا فى حوادث مروعة .. حل بهم نحسى .. مساكين ..
ـ لماذا تعذبين نفسك بهذه الخرافة .. إنهم كانوا سيموتون هكذا .. لو تزوجوا بأيه امرأة أخرى ، هكذا أجلهم ..
ـ لا تكلمنى بمنطق أرسطو .. اننى أعرف .. نفسى .. وأرجو أن تبتعد عنى .. حتى لا يصيبك النحس .. الأبدى ..
ـ أتتكلم سيدة بمثل ثقافتك هذا الكلام .. ؟
ـ إن الإيمان بالخرافة غريزى .. وأنا أنذرتك .. فابتعد ..
وضحكت ..
ـ لماذا تضحك .. ؟
ـ سأجعلك تؤمنين بعكس ما تتصورين تماما .. وسنخرج غدا فى نزهة طويلة ..
ولم تقل شيئا .. وأخذت تشرب فى صمت ..

وعلى باب منزلها .. أمسكت بيدها وضغطت عليها .. فتركتها فى يدى ورأيت لأول مرة نور الحياة يلمع فى عينيها .. نور الأمل ..
وأقسمت أن يظل هذا النور مضاء ..

* * *

وفى الصباح الباكر .. نقرت على بابى .. وحملت إلىَّ بنفسها جميع جرائد الصباح .. وكان وجهها يفيض بالبشر .. وقد تزينت لأول مرة .. وتأنقت .. ولبست أجمل ثيابها ..
وبقيت معى حوالى ربع ساعة تتحدث وتضحك .. ولاحظت أنها ولدت من جديد .. عذراء ضاحكة كالوردة الجميلة ..
وانصرفت وهى تلوح لى بيدها ..

* * *

وفى الأصيل .. أخذنا طريق سموحة الزراعى .. إلى البحيرة .. وكنت أود أن أصطاد بعض السمك .. وأتمتع بالهدوء والجمال فى تلك البقعة ..

وتركنا السيارة فى منحدر بعيد عن الطريق .. وجلسنا على شاطئ البحيرة نصطاد وكان الهدوء يخيم والطبيعة ساكنة ..

وقالت :
ـ إذا اصطدنا شيئا .. سنتعشى به فى البيت .. حتى ولو كان سمكة صغيرة ..
واصطدنا سمكة متوسطة .. وسرت بها كثيرا ..
وعدنا إلى البيت .. وأخذت السمكة وشوتها سريعا ..
ووضعتها على مائدتى .. وجلسنا معا نأكل .. كأننا زوجان ..

* * *

وفى اليوم التالى توغلنا بالسيارة حتى اقتربنا من العامرية ..

وأوقفنا السيارة فى الصحراء .. وأمسكت بيدها .. ونظرى إلى السماء الصافية .. وإلى الصحراء الممتدة إلى مالا نهاية .. وسألتها :
ـ ما أمنيتك فى هذه اللحظة .. ؟
ـ أن نموت معا ..
فنظرت إليها فى دهشة .. وكان وجهها ساكنا ..

واستطردت :
ـ أن ندفع السيارة .. إلى هذا المنحدر .. وننتهى فى لحظة .. دون أن يشعر بنا إنسان .. لقد عشت ثلاثة أسابيع معك .. كأننى .. أحلق فى السماوات بجناحين .. وليس بعد هذا سعادة .. والحياة لا تعطى إلى النهاية.. وقبل أن تتحول عنا وتأخذ منا .. يجب أن ننتهى على طريقتنا .. ونختار النهاية ..
ـ أمامك .. الكثير من الحياة والأمل ..
ـ لا .. يجب أن ننتهى الآن .. عندما رأيتك لأول مرة وأنا أعطيك المصباح .. شعرت بقلبى ينتفض .. وبسيال كهربائى يسرى فى جسمى كله فيهزه ورأيت عينيك تبحثان فى أعماق عينى .. وكنت ألاحظك من النافذة .. ومن باب البيت .. وأقف الساعات الطوال أتأملك .. وأنت جالس وحدك .. فى حجرتك .. مستغرقا فى تأملاتك .. وأشعر بقوة مغناطيسية تجذبنى نحوك .. وظللت أقاوم .. وأقاوم .. وانا أرتعش حتى لمجرد سماع صوتك .. ولا أريد أن أقول لك أننى أحببتك .. لأن هذا ليس بحب .. ولكنه جنون .. وأنا أريد أن أموت الآن وتموت أنت معى .. لأننى لن أتركك لواحدة غيرى .. لن أتركك ..
ومسحت بيدى على جبينها ..
وقلت لها فى همس :
ـ سنعيش .. وستكونين سعيدة ولا داعى لهذه الأفكار ..

وأخذنا الطريق إلى الإسكندرية .. وكانت الطريق خالية فأسرعت .. والشمس تميل إلى الغروب .. وكان الهواء يداعب شعرها .. ويمر على وجهها .. وكانت ملقية برأسها إلى الوراء .. صامته كأنها لم تستفق من حلمها اللذيذ ..

وفجأة وأنا أسرع .. قفز غلام من تحت الجسر .. وظهر أمامى فى وسط الطريق .. فضغطت على الفرامل بكل قوتى .. وإنحرفت بالسيارة لأتجنب الإصطدام به ولم أشعر بنفسى إلا وأنا واقف بالسيارة على حافة البحيرة .. وعندما صرخت الفرامل طار الغلام .. أما نعمات فارتمت على صدرى .. ولما وجدتنى سليما أخذت تغمرنى بقبلاتها كالمجنونة .. وتمر بيديها على جسمى كله .. لتتأكد من سلامة كل عضو فيه .. وطوقتنى ..

وقالت وهى تشهق بالبكاء :
ـ أنزل وأمش .. أريد أن أراك ماشيا على رجليك .. أنزل
ـ الحمد للّه .. لم يحدث شىء ..
ـ أنزل .. وأمشى ..
ونزلت .. ووقفت بجانب السيارة .. ونزلت هى وأخذت تنظر إلىَّ فى وله .. كأنها لا تصدق أننى سليم ولم يحدث شىء .. وركعت .. ودارت بذراعيها حول ساقى وأخذت تهزنى وهى تبكى ورأسها مرفوع إلى وجهى .. فانحنيت وطمأنتها ..

وأصبحنا فى يوم الجمعة .. وكانت تعرف أننى راجع إلى القاهرة صباح السبت .. فأحسسنا معا بقرب الفراق .. وعرضت عليها ألا تذهب إلى المدرسة لنمضى النهار كله معا .. فقبلت مسرورة .. ومضينا النهار على الشاطئ فى مكان منعزل .. وفى الليل ذهبنا إلى المدينة لنتعشى ونستمع إلى الموسيقى فى اثنيوس .. ولم تشرب خمرا على العشاء وقالت لى أنها لن تضع الخمر فى فمها مادمنا حبيبين ، وكانت مسرورة لهذا القرار وتحدثنا عن المستقبل .. وعرفت أننى عائد إلى الإسكندرية بعد شهرين .. لأعيش معها ولا أتركها وحيدة قط ..

ولما رجعنا إلى البيت قلت لها وأنا أضغط على يدها فى الظلام ..
ـ إن هذه آخر ليلة لنا .. وأريد أن أودعك .. قبل سفرى ..
ـ كيف .. ؟
ـ سأنتظرك فى منزلى ..
وأحمر وجهها ..

وقالت :
ـ أننى لا أستطيع أن أفعل ذلك .. فلماذا تطلب منى هذا الطلب .. ؟
ــ لأننى أحبك ..
ـ ولكن إذا رآنى .. إنسان .. ماذا يكون .. مصيرى .. إنك لست بمراهق .. هذا جنون ..
ـ سأنتظرك .. ولن أنام حتى تأتى ..
ـ لن أحضر ..
وقالت هذا بغضب .. فتركتها ودخلت بيتى ودفعت الباب ورائى بعنف ..

* * *

وحتى الساعة الثانية صباحا .. لم أخلع ملابسى ولم أذهب إلى الفراش .. وأخذت أروح وأجىء فى صالة البيت كالنمر المحبوس فى قفصه .. وكنت غاضبا وقلقا .. وأخذت ألعن الأقدار التى ألقت بهذه المرأة فى طريقى .. وثرت عليها ولو كانت معى فى تلك الساعة لسحقتها .. أو خنقتها .. فقد كنت فى حالة جنون مطبق ..

وفى الساعة الرابعة سمعت الباب يفتح .. ورأيتها داخلة .. بخطى متثاقلة وجريت إليها وسلمت عليها ..
وبقينا كذلك إلى الصباح ..

* * *

وفى الصباح وقفت على الباب تودعنى وقالت :
ـ كلمنى فى التليفون .. عندما تصل .. إلى استراحة شل .. وعندما تصل الهرم .. وعندما تصل .. إلى مصر الجديدة .. كلمنى سأظل بجانب التليفون طول اليوم ..
كانت تخاف الأقدار ..
* * *

ولم أكلمها .. فقد أصبت فى حادث تصادم وقع لسيارتى قبل أن أبلغ استراحة شل .. ونقلت إلى أقرب مستشفى .. وعندما عدت إلى رشدى أرسلت إليها برقية أنبئها باننى وصلت سالما ..

===============================
) نشرت بمجلة الجيل الجديد فى 6/ 12/ 1954 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان (الجمال الحزين) وبمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
=================================



ليست هناك تعليقات: